الخميس 7 من ربيع الأول 1440 هــ 15 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48191

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مديرة قطاع التعليم بالبنك الدولى فى حوار مع «الأهرام»: مشروع تطوير التعليم المصرى متكامل

حوار ــ سارة العيسوى
الدكتورة صفاء الكوجلى

  • ضرورة بناء ميثاق اجتماعى جديد وتغيير ثقافة الشهادات فى مقابل المهارات

  • الخوف من التغيير والفشل والمصالح الشخصية أهم معوقات تطوير المنظومة

  • %60 نسبة الحفظ لدى الطالب فى دول المنطقة مقابل 30% عالميا

  • التكنولوجيا جزء أساسى من حياتنا ولا يمكن إغفالها فى تحديث العملية التعليمية

  • 3 سنوات دراسية مفقودة فى التعليم تحول دون اكتساب الطالب المهارات المطلوبة

  • التنسيق بين متطلبات سوق العمل والمهارات المكتسبة من التعليم ضرورة حيوية

 

تطوير التعليم المعضلة الأساسية التى تواجه دول العالم بلا استثناء، المتقدم منها والنامى ،وتزداد أهميته وتصبح أكثر إلحاحا فى دولة مثل مصر تضع فى مقدمة أولوياتها التنمية البشرية بشقيها التعليم والصحة.

وجاء حوار الأهرام مع الدكتورة صفاء الكوجلى، مديرة قطاع التعليم بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالبنك الدولى، والتى تحمل الجنسية السودانية، ليكشف عن العديد من التحديات التى تواجه مصر ودول المنطقة، فيما يتعلق بإصلاح منظومة التعليم ورفع مستوى الخريجين من الشباب، والتى بدأت كلامها بإلقاء الشعر العربى الفصيح فى حب مصر وحضارتها وشعبها ،مؤكدة فى حوارها ضرورة بناء عقد اجتماعى جديد للتعليم بين جميع أطراف العملية التعليمية، ليمثل انطلاقة حقيقية لتطوير وتحديث العملية التعليمية ،بما يخدم أهداف التنمية المنشودة.

وفيما يلى نص الحوار:

كيف ترين مشروع إصلاح التعليم الذى أطلقته مصر وتعمل على تنفيذه بدعم من البنك الدولى؟

اعتقد أنه مشروع طموح ومتكامل يشمل جميع اطراف العملية التعليمية ،واهم ما يميزه انه مصرى اصيل وليس مستوردا، مما يجعله أكثر قدرة على مواجهة المشكلات الحقيقية التى يعانى منها التعليم المصرى والتعامل معها بأفضل الطرق التى تناسب البيئة والثقافة المصرية ،والمشروع يتعامل مع جميع اطراف العملية التعليمية دون تغليب طرف على الاخر، واعتقد أنه سيحقق أهدافه مع استمرار الإرداة السياسية والمجتمعية للاصلاح، والنهوض بالتعليم الذى يمثل حجر الزاوية فى التنمية البشرية والاقتصادية، والبنك الدولى يدعم المشروع ويتابع تنفيذه ويتم اجراء تقييم مستمر لعملية التنفيذ لضمان الوصول إلى النتائج المستهدفة.

ما هى أهم المشكلات التى يمكن أن تعوق نجاح هذا المشروع؟

الخوف من التغيير من جانب جميع أطراف العملية التعليمية، سواء القائمون على التحديث او المدرسون والمديرون واولياء الأمور والطلاب ،هو أكثر ما يمكن ان يعوق عملية التطوير فى منظومة التعليم، وكذلك الخوف من الفشل قد يدفع الى عدم التجربة وتجنب الدخول فيها ،وارى ان الفشل هو جزء من النجاح، فلابد من التجربة والخطأ لنتعلم ما هو الصحيح والمناسب، ولكن مع وجود مشروع مدروس جيدا، والاستفادة من التجارب السابقة للدولة نفسها، وكذلك تجارب الدول الاخرى، تكون احتمالات النجاح أعلى بشرط استجابة اطراف العملية التعليمية بنسب متقاربة ومرتفعة، ووجود ايمان واقتناع بضرورة التطوير، ورؤية واضحة لانعكاس نتائجه على المجتمع كله من الطلاب واسرهم، وكذلك على المدرسين والمديرين.

رصد التقرير أربعة معوقات أساسية أمام عملية تطوير التعليم فى دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فكيف يمكن التعامل معها؟

رصد التقرير 4 معوقات رئيسية امام تطوير العملية التعليمية فى مصر ومنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا تحول دون تحقيق تقدم ملموس فى رفع كفاءة المنتج التعليمى، والتحول من التعليم الى التعلم بما يخدم اهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أولها عدم التوازن بين الشهادات والمهارات ،فالشهادة هى وثيقة تفويض على شكل درجة علمية من المفترض ان تعبر عن المهارات التى تم اكتسابها، والتى يجب ان تزيد مع زيادة سنوات الدراسة، ومعظم الدول التى شملها التقرير تعانى من ضعف الطلب على المهارات فى مقابل زيادة الطلب على الشهادات فى سوق العمل، مما يجعل الأسر تركز على حصول ابنائهم على الشهادات اكثر من الاهتمام بزيادة مهاراتهم وقدراتهم على الفهم والاستيعاب والابتكار، ويستجيب النظام التعليمى فى معظم الاحيان لهذا الهدف.

اما العامل الثانى فهو عدم التوازن بين الانضباط المتمثل فى الحفظ والتلقين وبين الاستعلام، والانضباط هو التركيز على الحفظ والتعليم السلبى بشكل مفرط مما يستغرق وقت الطالب والعملية التعليمية على حساب الوقت اللازم لتنمية مهارات التفكير النقدى .فرصد التقرير ان ثلاثة ارباع الطلاب فى الدول العربية يتعلمون الرياضيات بالحفظ، وهو أمر غير متصور، فمن الممكن حفظ جدول الضرب للمساعدة على حل المسائل الرياضية، ولكن كيف سيكون الوضع فى حالة حفظ المسائل نفسها .فلا يمكن انكار اهمية الانضباط للتحصيل والتعليم إلا أن الافراط فيه يؤدى الى إعاقة الطالب عن فهم محيطه ووضع الأشياء فى السياق الصحيح ، واستكشاف الافكار وبناء المهارات.ونجد الطالب فى مصر والدول العربية يعتمد على الحفظ بنسبة 60% وهى من أعلى النسب على مستوى العالم، حيث المتوسط العالمى يصل الى 30% .

والعامل الثالث فى اعاقة العملية التعليمية هو السيطرة والاستقلالية من خلال تحقيق لامركزية التعليم والخدمات التعليمية وتوازن القوى بين الوزارات والهيئات التعليمية والمدارس،ورغم وجود محاولات عديدة لدول المنطقة فى تحقيق اللامركزية فى العملية التعليمية فإنها لم تنجح بالقدر الكافى.

أما العامل الرابع فهو التقليد والحداثة، حيث يرى بعض العلماء أن هذا هو التحدى الاكبر، ويتمثل فى تحقيق المواءمة بين الاحتياجات التنموية للعالم والمتطلبات الدينية، ما انعكس على وجود صراع بين الرغبة فى التحديث وبين التمسك بالقديم .والدين جاء اساسا لتطوير المجتمع، فلا يمكن ان نحوله نحن إلى عائق لهذا التطوير .

كيف نتغلب على هذه المشكلات لتتمكن منظومة التعليم والتطوير من تحقيق نتائجها؟

التغلب على هذه المعوقات الاربعة يتطلب بناء ميثاق اجتماعى جديد للتعليم، يعتمد على رؤية موحدة تؤمن بإعلاء قيمة المهارات على الشهادات، وهذا يتطلب تغييرا فى ثقافة المجتمع وطريقة تفكيره، كما يتطلب ضرورة أن تتغير ثقافة سوق العمل لتكون المهارات والابتكار والابداع فى مقدمة متطلبات الوظيفة وليس الشهادات العلمية والدرجات الجامعية التى قد لا تعبر فى كثير من الاحيان عن المهارات المطلوبة لأداء الوظيفة، وهذا يتطلب ترابطا وتعاونا وتنسيقا بين القائمين على العملية التعليمية بجميع أطرافها وبين اصحاب الاعمال والمؤسسات من القطاعين العام والخاص، لتحديد المهارات المطلوبة فى الخريجين ،التى تلبى احتياجات اصحاب الأعمال، فسوق العمل لاتعطى اشارات واضحة للمهارات المطلوبة، كما يجب ترك الطموحات الشخصية لبعض اطراف العملية التعليمية وتغليب المصلحة العامة لتطوير العملية التعليمية، كذلك التعرف على تجارب الدول السابقة، ومعرفة كيفية تحقيقها للنجاح المنشود، ومنها تجربة كوريا الجنوبية التى خرجت من الحرب فى التوقيت نفسه الذى تحررت منه مصر من الاستعمار، ولكنها تمكنت الآن من تحقيق معدلات مرتفعة فى تطوير التعليم ،وهو ما يمكن الاستفادة منه فى معالجة مشكلات المنطقة.

المعلمون طرف أساسى فى المنظومة التعليمية، فكيف يمكن تحويلهم إلى عنصر فاعل فى عملية التطوير؟

المعلم يحتاج إلى جهد كبير ليكون شريكا وليس مجرد منفذ لسياسات تطوير التعليم وبرامجه، فهو حلقة الوصل بين المنهج الدراسى والطالب والادارة الرئيسية للتطوير ونقل المحتوى بشكل مبسط وقريب لعقل وفكر الطالب فى العصر الحالى ،لذلك مهمة إعداده وتهيئته لتطوير منظومة التعليم أمر محورى من خلال التدريب والتأهيل وكذلك التحفيز المستمر ،فنجد ان الحائزة على جائزة افضل معلمة فى العالم وهى فلسطينية الجنسية قالت إنها حصلت على هذا اللقب بفضل جهودها مع الطلاب، وتبسيط المنهج الدراسى من خلال الالعاب والرسوم المجسمة، وهو اسلوب يجب ان يتم استلهامه والتوسع فى تطبيقه.

هل تعتقدين أن الإنفاق على التعليم فى دول المنطقة يكفى لتحقيق التطوير المستهدف؟

الإنفاق على رأس المال البشرى فى المنطقة لايزال محدودا بالنسبة للإنفاق على رأس المال المادى المتمثل فى البنية التحتية والمرافق والمشروعات، والنمو المستدام يتطلب استثمارا أكبر على العنصر البشرى، لأن هذا العنصر هو الذى يحقق الابتكارات والاختراعات والتقدم، وهو الذى سيعمل بالمشروعات ويستفيد من البنية التحتية التى يتم الإنفاق عليها ويعلى من قيمتها وليس العكس، ما يتطلب ان يكون الإنفاق على رأس المال البشرى أعلى ،وتنمية العنصر البشرى تشمل التعليم والصحة، ويزداد الإنفاق على الصحة فى مقابل التعليم فى عدد من دول المنطقة.

استخدام التكنولوجيا فى التعليم أصبح توجها واضحا وتقابله اعتراضات بسبب ضعف البنية التكنولوجية فى بعض الدول، فهل تعتقدين أنه وسيلة ناجحة وفعالة؟

التكنولوجيا أصبحت جزءا أساسيا من حياتنا، ولايمكن أن يتم تجاهله فى تطوير وتحديث العملية التعليمية ،فمع التطور التكنولوجى الهائل والامكانيات الواسعة المتوافرة، يجب ان تستفيد العملية التعليمية منها وتوظفها بالشكل المناسب والملائم لكل بيئة ،فتجاهل التكنولوجيا فى التعليم سيزيد الفجوة بين هذه الدول والعالم المتقدم وسيعزل الطلاب عن التطورات العالمية. والمهم ليس فقط فى استخدام التكنولوجيا ولكن فى كيفية توظيفها، بمعنى آخر كيفية استخدام التابليت وليس مجرد توزيعه لدفع التعليم للامام ،وزيادة مهارات الطلاب وقدراتهم على التفكير والابتكار ،كما يتطلب ان تكون المناهج الدراسية مواكبة لهذه التطورات التكنولوجية وقادرة على مخاطبتها و كذا مخاطبة عقول الطلاب والتأثير فيها لتحقيق التعلم الحقيقى .

ذكرتم أن معدل السنوات الدراسية لا يتناسب مع معدل التحصيل والمهارات فى دول المنطقة، ما سبب هذا الخلل؟

بالفعل هناك 3 سنوات دراسية مفقودة فى معدل التحصيل والمهارات فى معظم النظم التعليمية بدول المنطقة، ويرجع ذلك بشكل اساسى الى المعوقات الاربعة التى تم ذكرها سالفا، والتى تعوق العملية التعليمية وتحول دون اكتساب الطلاب المهارات المطلوبة ،لذلك نحتاج الى تطوير المنظومة والتركيز على التعليم العملى والتطبيقى أكثر من التعليم النظرى وتنمية المهارات واكتساب الخبرات ،فبناء المهارات الاساسية يجب ان يبدأ من الطفولة المبكرة والتأكد من ان المعلمين وقادة المدارس مؤهلون، وضرورة تحفيزهم لزيادة التطوير المهنى وتحديث علم التربية والممارسات التعليمية وتعزيز قيم الابداع والابتكار ومعالجة تحدى لغة التدريس بين العربية العامية والفصحى ومتابعة تطور الطلاب وتعلمهم بانتظام، والاستعانة بالتكنولوجيا وذلك لضمان تحقيق اعلى استفادة.

ما هى أبرز النتائج التى تم رصدها فى تقرير التعليم فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والذى صدر أخيرا عن البنك الدولى؟

عرض التقرير عدة نتائج من ابرزها ان هناك امكانيات كبيرة تعليمية فى المنطقة غير مستغلة، وتأتى منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا من اقل مناطق العالم من حيث حصة رأس المال البشرى فى اجمالى الثورة، والتى تصل الى 35%، كما تتفوق الفتيات على الفتيان فى المدرسة، ولكن تتأخر النساء فى سوق العمل ونسبة مشاركتهم فى المنطقة هى الاقل على مستوى العالم، مما يؤكد وجود فرص عديدة. كما اظهر التقرير ان المنطقة حققت تقدما كبيرا من حيث عدد المدارس التى تم انشاؤها ولكن نوعية التعليم لاتزال منخفضة.

فهناك واحد من كل 5 اطفال فى الصف الثالث الابتدائى فى مصر يستطيع قراءة جملة واحدة بسيطة، وكذلك لا تتطابق سنوات الدراسة مع سنوات التعلم. كما يرصد التقرير تمتع دول المنطقة بامكانيات كبيرة وغير مستغلة فى رأس المال البشرى، ورغم التطور الكبير الذى تشهده دول المنطقة اقتصاديا وسياسيا، فإن التطور فى الانظمة التعليمية لايزال بطيئا، مما يتطلب بذل مزيد من الجهود على هذا الصعيد وتعظيم الاستفادة من الموارد والامكانيات المتاحة وتوظيف التكنولوجيا كأحد ابعاد العملية التعليمية.

كيف يمكن جنى ثمار الإصلاح فى عملية التعليم والشعور بجدواها؟

جنى ثمار التعليم يتطلب الموائمة بين الدفع نحو التعلم وجذب المهارات واعادة ترتيب اولويات سوق العمل، بحيث يرتفع الطلب على المهارات بما يمكن من زيادة مساهمة التعليم فى الاقتصاد ومعالجة الاختلالات فى منظومة التعليم، ومن اهمها الابتعاد عن التوازن الوثائقى والتحرك نحو التوازن المهاراتى بمساعدة الاصلاحات فى سوق العمل وتحديد اولوياته، واصلاح الخدمة المدنية لدعم توظيف افضل للمعلمين، وتحفيزهم وتمكينهم وتوزيعهم حسب احتياجات المدارس فى المناطق المختلفة.

كما يجب ان تعكس المناهج الدراسية المهارات المطلوبة فى المجتمع وسوق العمل، بدلا من المناهج القديمة التى تنفصل عن واقع الحياة العملية، وتؤدى الى عدم التوافق بين مكتسبات الطالب ومتطلبات المجتمع وسوق العمل.

كما يتطلب الامر اجراء اصلاحات جوهرية فى معالجة المعايير الاجتماعية التى تمنع الاصلاح، وهو امر ليس سهلا، ولكن يمكن تحقيقه مع الاصرار والارادة من خلال رفع الوعى المجتمعى بمساندة من وسائل الاعلام والمجتمع المدنى.

واعتقد ان شعوب منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا لديها من الوعى الكافى لادراك اهمية تطوير التعليم وتحديثه بناء على تاريخ هذه المنطقة العريق وحضارتها، كما انها تمتلك الموارد الكافية للقفز الى مستقبل قائم على مجتمع متعلم واقتصاد معرفى، وشعوب وشباب المنطقة لديهم تطلعات وتوقعات كبيرة. وتحقيق الاصلاح فى منظومة التعليم امر يمكن تحقيقه، ولكنه يتطلب التزام الجميع بجعل التعليم ليس اولوية وطنية فقط، ولكن حالة طوارىء وطنية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق