الجمعة 1 من ربيع الأول 1440 هــ 9 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48185

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فقه القتل

عندما مر عبدالله بن الصحابى الجليل خباب بن الأرت على جماعة من الخوارج، وكان فى عنقه مصحف ومعه امرأته وهى حامل، قالوا له: إن الذى فى عنقك يأمرنا أن نقتلك ثم سألوه: ماذا تقول فى أبى بكر وعمر فأثنى عليهما خيرا.

قالوا فما تقول فى التحكيم؟ يقصدون قبول على بن أبى طالب للتحكيم بعد معركة صفين بينه وبين معاوية..

قال: أقول إن عليا أعلم بكتاب الله منكم وأشد توقيا على دينه وانفذ بصيرة.

فقالوا له: إنك لست تتبع الهدى وإنما تتبع الرجال على اسمائهم ثم قربوه إلى شاطىء نهر دجلة وذبحوه وذبحوا زوجته.. وحدث أن مر عليهم واصل بين عطاء رأس المعتزلة، والذى أدرك حرج الموقف ولم ينقذه سوى علمه بضحالة عقولهم وجهلهم. فعندما سألوه: من أنت قال لهم: مشرك مستجير بكم، ودينكم يقول «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه» فقالوا له: أجرناك وسمحوا به بالمرور دون أن يتعرضوا له ولكنه قال لهم: هذا لايكفى حتى تسمعونى كلام الله. فاسمعوه كلام الله ثم أوكلوا أحدهم بحراسته حتى يصل إلى المكان الذى يريد.

كما تقول الآية.. فأى عقل وأى منطق يمكن أن يتعامل مع مثل هؤلاء الخوارج الذين كفروا الإمام على بن طالب نفسه لمجرد أنه قبل التحكيم مع معاوية بعد معركة صفين؟

بالتأكيد لاعقل ولامنطق وإنما مزيد من التكفير كما فعل سيد قطب ووصفه المجتمع بالجاهلية.

المشكلة ليست فى غياب العقل والمنطق ولكن فى القسوة الشديدة التى تحكم أفعالهم نحو الغير وتجعل القتل وسيلتهم المثلى لتصفية المختلفين معهم فى الرأى. والتى جعلت الشيخ محمد الغزالى «يصرخ الكعبة حجارة لاتضر ولاتنفع، والحرمة التى أكتسبتها هى من الذكريات والمعانى التى حفلت بها، ولذلك أكد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن تأمين الأموال والأعراض والدماء أقدس عند الله من هذه الكعبة وأعظم حرمة وأكبر حقا. مضيفا لقد هجر المسلمون القرآن إلى الأحاديث ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الائمة ثم هجروا أقوال الائمة إلى أسلوب المقلدين ثم هجروا المقلدين وتزمتهم إلى الجهال وتخبطهم.

أنتهى كلام الشيخ الغزالى لكن أزمتنا مع المتطرفين لم تنته بعد. وهى أزمة عاشها أيضا الفكر الغربى فى عصوره الوسطى، حيث كان الفكر المسيحى يعتقد أن الكمال هو للمسيحيين دون سواهم، وأنه يأتيهم نعمة من الرب بعد الموت.

ولكن أوروبا استطاعت بعد ثورات الإصلاح الدينى أن تتخلص من هذه الهرطقات وتؤمن بقيمة الإنسان وكرامته.

نجحت أوروبا فى فصل الدين عن الدولة وهو ليس إلحادا كما يتبادر إلى الذهن ولكنه يعنى إعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فما دخل الدين مثلا فى رصف شارع أو إنارة طريق. الدين حالة روحية خاصة بين الإنسان وما يعبد لا دخل للدولة فيه.

كما أن الدولة الحديثة أصبحت فى حاجة إلى علوم الادارة والسياسة، ودورها الدينى أن تكفل حرية العقيدة للجميع فى وطن حر مستقر آمن.

وأمام استحالة تجديد الخطاب الدينى بعد أن تضخم التراث وأصبح لكل جماعة وفرقة أحاديثها وفقهها وتأويلها الذى تؤمن به لم يعد مفر أن يعود الدين للمسجد والكنيسة فقط، وأن يظل حالة روحية تنقذ الناس من عالم المادة وخواء الروح كلما ضرستهم الدنيا بأنيابها. وغير ذلك فسوف نظل ندور حول أنفسنا مشغولين بفقه النقاب والجلباب والحيض والنفاس غافلين عن فقه آخر ينمو فى الظلام وهو فقه القتل ذلك الذى يجعل إنسانا يزعم أنه يصلى لرب عادل ثم يذهب بكل قسوة ليقتل ويفجر آخرين بلا أى ذنب فعلوه.

وساعتها يطلع المشايخ علينا ليحدثوننا عن أن هذا ليس من الدين..الخ

وينسون أن كل هؤلاء القتلة تحركهم أحاديث دينية، دون أن نعرف ما الذى يمكن أن نفعله نحن مع هؤلاء القتلة ولا مع هذه الأحاديث التى تحركهم ليقتلوا البشر.


لمزيد من مقالات محسن عبد العزيز;

رابط دائم: