الجمعة 1 من ربيع الأول 1440 هــ 9 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48185

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى عزاء فينست فان جوخ

محمد هلال;

بينما كانت جثة الفنان التشكيلى «فينست فان» لليوم الخامس طريحة على أرض الحديقة؛ بعد أن صوب فوهة بندقيته داخل أذنه وضغط بسبابته على زنادها.. كان كهنة الوقت يختلفون فى شأن التصرف فيها، قال أشدهم عتيًا وغلظة بعد أن رفع بأصابعه القصيرة رموش عينيه الطويلة المبعثرة المتشابكة لشدة قاذوراتها؛ ليتمكن من رؤية من يخاطبهم ويبصق على الجثة: علقوه فى أعلى أشجار الغابة من قدميه كما تفعل «داعش فى قتلاها»..

بعد تأمل ساده صمت قليل قال: عجيب أمر هذا القاتل لنفسه! فإن جثته رغم يومها الخامس لا رائحة كريهة لها مثل الموتى العاديين، بل يفوح منها مايشبه رائحة الياسمين! أخشى أن يفتن ذلك العامة والدهماء والجهلاء ويظنوه قديسًا.. اسكبوا عليه الروائح المنتنة الكريهة حتى ينفر الناس منه ويصفونه بالفاسق.

قال من مسح على وجهه مسوح رحمة وشفقة؛ شارحًا حكمة الغليظ ذى الرموش المتشابكة مما علق بها من قاذورات: لتتدلى جثته طعامًا للغربان والبوم والعقبان من طيور معبدنا المقدس، والقطط السوداء التى يشرب دماؤها عبدة الشيطان.

قال قصير القامة أحدب الظهر، الموسوم وسطهم بالذكاء والحنكة: «لادفن لمن قتل نفسه، ولاعزاء».. هكذا ألهمنا المعبود نحن حراس شريعته، الرأى أن يترك هكذا حتى يذوب مثل ماء النار؛ بعدها ستبتلعه شقوق الأرض و ستنبت شجرة الجحيم من ماء جسده المأفون.. فنشعل فيها النار.. هكذا قال السفر التاسع بعد الألف الأول من أسفار المعبود.

بعد وقت جاء خازن أسرار المعبود وكان أطولهم قامة وقد قلوظ قلنسوته الملونة التى تشبه مهرج السيرك؛ وأخرج من تكة سرواله مطوية قديمة من جلد حيوان نافق وفرشها على الأرض،فإذا هى مليئة بالنقوش والأشكال الهندسة الغريبة ورسومات لثعابين وخفافيش ودود الأرض، وأشار إلى أحدالنقوش المزركشة بألوان باهتة، وقال هذا نقش الأسرارالخاص بقاتل نفسه..ومعناه كما ألهمنى المعبود: « من قتل نفسه فى حديقة المعبود؛ فقد فعل ماتفعله دواعش الأزمان المتكررة بغير المؤمنين بهم.. فأجلدوه ألف سوط،وبولوا عليه أبوالًا كثيرة، ونادوا فى العامة والدهماء ليلعقوه ويلعنوه ويشكروا المعبود أن خلصهم من شروره؛ فلو طال بمثل هؤلاء الأجل لجدبت الأرض وعقرت النساء وعقم الرجال وحل الخراب الكبير، فإن تأففوا اقتلوهم فذا حق المعبود حتى لايحل غضبه علينا فنهلك.

بينما كهنة الوقت يتشاورون فى كيفية التنكيل بجثة من لايروق لهم فعله وجدوا ورقة أسفل ذراع «فينست فان جوخ»؛ التقطها أحدهم وجعلوا يمررونها فيما بينهم ليعرفوا مابها، فكانت الصفعة غير المقصودة لجهلهم، كلهم لايعرفون القراءة والكتابة.

صرخ كبيرهم:أحضروا من يفك طلاسم الورقة فنحن كهان اليوم قديسون الغد لايليق بنا أن نقرأ كلمات الفساق المنتحرين، وإنما واحد من الدهماء يعرف القراءة اللعينة.

قال من جاء ليقرأ الورقة: إنها بعض كلمات حكيمة للفنان فينست فان.

صرخ كبيرهم ثانية موبخًا القارئ: تقول كلمات حكيمة أيها الأبله؟ وهل يكتب الدهماء والعصاة الحكمة؟ الحكمة مانقوله نحن حراس شريعة المعبود، وأمر بجلده الف جلدة واستدعاء غيره، لكن الرجل رغم قسوة الجلد لم يتأوه أو يئن، كما فعل الحسين بن منصور الحلاج فى بغداد حين أمر الخليفة العباسى المقتدربناءً على ماحكم به قضاته قائلًا: إنا نتنازل عن حقنا فى تأليبه للعامة والدهماء علينا، لكنا لانملك أن نتنازل عن حق اللـه فيسحقنا غضبه؛ أن نترك زنديقًا يهذى بكلمات الإلحاد والكفر البيّن، فليجلد ألف سوط، ثم يصلب وتقطع يداه ورجلاه وتجز رأسه ويطوف بها الفرسان على أسنة الرماح فى البلاد ليرتدع من يقول بمثل قوله، ثم تحرق جثته وينثر رمادها من أعلى المئذنة المطلة على نهردجلة.

قال مرتعشًا مرتعبًا من جاء ليقرأ كلمات «فينست فان» بينما الجلاد يمارس قسوته على ظهر صاحبه: هى فقرات غير منتظمه قال فى إحداها «إننى أحاول جاهدًا أن أكون نفسى، ولايهمنى كثيرًا هل يقبل الناس أم سيرفضون ذلك».

وقال فى غيرها: «لوحاتى لايشتريها أحدٌ الآن وأنا لست مسؤلًا عن ذلك، وسيأتى يوم ويكتشف الناس أن هذه اللوحات أغلى من حياتى فأنا أرسم للمستقبل».

قهقه كبيرهم فقهقهوا، وقال: ماهذا الخرف والكفر بالمعبود؟ يرسم للمستقبل والمستقبل لايعلمه إلا المعبود، ياله من فاجر!

................

بعد مرور عصورعديدة من تراكم الظلام الكثيف الذى أحاط بالغابة، وغلّف الرؤوس صقيعٌ جمدها مثل كتل حجرية، ظهرت كوة صغيرة نفذ منها شعاع دفء، بعدها جعلت الكوة تتسع والشعاع ينتشرتارة وتارات يختفي؛ ليعود الصقيع يجمد الرءوس كقطع حجرية، رأه الناس فى مناطق عدة فوق خريطة هيروشيما وبورما وفلسطين والعراق وسوريا واليمن الذى كان يوصف بالسعيد، واكتفوا بأن جحظت عيونهم دهشة، القليل منهم استنكرفى العلن وباركه فى الخفاء خشية أن تغضب الرءوس الحجرية.

................

ذات «ليلة مرصعة بالنجوم» انفتحت أرض الغابة عن سرادق كبير أزرق اللون للعزاء أذهل العالم، زاد عدد المعزين فيه على مئات ملايين « فينست فان». صرخ أحدهم فى مكبرات الصوت التى هزت قوتها أشجار الغابة والغابات المجاورة، فجاءت الطيور من أعشاشها لترفرف فوق سرادق العزاء: أيها الأغبياءالراقدة عظامكم الدنسة الآن فى جوف الأرض تحت أقدامنا، «فينيست فان» لم يقتل نفسه، ولم يقذف فى رأسه القنابل النووية، إذا كيف يكره الحياة من يعشقها؟!

كان غباء عقولكم يدور مثل دوامة حمقاء فى أذنه الوسطى، فيدور رغمًا عنه لشدة دوران حماقتكم.. ولكن من كانوا يدّعون الحكمة والطب وعلم الغيب منكم قالوا: مجنون يعبث الجن برأسه فليعزل عن الناس، وليضرب على أم رأسه بقوة حتى ينسى هواجسه و تهجره الجن والشياطين..

ولما ضاقت أفهامكم عن معرفة مايريد قطع أذنه؛ من شدة الدوار لتكفوا عن ممارسة الغباء والتلذذ بالصقيع الذى جعل عقولكم قطعًا حجرية، ولكن الظلام تراكم حتى أطبق على كل شىء، واشتد دوار جهلكم برأسه، فوجه فوهة بندقية الصيد التى كانت معه داخل أذنه ليوقف الدوار العنيد؛ ويحاول فتح كوة ينفذ منها النهار ودفء الشمس ليذيب صقيع عقولكم.

ارتفعت الأكف بالتصفيق والهتاف: يحيا «فينيست فان» فاتح كوة النهار وجالب دفء الشمس، وليذهب عشاق الظلام إلى ظلمات الجحيم.

بينما كانت الأصوات تهتف بحياته التى فقدت جسدها منذ أزمان الظلام البعيدة، نبتت من ماء جثته التى شربتها أرض الحديقة «زهور الخشخاش» الملونة، وتحمس بعض وجهاء زمن الشمس الجديد فصنعوا أذنًا كبيرة جدًا تخليدًا لأذن «فينيست» المقطوعة، وجعلوا لها متحفًا وسط المدينة يضم لوحاته المبهرة التى يتوافد عليه الناس لرؤيتها، وبجوارها وضعوا «زهور الخشخاش» و «فروع شجرة اللوزالمزهرة» ومن عجب فإنها لاتذبل ولا تجف.. ومنهم من أقام معملًا كبيرًا لعلماء الطب لعلاج دوار الرءوس المخيف، حتى لاتعود أدمغة الظلام الحجرية للتحكم فى مصائر البشر.

................

كانت المصادفة وحدها وراء حضورى هذا العزاء الغريب، اعتصرنى الحزن لطريقة الموت الجسدى القاسى لهذا الرجل المتميز، وهتفت فى نفسى: «معذرة فينست فان جوخا»، ظنوك مجنونًا تعشش الجن والشياطين فى رأسك، وأشاعوا عنك كذبًا أنك قد قطعت أذنك قربانًا لها؛ حين تعرت سوءة جهلهم.

اقترب منى حثيثًا؛ ربت فوق كتفى برفق وهمس فى أذنى: لكل عصر شهداء يزيحون جليد العقول الحجرية، ويرفعون قدر جهدهم ستار الظلام السميك مثل أسفلت الطرق السريعة؛ ليتنفس النهار وتشرق الشمس، إذا استطعت أن تكون منهم فأفعل فهومن أعظم الأعمال ولاتأبه لرحيل جسدك فالشهداء لايموتون.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق