الجمعة 1 من ربيع الأول 1440 هــ 9 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48185

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكايات الدكتور فرغلى

عمرو العادلى;

تحلق حولنا عمال ثلاثة يلبسون زيًا برتقاليًا موحدًا، هللًوا بصوت متقارب:

«أهلا وسهلا. نورت المكان يا دُكتور»

حياهم الدكتور فرغلى بإيماءة كسولة، رأسه الأصلع ينحنى قليلًا فيرسل فى وجوههم إشارات ضوئية سرعان ما يفهمونها، انتبه الدكتور لأنهم لم يرحبوا بى، فأضاف وهو يفرد كفه تجاهى:

«صديقى الأستاذ عمر»

فقالوا وكأن أحدا داس على زر:

«نورت المحل يا عمر بيه»

«هات لى طبق الكشرى بتاعى»

قال الدكتور فرغلى فانصرف اثنان من المرحبين وبقى واحد يستمع، مال رأسه ناحيتى فى انحناءة بسيطة وقال:

«وعمر بيه يطلب إيه؟».

«هات له زيى»

قال الدكتور فرغلى فابتسمت، جاءت الطلبات بعد أقل من خمس دقائق، عشرة أطباق ما بين كبير وصغير، يحملها شخص رابع جاء جريا من الداخل، أمسك الدكتور بكل الأطباق الصغيرة عدا الشطة، دلقها فى طبق الكشرى الكبير، ثم تحسس رأسه الملساء المجعده وهمَّ بغرز الملعقة فى الطبق:

«انتَ عارف يا عمر افندى إن المحل ده ممتاز جدا؟»

يضحك، ثم يضيف قبل أن أبحث عن إجابة:

«وعارف كمان إن الكشرى ده أخف طبق على المعدة عشان بيتهضم بسرعة؟».

بدأت أفعل مثلما يفعل تمامًا، دلقت الأطباق الصغيرة فى الطبق الكبير، تذوقت وبدأت أحدد الطعم. كلمات الدكتور فرغلى تخرج بطيئة وكأنه يرصها فى مخه أولا ثم تتداعى ضعيفة بصوت أقرب لمناجاة منها لمناقشة:

«ولا إيه رأيك يا بقى يا سى عمر؟».

يضحك. وأهز رأسى موافقًا على ما يقول.

فط المنادى، قفزتين وأصبح بجوارنا رغم بدانته، يمسح يديه فى فوطه نظيفة يلفها حول خصره:

«أى خدمة تانية يا دُكتر؟».

«هات سلطة».

«وأجيب لعمر بيه كمان؟».

توقف الدكتور عن دس الملعقة فى فمه واكتفى بمضغ ما أكله، كان يلوكه ببطء يتناسب مع رجل على مشارف السبعين. انصرف المنادى ومال رأس الدكتور فرغلى باتجاهى كأنه سيبوح بسر:

«تعرف ان كلمة دكتور دى عاملة لى مشاكل كتير. ممكن واحد من العمال الغلابة دول يقول لى عندى صداع يا دكتور أو بطنى وجعانى. تفتكر ساعتها مش هبقى سخيف لما أقول له إنى دكتور فى علم الاجتماع؟».

جاء المنادى بالسلطة، وضعها بين الأطباق الكثيرة، ابتسم له الدكتور ممتنًا.

فوجئت بأننى أنهيت طبقى ولم يكن هو قد أكل نصف طبقه، قال والملعقة متوقفة أمام فمه:

«وانا قدك كنت باكل طبقين فى عشر دقايق».

مر الوقت مملًا، لا أدرى ماذا أفعل حتى ينتهى من طبقه الذى كان من الواضح أنه لن ينتهى منه قريبا.

«أطلبلك حلو بقى؟».

ربما أدرك سخف الانتظار فاقترح ذلك العرض، شكرته وأخذت أدحرج حبة أرز على المنضدة الرخامية بتفاهة ساقنى إليها الفراغ. لكن الدكتور فرغلى سرعان ما قال فى نشوة واضحة:

«تعرف إن عيون البوتاجاز الأربعة لو اشتغلوا فى وقت واحد متعرفش تعمل طبق زى ده. دا غير التكاليف بقى والبهدلة»

دس الملعقة فى فمه وبدأ يمضغ، ثم ثبَّت نظرته على طبقه لعدة ثوان:

«انتَ تعرف يا عمر إن الستات دول بيتعبوا أوى»

جاء المنادى يحمل طبق أرز بلبن. وضعه أمام الدكتور فرغلى ونظر لى مبتسما:

«لو دقت رز الفرن بتاعنا يا عمر بيه هتدمنه».

«هات له يا سيدى وأمرنا لله».

قال الدكتور فرغلى ثم أخذ يحك ناصيته بسبابته:

«كنا بنقول إيه يا عمر بك؟».

يضحك.

وقبل أن انتبه وأفكر كان هو قد سبقنى وتذكَّر:

«من ييجى شهر بنتى اتأخرت فى الجامعة. وأمها كانت مستنياها عشان يطبخوا لنا محشى ورق عنب. خرجت من أوضة المكتب وأنا زهقان. الغدا اتأخر والمدام محتاسة وأنا جعان. جعان وقرفان».

عود مكرونة اسباكيتى أطول من اللازم تدلى من بين شفتيه، ظل يشفطه ويشهق كأنه يقاوم الغرق، حتى اختفى فى فمه تماما، ثم أكمل:

«قامت الست بتاعتى بمنتهى الهدوء قالت لى ساعدنى شويه يا أخى على ما البنت تيجى. قلت لها طيب مقلتيش كده من بدرى ليه؟ انتِ يعنى بتخترعى الذرَّة».

وضع الرجل طبق الأرز باللبن أمامى برشاقة ووقف ينتظر أى طلبات، رفع الدكتور يده له بالتحية فانصرف. الدكتور ينتهى الدكتور من نصف طبق الكشرى بعد، ويبدو أن المشوار لا يزال طويلا. تركته يستدعى حكاياته وبدأت أتفاعل مع طبق الحلو. الدكتور يمضغ خلطة الكشرى ويحملق فى شئ ما عاليا ثم يطلق كلماتة بسرعة كأنه يخشى تبخرها:

«انتَ عارف رصة ورق العنب اللى بتتحط فى غطا الحلة وبنشوفها كوم صغير دي؟ طلعت مشكلة عويصة محتاجة لرسالة دكتوراه. هيّ فى الحقيقة طلبت منى حاجات خفيفة. ده بقى اللى أنا كنت فاكرة. قالت لى أقعد انتَ بس وافرد لى ورق العنب ورصه كوم على بعضه. أخدت منها شوية ييجو تلت الطبخة. وألاقيلك يا أخى الشويه الصغيرين دول فيهم ييجى خمسميت ألف ورقة عنب».

يندمج الدكتور فرغلى مع الحديث بإيقاع إلقاء المحاضرات، فرأسه يذهب فى جميع الاتجاهات، ويداه تعملان بجد ونشاط، وصدره ينفرد وينكمش، يفكر كثيرا قبل أن يتكلم:

«قلت مش مشكلة. يعنى هيَّ الورقة حتاخد إيه. فضلت أفرد فى ورق العنب مدة طويلة جدا. ضهرى وجعنى من القعدة، وكل شويه النضارة تسيب وشى وتنزل، وارفعها بإيدى الملحوسة. حاجة بائسة جدًا».

كان قد وصل لقرب نهاية طبقه، أصدرت الملعقة صوتا وهو يلملم ما تبقى من حبيبات أرز ومكرونة من أجناب الطبق الأستنلس ستيل، كومهم ثم رفعهم فى ملعقة واحدة وسحب طبق الحلو دون أن يفض غطاءه، أخذ يشير بالملعقة:

«فضلت كتير أرص ورق العنب يا عمر؟ أكتر من ساعة ونعمة ربى. ويا ريته فى الآخر جه بفايدة. أتارينى طول الوقت بشتغل غلط.»

اتعظت من سرعتى فى التهام طبق الكشرى فأبطأت عندما بدأتُ أتعامل مع طبق الحلو، فقط طرف الملعقة يحمل الأرز وأتلكأ فى دفعها لفمى، أفادتنى الخطة قليلا حتى أصبحت أجارى الدكتور فرغلى الذى لم يفض غطاء الحلو بعد، فضّل على ذلك أن يكمل حكايته:

«أنا عمَّال أرص ورق العنب بمنهجية. واحدة فوق واحدة، أتارى الستات بقى بيرصوه بشكل دائرى عشان ميتفرغش منه الهوا وميلزقش فى بعضه. قمت لما رصيته بشكل أفقى اتفرغ منه الهوا. ولما سألتني: رصيته؟ قلت لها نيلته. كنت ابتديت أزهق ونفسى تتسد عن الأكل وفكرت أدخل أنام علشان أدارى خيبتى».

بدأ الدكتور فى التهام الحلو عندما جاء المنادى ورفع من فوق الترابيزة كل ما عدا الطبقين الصغيرين. بالملعقة الصغيرة أخذ الدكتور يعبث فى حواف الطبق وهو يفكر ويستدعى ما يود قوله:

«جيت أمشى قالتلى انتَ رايح فين؟ هوّ انتَ لسه عملت حاجة. اللى رصيته يا حلو إحشيه بقى. بينى وبينك قلت الحشو أسهل من فرد الورق ورصه. أخدت شوية رز قامت قالتلى انهم كتير جدا، أتارى يا أخى فى حاجة فى الطبيخ بيسموها عيار. يقصدوا بها المعيار يعنى. وادتنى شوية رز ميزيدوش عن كبشه وقالتلى حيكفوا. خدتهم ورجعت للقعدة المنيلة من تانى».

فط الرجل مرة أخرى أمام الترابيزة وقال:

«ساقع يا دكتور. ساقع يا عمر بيه».

شكرت الدكتور وتمنع هو فشكر الرجل الذى مشى لحاله. لما انتهيت من طبق الحلو شعرت بثقل فى بطنى ووخم، فأثر ذلك على تفاعلى مع الحديث إلى حد كبير. لكن الدكتور فرغلى أكمل فى حماسة:

«رصيت الورق قدامى وأنا حاسس إنى عيل خيبان. كل ما اجى أسحب ورقة تتشرم عشان مرصوصة كبس فوق اختها. الورق كله قرب يتهرى. قمت سرقت من كومها شوية ورق وهيّ بتعمل التقلية فى المطبخ. فبقى ورق العنب أكتر من الرز. ملحقتش أسرق شوية رز عشان كانت خرجت تكمل نصيبها فى الحشو»

اندمج مع الحلو، أخذ يشير بالملعقة الشفافة الصغيرة:

«بقيت أحط الورق من غير رز، تدليس يعنى علشان متكتشفش خيبتى، تقول عليَّه إيه؟ دكتور بقاله تمنتلاف سنة بيعلم الناس ومش عارف يحشى ورقتين عنب.؟ يا أخى طلعت النظرية حاجة والتطبيق حاجة تانية خالص»

يضيق المكان برواده، والدكتور فرغلى مُصر على تكملة الحكاية:

«قامت البنت لما جت من الجامعة وشافتنى محتاس قالتْ: وسَّع يا بابا وأنا هكمل، بينى وبينك يا عمر أنا ما صدقت، رحت قايم وألاقيلك رجلى خدلانة وضهرى حطبة متيبسة، قعدت البنت مكانى ولفِّت الورق تقولش مكنة متبرمجة، مبقيتش أشوف صوابعها، وفى دقايق معدودة الحلة بقت نُصها ورق عنب ملفوف بالرز ومنسق زى صحبة الورد.

كان منظرنا قد أصبح غريبا ونحن نشغل منضدة دون طلبات جديدة، وقف الرجل الذى رحب بنا عند دخولنا والفوطة البرتقالية فوق كتفه، سحبها ومسح المنضدة مرة أخري:

«ها يا دكترة، أى خدمات تانى»

ثم دنا رأسه مِنِّى أكثر من اللازم:

«تؤمر بحاجة يا عمر بيه؟»

يرفع الدكتور فرغلى رأسه وينظر إلى الرجل، يبتسم ابتسامة عريضة واثقة:

«إدينا خمس دقايق وهنفضّى لك الترابيزة. ولا أقول لك. هات لنا اتنين حاجة ساقعة من اللى بتوقع السنان. أصلى مش فارقة معايا علشان سنانى واقعة لوحدها؟«

ثم ضحك بشدة فابتسم له الرجل وانصرف.

بعد قليل وضع أمامنا زجاجتين الساقع، لفَّ الدكتور فرغلى الزجاجة بين أصابعه:

«بالك يا عمر. الراجل ده كائن تافه أوى من غير واحدة ست. بس هوَّ بيحب دايما يعمل فيها ناصح علشان.. والله مانا عارف علشان إيه؟ المهم إنه تافه وخلاص. ده اللى اكتشفته من واقعة ورق العنب»

قام ببطء يناسب رجل عجوز، وقف أمام الكاشير، دفع الحساب ومرر ورقة نقدية مكرمشة فى يد أحدهم، ثم انصرف يجر قدميه، وأنا من خلفه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق