الجمعة 1 من ربيع الأول 1440 هــ 9 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48185

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حكايات أحمد سعداوى 2018

الكاتب العراقى أحمد سعداوى مبدع نَبَع من قلب كوارث العراق فى العقود الأربعة الأخيرة. هو من مواليد 1973؛ فتح عينيه على الحرب العراقية الإيرانية, وخرج من طور الطفولة إلى الرجولة مع السنين العجاف, بدءاً من غزو الكويت وانتهاءً بالاحتلال الأمريكى للعراق 2003؛ ليشهد وهو فى الثلاثين كابوساً فاق كل الكوابيس السابقة, ويتفرّج على «الفوضى الخلّاقة» وهى تنهش وطنه وتعيث فيه فساداً, بل ويسجِّل ذلك ويوثقه فى عمله الصحفى والإعلامى والسينمائى ثم الروائى والقصصي. فسعداوي, قبل أن يشتهر كروائى بعد حصول رواية فرانكشتاين فى بغداد (2013) على البوكر العربية, عمل صحفياً وكاتب سيناريو فى مجال الأفلام الوثائقية, ومراسلاً للبي. بي. سى فى بغداد, ونالت ريبورتاجاته الصحفية, عن واقع الحال فى بلاده, الجائزة الأولى فى مهرجان الصحافة العراقية. أما كمبدع فقد بدأ شاعراً, حتى حوّله عمله الصحفى والتوثيقي, لحكايات مفجعة ومفزعة تتخلق يومياً فى شوارع بغداد, إلى روائى وقاص: حكاء من نوع خاص, ساخر وسوداويّ معاً. وقد صدرت له أربع روايات بين عامى 2004 و2017 كان آخرها باب الطباشير. وهذا العام صدرت مجموعته القصصية الأولى بعنوان «الوجه العارى داخل الحلم» (دار الرافدين - بيروت 2018). المجموعة تحوى عشر حكايات عن بغداد العقود الأخيرة, من خلال أفراد مختلفين, كل منهم له حكايته الخاصة التى مستها بشكل أو بآخر نار الحرب والخراب والفوضر. حكايات شديدة التنوّع, بين الواقع والفانتازيا والخيال العلميّ والتشويق البوليسيّ؛ نصوص كلها احترقت حواف أوراقها بنار الوطن, وتختلف بشدة فى كل ما عدا ذلك. هى ارتحالات وتحليقات للخيال, إلا أن الهم الوطنيّ الذى يكمن داخلها جميعاً يجعلها, بمعنى ما, أعمالاً توثيقية, تؤرخ وتسجّل, من خلف ستار لاعب الدُّمَى القفازية, مآسى العراقيين المعاصرين ومساخرهم.

يبدأ الكتاب بحكاية تجمع بين الجو البوليسى والفانتازيا بعنوان عُشبة الندم, تحكى عن الجيل الذى بلغ الشيخوخة بعد الغزو, وتورّط فى أخطاء نظام صدام أو كان من ضحاياه, وعن شهوة الثأر والانتقام التى سادت بعد سقوطه, من خلال تحقيق فى سلسلة جرائم قتل, تتم بدس نوع من العطارة فى كأس خمر, وهو نوع سحريّ لا يقتل إلا من هو عاجز تماماً عن الندم! وفى قصص كوة فى السماء والقرار الذى يتخذه الله والرومانسيّ تنويعات متباينة الأشكال على تفتت الهوية القومية العراقية إلى انتماءات حزبية دينية وميليشيات طائفية متطاحنة هدفها كلها السلطة أو لذة سفك الدم؛ وتأثير ذلك على الذوات الفردية: ما بين الخوف وبين الطموح, أو الضياع والفقد ومحاولات الهرب اليائسة. وفى قصتى التمرين والوجه العارى داخل الحلم نشهد كيف يتحول الإنسان المسالم بطبعه تحت وطأة العنف المحيط, أو الانهيار الطبقيّ نتيجة انهيار الاقتصاد, من إنسان مرهف حسّاس إلى قاتل لا يهتز له جفن. وفى قصة سَفَر فلسفيّ نتأمل شخصية صكّاك, أى قاتل محترف بالعامية العراقية البغدادية, لنشهد معاً كيف أنه هو الآخر ضحية التخريب الذى حدث فى المجتمع العراقي, وهو خراب يطارد الجميع, فيمسخ بعضهم قتلة, والبعض الآخر, ممن ينتمون للنخبة المثقفة, يحاولون الهروب منه بلا طائل فى سمواتهم الفكرية فيعجزون ويستسلمون فى النهاية لمصير الفريسة. والقصة الأخيرة شاميرام وفضيل تنتمى للخيال العلمي, وتدور أحداثها فى النصف الثانى من هذا القرن, وربما كانت الحكاية الوحيدة فى المجموعة التى لم تولد من رحم المأساة العراقية؛ لكنها هى أيضاً تحكى عن هروب يائس: هذه المرة من زوجة مستبدة!

المجموعة ممتعة؛ تعكس القماشة العريضة لخيال سعداوى وقدرته الفائقة على تخليق ألوان شتَّى من القصص, وفى الوقت نفسه، انشغاله الثابت المخلص والموجع بهموم وطنه.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: