الجمعة 1 من ربيع الأول 1440 هــ 9 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48185

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مؤسسات الدولة وقضايا الفلاح

لا أدرى أين توجد قضايا الفلاح المصرى على أجندة مؤسسات الدولة.. إن الفلاح غائب تماما فى كل أحواله وشئونه, كانت هناك مؤسسات كثيرة فى الدولة ترعى شئون الفلاح, فى مقدمتها وزارة الزراعة وهى من أقدم وأعرق الوزارات فى تاريخ الإدارة المصرية وكانت وزارة الزراعة تضم عددا كبيرا من المؤسسات التابعة لها فى الأبحاث والدراسات والمحاصيل وكان هناك بنك خاص للائتمان الزراعى وكانت هناك مؤسسة خاصة بمحصول القطن وكانت له بورصة خاصة لها سمعتها الدولية وكانت هناك أقسام للإرشاد الزراعى والتوعية والمحاصيل والبذور والأسمدة والمبيدات والإصلاح الزراعى والثروة السمكية والجمعيات التعاونية وعشرات الفروع فى الوزارة العتيقة التى كانت ترعى شئون الفلاح..

> كانت الزراعة أهم مصادر الثروة فى مصر تصديراً وإنتاجاً واكتفاءً, كان القطن أهم المحاصيل التى يعيش عليها الفلاح المصرى وقد وصلت مساحته يوما إلى أكثر من 3 ملايين فدان أحيانا, تراجعت حتى وصلت أخيرا إلى 300 ألف فدان وكان القطن يمثل ثروة لميزانية الدولة ودخلا للفلاح ربما كان هو الأهم فى إنتاج جميع المحاصيل الزراعية.. كان أهم مصادر الصادرات سواء القطن الخام أو الغزل أو النسيج والزيوت وقامت عليه صناعات كاملة فى المحلة الكبرى وطنطا وكفر الدوار وغيرها وعشرات المحالج التى باعتها الدولة فى عهد الخصخصة الكئيب وتحولت إلى عمارات وعقارات ومبان..

> كان القطن أول الضحايا حين فرطت الدولة فيه فى المساحة أولاً وفى البذور ثانياً وفى التسويق والبيع والقطن الأحمر والأخضر والمشكل.. وانتهت أسطورة أول المحاصيل المصرية ومعها أغلقت صناعات عريقة أبوابها ومنها صناعة الغزل والنسيج, وهنا سقطت أسطورة القطن كمورد فى صادرات مصر ومورد أهم فى ميزانية الفلاح المصرى وكان القطن عرسه السنوى أن يتزوج منه الأبناء ويسدد الفلاح ديونه.. انتهى العصر الذهبى للقطن وتراجعت مساحاته ولم تعد الدولة حريصة على هذا المحصول ودخل صفحات التاريخ والآن تركت الدولة القطن وما بقى منه حائرا بين التجار وكثيرا ما رفضت تسلمه من الفلاح الذى كان ينتظره كل عام ولا أحد يشتريه وكان الأغرب أن تستورد الحكومة القطن من الهند وإسرائيل ودول أخرى, خاصة أن غياب القطن المصرى عن الأسواق العالمية شجع دولاً أخرى على زراعته وإنتاجه..

> إن القمح احد المحاصيل الأساسية فى مصر لأننا اكبر دولة فى العالم تستورد القمح ويتنافس المصدرون على السوق المصرية, بما فى ذلك روسيا وأمريكا وأمام الزيادة السكانية الرهيبة وارتفاع استهلاك مصر من القمح حتى تجاوز 11 مليون طن لا ننتج منها غير 3 ملايين طن ونستورد الباقى ويصل أحيانا إلى 8 ملايين طن لم تشجع الدولة فى يوم من الأيام الفلاح على إنتاج القمح وفى بعض الأحيان كانت تبخس أسعاره مما جعل الفلاح يرفض زراعته, والغريب أن الدولة تشترى من الفلاح كيلو القمح بأربعة جنيهات حين يورده ثم تبيع نفس المحصول بنفس المواصفات بسعر 12 جنيها للكيلو كتقاو.. ثم تبيع له الأسمدة بسعر 600 جنيه وسعرها الحقيقى 120 جنيها وفى أحيان كثيرة كانت ترفض شراء المحصول ثم تقوم باستيراده بمئات الملايين من الدولارات.. هذا تناقض غريب أن نرفض شراء محصول القمح من الفلاح بالجنيه المصرى ثم يستورده الوكلاء من الخارج بالدولار وطبعا المستوردون معروفون.. إن قصة القمح أيضا من القصص المريبة, خاصة أن الفلاح المصرى, منذ سنوات قد اعتاد على شراء احتياجاته من العيش من «البندر» ولم تعد الأسرة حريصة على توفير احتياجاتها من الخبز منزليا..

> فى يوم من الأيام كانت الحكومة توزع تقاوى القمح فى مناطق مثل العريش والساحل الشمالى وسيناء والصحراء الغربية بلا مقابل من اجل زيادة الإنتاج وتوفير احتياجاتنا من الغذاء ولكن الحكومة الآن تتاجر فى المحاصيل وتبيع البذور للفلاح بأضعاف ثمنها بجانب أسعار المبيدات والأسمدة وقد تحررت أسعارها تماما بعد تحرير سعر الدولار..

> لا توجد سلعة يستخدمها ملايين المصريين بلا استثناء أكثر من الأرز والغريب أن الأرز المصرى فى السنوات الأخيرة أصبح يتمتع بسمعة دولية كبيرة وأصبح مطلوبا فى دول كثيرة وبأسعار مغرية وكان من سوء حظ الفلاح أن تقرر الحكومة تخفيض المساحة المخصصة لزراعته حتى وصلت إلى 700 ألف فدان فى عدد قليل من المحافظات وكانت أكثر من مليون فدان وكانت النتيجة أن حدثت أزمة كبيرة فى الأسواق وارتفع سعر الأرز ليصل إلى 13 جنيها وكان فى يوم من الأيام لا يزيد على ثلاثة جنيهات.. إن الفلاح المصرى يستخدم الأرز أكثر من القمح وهو سلعة دائمة على مائدة الفقراء ومعه البطاطس والطماطم, أى أن أكلة بطاطس بالأرز كانت تتكلف عشرة جنيهات ما بين البطاطس بجنيهين والطماطم بثلاثة جنيهات والأرز بخمسة جنيهات.. الآن عليك أن تدفع 13 جنيها للأرز و15 جنيها للبطاطس و15 أخرى للطماطم ومعها البصل والثوم والزيت ولا أقول السمن البلدى لأنه من المحرمات..

> إن الفلاح الآن لا يسلم الأرز للحكومة, لأن الفارق بين سعر شراء الحكومة وشراء التجار أكثر من 200 جنيه للطن الواحد وبدلا من أن تبحث الحكومة عن أنواع جديدة من الأرز أقل استخداما للمياه قررت وقف زراعة الأرز فى مناطق كثيرة وحرمت الفلاح من سلعة أساسية ومن دخل مناسب وخلقت أزمة للمواطنين فى البحث عن الأرز بعد أن تراجع المحصول وارتفعت أسعاره..

> فى الأيام الأخيرة ظهرت أزمة كبيرة فى محصول البطاطس ثم الطماطم وارتفعت بصورة عامة أسعار الخضراوات واتضح أن سوقها يتحكم فيها مجموعة من كبار التجار بعيدا عن عين الحكومة وهنا كان السباق الرهيب فى الأسعار حتى تدخلت وزارة الداخلية وكشفت هذا العالم السرى الذى تدور فيه تجارة البطاطس وإنتاجها وتسويقها والسؤال هنا: أين وزارة الزراعة فى ذلك كله؟ هناك جمعيات لإنتاج البطاطس وهناك محطات لتخزينها ومزارع تابعة لوزارة الزراعة تنتج الخضراوات وكانت فى يوم من الأيام تغطى جزء كبيرا من احتياجات الأسواق فى الجمعيات الاستهلاكية والتعاونية ولكن الدولة غابت إنتاجا وتوريدا ورقابة وحماية للمستهلك فكان ما حدث. إذا كانت البطاطس قد فجرت القضية وكشفت الخلل فى الأسواق فإن ما حدث مع البطاطس يحدث مع جميع الخضراوات الأخرى حتى وصلت الأسعار إلى هذه الصورة..

> إن السبب فى ذلك كله هو غياب الاهتمام بالفلاح المصرى رغم انه من حيث العدد يمثل نصف سكان مصر, أى أن لدينا 50 مليون فلاح وهؤلاء يقدمون للمصريين الغذاء فى كل شىء ولو أن الدولة اهتمت بهم لاكتفت بإنتاجهم عن استيراد السلع الغذائية ولكن الإهمال وضع قضايا الفلاح المصرى فى آخر اهتمامات الدولة ابتداء بما ينتج من السلع والمحاصيل وانتهاء بحقه فى حياة كريمة..

> إن من أخطر جوانب الإهمال أيضا المذابح التى تعرضت لها الأراضى الزراعية وهى أغلى ما تملك مصر فى إقامة العشوائيات والكتل الخرسانية التى يقدرها البعض بأكثر من ثلاثة ملايين فدان تحولت إلى مبان خلال عشرين عاما وهذه الثروة لا تقدر بثمن من حيث القيمة والإنتاج.. لقد وصلت أسعار فدان الأراضى الزراعية إلى أكثر من مليون جنيه وهى تباع الآن بالقيراط والمتر خاصة المحافظات التى ليس لها ظهير صحراوي.. لقد تركت الدولة التعديات على الأراضى الزراعية وانتهى هذا الشريط الأخضر الذى كان يحيط بعواصم المحافظات وتحول إلى عشوائيات كريهة جمعت التخلف مع الفقر مع الإرهاب.. والآن تسعى الحكومة إلى وضع قانون للتصالح مع هذه التجاوزات..

> انا لا أبرئ وزارة الزراعة فى عصورها المختلفة من كل هذه الجرائم ابتداء بما حدث للمحاصيل الزراعية التى كانت تمثل تاجا للزراعة فى مصر وانتهاء بما حدث للأراضى الزراعية التى اغتالتها أشباح الخرسانة والاسمنت ومواكب القبح.. لا اعتقد أن برامج الإصلاح الزراعى والذهاب إلى الصحراء قد عوضت مصر عن أرضها الخضراء على ضفاف نيلها الخالد.. ولا اعتقد أن زراعة الفراولة كانت بديلا ناجحا للقطن والقمح والأرز أو أن هناك سلعا أخرى يمكن أن توفر لنا ما يغطى العجز فى الميزانية فمازالت دول كبرى مثل روسيا وأمريكا تحرص على إنتاجها الزراعى خاصة القمح الذى مازال يتمتع بأهمية خاصة فى الأسواق كغذاء لكل دول العالم.. فقد سقط الفلاح المصرى من ذاكرة وزارة الزراعة وساءت أحواله كما ساءت أحوال الزراعة وأصبحت الوزارة العتيقة مجالاً لتجارب كثيرة فشلت فى تحقيق أهدافها..

مازلت أسأل: هل صحيح أن لدينا وزارة للزراعة؟ وأين هى من قضايا الفلاح المصرى؟ وكل ما تفعله أنها تتاجر فيه وهى تبيع له البذور والمبيدات والأسمدة وترفض أن تشترى منه المحاصيل وقبل هذا كله فإن له حق الرعاية مثل كل أبناء مصر.. الفلاح المصرى كان يوما مصدر الخير والرخاء وكان المصريون يأكلون من تعبه وعرقه وجهده.. ومنذ تخلينا عنه تخلى عنا. أعيدوا للفلاح عرشه القديم فهو أنبل وأعظم ما أنجبت هذه الأرض هو ابنها البار, لم يفرط فيها يوما.

 

ويبقى الشعر

 

الليلةَ أجلسُ يا قلبِى خلفَ الأبوابْ

أتأمَّلُ وجهِى كالأغرابْ

يتلوَّن وَجهى ..لا أدْري

هلْ ألمحُ وجْهي.. أم هذَا وجهٌ كذابْ؟

مِدفأتِى تنكرُ ماضينَا.. والدفُّء سرابْ

تيارُ النُّورِ يحاوِرُني

يهْرَب منْ عينى أحيانًا

ويعودُ يدَغدغُ أعصَابي

والخوفُ عذابْ

أشعُرُ ببرودةِ أيَّامي

مِرآتِى تعكِس ألوانـًا..

لونٌ يتَعثرُ فى ألوانْ

والليلُ طويلٌ.. والأحزانْ

وقفتْ تتثاءَبُ فِى مَللٍ

وتدُورُ.. وتضْحكُ فِى وجْهِي

وتُقهقهُ تعلُو ضحْكتُها بينَ الجُدْران

***

الصَّمتُ العَاصِفُ يحمِلُنى خلْفَ الأبوابْ

فأرَى الأيامَ بلا مَعنَي

وأرَى الأشْياءَ.. بلاَ أسْبابْ

خوفٌ.. وضياعٌ فِى الطُّرقاتْ

مَا أسْوأَ أنْ تبقَى حيًا..

والأرضُ بقايا أمواتْ

الليلُ يحاصِرُ أيامِي..

ويدُورُ.. ويعبثُ فِى الحُجُراتْ

فالليلةَ ما زلتُ وحِيدًا

أتَسكَّع فِى صَمتِى حينًا

تَحملُنِى الذكرَى للنسيَانْ

أنتَشِلُ الحَاضِرَ فِى مللٍ

أتذكرُ وجْهَ الأرضِ.. ولونَ النَّاسِ..

همومَ الوحْدةِ.. والسَّجَّانْ

***

سأمُوتُ وحِيدًا

قَالتْ عرَّافةُ قريتنَا: ستُموتُ وحِيدًا

قد أُشعلُ يومًا مِدْفأتي

فتثورُ النارُ.. وتحرِقنِي

قد أفتحُ شبَّاكِى خوفـًا

فيجيءُ ظلامٌ يُغْرقنِي

قد أفتحُ بَابِى مهمُومًا

كيْ يدخل لصُّ يخنْقنِي

أو يدْخل حارسُ قريتِنا

يحمِلُ أحكَامًا ..وقضَايا

يُخطئ فى فهم الأحكامْ

يُطلِقُ فِى صَدْرِى النيرانْ

ويعُودُ يلملمُ أشلاَئي

ويَظلُّ يَصيحُ على قبرِي:

أخطَأتُ وربَّى فِى الُعنْوانْ

***

الليلةَ أجلسُ يا قلبْي.. والضَّوء شَحِيحْ

وسَتائُر بيتِى أوراقٌ.. مزَّقها الرَّيحْ

الشاشةُ ضوءُ.. وظِلالٌ..

و الوجهُ قبيحْ

الخوفُ يكبلُ أجْفانِى فيضيعُ النومْ

والبردُ يزلزلُ أعماقِى مثلَ البُركانْ

أفتحُ شـُباكى فِى صمتٍ..

يتَسللُ خوْفِى يُغلِقُه

فأرَى الأشباحَ بكلَّ مكَانْ

أتناثرُ وَحْدِى فى الأركانْ

***

الليلةَ عدْنَا أغرابًا والعُمْر شتاءْ

فالشَّمسُ توارتْ فى سأمٍ

والبدرُ يجيءُ.. بغيرِ ضِياءْ

أعرفُ عينيك وإنْ صرْنا بعضَ الأشلاءْ

طالتْ أيامِى أم قَصرتْ فالأمرُ سواءْ

قدْ جئتُ وحيدًا للدُّنيا

وسأرحَلُ مثلَ الغُرباءْ

قدْ أخْطئُ فهمَ الأشْياءْ

لكنى أعرفُ عينيكِ

فى الحـُزن سأعرفُ عينيكِ

فى الخَوفِ سأعرفُ عينيكِ

فى الموتِ سأعرفُ عينيكِ

عيناكِ تدورُ فأرصدُها بينَ الأطيافْ

أحملُ أيامَكِ فى صَـدْرِي

بين الأنقاضِ.. وحينَ أخافْ

أنثرُها سَطراً.. فسُطورًا

أرسُمُها زمنـًا.. أزمانـًا

قدْ يقسُو الموجُ فيـُلقينِى فوقَ المجدَافْ

قد يغدُو العُمرُ بلا ضوءٍ

ويصيرُ البحرُ بلا أصدافْ

لكنى أحملُ عينيكِ..

قالتْ عرافةُ قريتنَا

أبحرْ ما شئتَ بعينَيها لَا تخشَ الموتْ

تعويذة ُعمْرِى عَينَاكِ

***

يتسللُ عطرُك خَلفَ البابْ

أشعرُ بيديكِ على صدْري

ألمحٌ عينيكِ على وجْهِي

أنفاسـُك تحضنُ أنفاسِي.. والليل ظلامْ

الدفء يُحَاصِرُ مدفأتي.. وتدُورُ النارْ

أغلـِقُ شبَّاكى فيِ صمتٍ.. وأعود أنامْ

 

قصيدة «من ليالى الغربة» سنة 1986

fgoweda@ahram.org.eg


لمزيد من مقالات يكتبها ــ فاروق جويدة

رابط دائم: