الجمعة 1 من ربيع الأول 1440 هــ 9 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48185

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ستون عاما من الثقافة والاستنارة 2

كان ما أوضحته من قبل هو تصور ثروت عكاشة عندما تسلم وزارة الثقافة سنة 1958، وهو وعى بالغ التقدم لم يصل إليه ثروت عكاشة وحده على نحو ما كتبه فى مذكراته التى أصدرها سنة 1987، ولم يتطور هذا الوعى ذاتيا بل من خلال التشاور مع كبار المثقفين فى مصر، والنقاش معهم «حتى لا تكون سياسة الوزارة الثقافية فوقية». فانتهى ثروت عكاشة إلى ضرورة الاتصال بكبار المثقفين فى مصر بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، أو مواقفهم الفكرية العامة. وكان يكفى عنده أن يجد من لديه من الوعى الوطنى الأصيل، بالإضافة إلى حرية الرأى والاستقلال الذاتى، والبعد عن النفاق والتملق، ومن يمتلك الحرية المقترنة بالشجاعة فى إبداء الرأى، ما يمكن أن يكون عونا له فى»التعرف على مشاكل المثقفين وأمانيهم والصعوبات التى يلاقونها، والحلول التى يتصورونها، والوضع الأفضل الذى يمكن أن تتشكل عليه وزارة الثقافة وأهم إداراتها وأجهزتها، وكل ما كان يشغل بال المثقفين، وكل ما كان يشغل بالى أنا نفسى.. رأيت أن التعرف على هذا كله من أفضل طريق هو حشد أكبر عدد من الفنانين والكتّاب والمثقفين وعشاق الثقافة والفنون والعاملين فى مجالات بث الثقافة وتوزيعها ومتابعة أنشطتها فى «مؤتمر عام» لم ألبث أن دعوت إليه فى شهر مارس 1959 بدار الأوبرا، حيث تواصلت جلسات الحوار الجاد طيلة أسبوع كامل فى اجتماعات عامة وأخرى متخصصة فى لجان نوعية محدودة العدد، وكان من نتاج هذا المؤتمر الثقافى العام أن تكشفت لنا الرؤية الثقافية من مختلف الفئات».

هكذا أسس ثروت عكاشة العظيم أول «سياسة ثقافية علمية» إلى حد كبير فى تاريخ الثقافة المصرية الحديثة.

فإذا كنا نذكر لعبد الناصر العظيم دوره فى تأسيس الدولة المصرية الوطنية الحديثة وقيامها على مبادئ التحرر من الإقطاع الفاسد، والاستعمار وأعوانه والرجعية السلفية الإظلامية، فإن ثروت عكاشة له الفضل فى تأسيس سياسة ثقافية حرة وطنية تؤدى دورها فى المجتمع المصرى بوصفها تأسيسا للمستقبل فى الحاضر بقدر ما هى تأصيل للماضى والحاضر فى علاقتهما بالمستقبل من ناحية ثانية، وفيما يربط بينهما وطبيعة النظر إلى المستقبل العظيم بجوانبه المادية والمعنوية. وإذا كانت الجوانب المادية للماضى فى علاقته بالحاضر تشير إلى التراث المادى الذى يبدأ من المعابد الفرعونية على امتداد مصر القديمة، شاملا القصور والمساجد والمعاهد الدينية وما يماثلها فى تاريخ مصر الإسلامية وانتهاء بآثارها الحديثة التى يحددها قانون الآثار، فإن هذا الفهم للثقافة بمعناها المادى، يعنى الوعى الثقافى المتقدم لثروت عكاشة بأن التراث الثقافى المصرى هو وحدة لا تنفصل عناصرها المادية عن عناصرها المعنوية. وسواء كنا نتحدث عن ثقافة مصر المادية فى أى عصر من عصور ذاكرتها الثقافية أو عن ثقافة مصر المعنوية فى أى عصر من عصورها، فإننا نتحدث فى الوقت نفسه عن ثقافة واحدة لا بد أن يكون لوزارة الثقافة الدور الأول والأخير فى إدارتها وفى رعايتها والاهتمام بها. وهو الأمر الذى يعنى أن ما حدث فى نهاية عصر الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك من فصل لوزارة الثقافة عن الآثار، إنما هو خطأ لا يغتفر وتمزيق لوحدة ثقافة الوطن المصرى إلى وزارتين تختص أولهما ببعض التراث المادى الفرعونى والقبطى والإسلامى، بينما تختص ثانيتها بكل التراث المعنوى فى عصوره المختلفة دون التراث المادى الذى تمتد جذوره من العصور الفرعونية إلى الوقت الحاضر. وهذه كارثة لو كان ثروت عكاشة والذين عملوا معه أحياء لقاوموها بشدة ورفضوها رفضا جذريا بوصفها جريمة فى حق الثقافة المصرية المتكاملة بتكامل إنجازاتها وأنواعها عبر العصور. وأظن أن هذا لا يزال موقفى وموقف فاروق حسنى الذى أدين له بتعريفى على ثروت عكاشة الذى احترمته وأحببته حبى واحترامى لتلميذه النجيب فاروق حسنى.

والواقع أن هذا المؤتمر العام الذى عقده ثروت عكاشة عام 1959 فى دار الأوبرا التى أُحرقت فى عهد السادات (الذى اشتهر عهده بحرق أهم المعالم الثقافية) إنما هو عمل يخلده التاريخ بوصفه المؤتمر الذى وضع أركان السياسة الثقافية التى لا نزال نعمل على هدى منها إلى اليوم. وحتى عندما جاء فاروق حسنى نفسه لم ينكر تلمذته لثروت عكاشة ودينه له فى هذه الخطة التى وضعت بها السياسة الثقافية لمصر منذ عام 1959 والتى أسهم فيها أعلام الفكر المصرى والثقافة مثل: الدكتور طه حسين، والسعيد مصطفى السعيد، وفكرى أباظــة، وأم كلثوم، والدكتــــور أحمــد بــدوى، والمهنــدس المــــوسيقار أبو بكر خيرت، ويوسف وهبى، والدكتور أحمد حسين، والدكتور حسين فوزى، والدكتور لويس عوض، والأديب يحيى حقى، وصلاح عبد الصبور، وتوفيق الحكيم، وأم كلثوم، وفكرى أباظة، وصالح جودت، وبدر الدين أبو غازى، والدكتور عبد العزيز الأهوانى، والدكتور شكرى عياد، والدكتورة سهير القلماوى، وسعد الدين وهبة، وغيرهم من كبار المثقفين فى عام 1959. وقد أجمع هؤلاء على عدة مبادئ، يراها مقدسة، كل تلامذة ثروت عكاشة خصوصا المباشرين منهم مثل فاروق حسنى وغير المباشرين من أمثالى. وقد عرفته رحمة الله عليه- معرفة حميمة فى السنوات العشر الأخيرة من حياته، وذهبت إلى مقابلته فى منزله أكثر من مرة بالمعادى القديمة، وحاورته كما حاورنى فى كتبه التى تمثل ثقافة، يندر أن تتوافر فى شخص واحد، إلا إذا كان من كبار المفكرين أو القيادات الثقافية العظمى التى لا تقل مكانة ولا أصالة عن وزير ثقافة آخر مثل أندريه مالرو الذى اختاره شارل ديجول، رئيس الجمهورية الفرنسية، وزيرا لثقافته. ولذلك يخطر ببالى دائما هذا التشابه بين مالرو وزير الثقافة وديجول رئيس الجمهورية الفرنسية، وبين عبد الناصر وثروت عكاشة أعظم وزراء الثقافة المصرية الذى تعلمنا منه أكثر مفاهيمنا إيجابا عن الثقافة. وهى المفاهيم التى لا نزال نرعاها ونفخر بانتسابنا إليها، ولذلك ما إن رأيت صورة الدكتور ثروت عكاشة على الكتيب الذى أصدرته وزارة الثقافة، بجلاله ونظرته التى أعرفها، حمدت كثيرا لإيناس عبد الدايم، الصديقة والوزيرة أنها ركزت فى هذا الكتيب الذى وزّع علينا فى احتفاء وزارة الثقافة المصرية بمرور(60) عاما على إنشائها سنة 1958 على يدى ثروت عكاشة بما أسمته: «سنوات التأسيس»، ونظرت إلى فاروق حسنى، وكنت أجلس إلى جواره فى قاعة المسرح الكبير للأوبرا التى بناها بعون ياباني- فى مقرها الحالى، وتذكرت ثروت عكاشة، ذلك الرجل المُلهم الذى سرنا جميعا على دربه، وكانت ملاحظاته والمبادئ التى وضعها للسياسة الثقافية المصرية هى المبادئ والسياسات نفسها التى سرنا عليها، والتى جعلت فاروق حسنى محلا للكراهية والهجوم والاتهام من أنصار الإخوان المسلمين والسلفيين فى البرلمان المصرى حين كان يرأسه فتحى سرور، كما جعلتنى أنا إلى اليوم هدفا للهجوم نفسه الذى لا نزال نواجهه بالمبــادئ التى تعلمناها من ثروت عكاشـــــة ورئيســـه جمـــال عبد الناصر على السواء. فقـــد تخــرج فاروق حسنــى مــن مدرســة ثروت عكاشـــة، حين كان رئيســا لقصر ثقافة فى الأنفوشــى بالإسكندرية، كما دخلت أنا الجامعة بفضـل عـبدالناصر، وكدت ولا أزال، شديد الإعجاب بمذكرات ثروت عكاشة فى جزأيها اللذين نقلت من أولهما ما كتبته عن الثقافة. وحسبى أن أختم بأهم ما أكده المؤتمر الذى عقده ثروت عكاشة سنة 1959 لصياغة السياسة الثقافية المصرية. وأهم هذه المبادئ أن الفنان أو المبدع أو المثقف بوجه عام هو تجسيد لمبدأ «الحرية والإبداع»، فإن المهمة الأولى للمثقف والمبدع والفنان هى تأكيد الحق المقدس للإنسان فى الحرية، ومن هنا جاء القول إن الحرية ليست حقا للكتّاب والمفكرين فحسب، بل هى واجبهم أيضا لأنها وظيفتهم فى المجتمع، ويكمل ثروت عكاشة هذا المبدأ بقوله: «وما أظن أن وزارة الثقافة قد حادت عن هذا المعنى الذى رسمته لنفسها اللهم إلا فى القليل النادر الذى لا يعد، وذلك تحت ضغوط قاهرة».

وأظن أن هذه الظروف الضرورية القاهرة التى يشير إليها ثروت عكاشة، هى سجن الشيوعيين المصريين فى نهاية عام 1959، بعد أشهر معدودة من المؤتمر الثقافى الذى عقده لتأسيس «السياسة الثقافية للدولة المصرية»، والذى كان من أبرز الناشطين فيه الدكتور لويس عوض، مستشاره الخاص الذى سُجن مع من سجن، ولم يفرج عنه إلا بتدخل شخصى مباشر من ثروت عكاشة، استجاب له الرئيس جمال عبد الناصر، فخرج لويس من السجن بعد عام على وجه التقريب، بينما ظل بقية المعتقلين فى السجون إلى عام 1964 على أمل أن يفضوا الحزب الشيوعى ويندمجوا فى الاتحاد الاشتراكى لكى يصبحوا مواطنين عاديين.

هذا عن المبدأ الأول، أما المبدأ الثانى فهو: «تحقيق العدالة الثقافية»، وكان ذلك بعد أن تبنت الثورة مبدأ العدالة التعليمية إلى نهاية المرحلة الثانوية، ولم تكد تنتهى الوزارة الأولى لثروت عكاشة إلا وقد أكمل عبد الناصر مجانية التعليم، لتشمل العدالة التعليمية مجانية التعليم من الابتدائية إلى الجامعة سنة 1961. وقد قام ثروت عكاشة بدوره - بتحقيق مفهوم العدالة الثقافية فى السياسات الثقافية الذى أكدها مؤتمره 1959، والذى أشرف على تطبيق مبدأها إلى جانب مبدأ حرية المثقف، تفكيرا وإبداعا فى نتاجه الخاص وإبداعاته الذاتية. وقد ترتب على هذين المبدأين، المبدأ الثالث الذى لا يفارقهما، والذى يتصل بـعبور الحواجز الفاصلة بين الطبقات وتجاوزها، وذلك لتأسيس ثقافة وطنية، تنشر إبداعات الثقافة على أبناء الوطن كله، فيما يتصل بعمليات إشعاع ثقافة وطنية واحدة، يتأثر بها جميع أبناء الوطن فى أية بقعة أرضية، وفى أية شريحة من الشرائح الاجتماعية التى يتكون منها الوطن. ويضاف إلى ذلك المبدأ الرابع الذى يتصل بـ «وصل وعى الحاضر بإنجازات الماضى»، وذلك على أساس أن الحاضر هو نتاج لعاملين فاعلين فى الوقت نفسه: أولهما هو وعى التراث بإنجازاته الخلاقة فى الماضى. وثانيهما هو الوعى بشروط الحاضر والتطلع إلى مستقبله الخلاق فى كل احتمالاته الإيجابية. وبهذا المعنى يرتبط الوعى بالتراث الماضى بالوعى المستقبلى بمعناه الإيجابى، الذى لا يدفعنا إلى عبادة كل ما هو فى التراث بسلبياته وإيجابياته، إنما يدفعنا إلى التمسك بالجوانب الإيجابية والخلاقة فى التراث. وهى الجوانب التى وصلت بالحضارة العربية الإسلامية إلى ذروتها، قبل انحدارها الأخير، حين سيطرت ثقافة النقل والتقليد على العقل العربى الإسلامى، فطورت ثقافة العقل والإبداع والابتكار إلى الهوامش، ثم ما لبثت أن خفتت أصواتها، وتضاءلت إشعاعاتها، ودخلت الحضارة العربية الإسلامية مناطق الإظلام التى بدأت بالغزو الأجنبى ابتداء من سقوط بغداد سنة 656هـ التى سرعان ما تلتها الحملات الصليبية والغزو الاستعمارى. ونضيف إلى هذه المبادئ، المبدأ الخامس الذى يتصل بـ «شمولية المجالات الثقافية». وما أعنيه بذلك هو أن التركيز فى العمل الثقافى لا يقتصر على جانب واحد من جوانب الثقافة، بل يتوزع ما بين الثقافة الجماهيرية التى نظر إليها ثروت عكاشة بوصفها جامعات شعبية ومراكز للثقافة الجماهيرية، التى تصل أبناء الفلاحين بأبناء العمال بأبناء الطبقات الوسطى وما فوق الوسطى، فى إرسال واستقبال ثقافة وطنية شاملة تضم جميع المجالات الثقافية وأدواتها على السواء.

ونضيف إلى ذلك المبدأ السادس، الذى يرتبط بـ «تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة». وإذا كانت الأصالة تعبر عن الثقافة التى تضرب بجذورها فى الماضى، فإن المعاصرة تعنى الثقافة المتجددة التى ترتبط بعصرها وزمنها، وعالمها، وذلك بما لا يتناقض مع حضورها الآنى وجذورها الضاربة فى أعماق تاريخها النوعى والخاص. أما المبدأ السابع، فهو: «وصل الثقافة الوطنية بغيرها من ثقافة الوطن العربى كله»، وذلك تأسيسا لثقافة قومية تجمع ولا تفرق، معتمدة على جذور وأصول واحدة، غير منكرة التنوع والمخالفة الفرعية بين الجذور والروافد الأساسية الأصلية الثابتة فى كل ثقافة عربية، وذلك بما يجعل الثقافة القومية نوعا من التنوع الخلاق الذى يجعلنا داخل ثقافة واحدة بالمعنى العام، أو داخل جُمّاع متجانس من الثقافة الوطنية بالمعنى الخاص. وأخيرا نأتى إلى المبدأ الثامن وهو: «وصل الثقافة القومية بالثقافة العالمية»، فيصل بين «المحلى» و»القومى و«العالمى». وقد كان حلم ثروت عكاشة يشترك مع حلم عبد الناصر بأن يجعل من الفلاح المصرى متذوقا لفن الموسيقى بالمعنى الخلاق الذى كان يصل بينهما منذ الصغر حينما كانا يحلمان بما عبر عنه صلاح جاهين فيما بعد، عندما كتب أغنيته التى غناها عبد الحليم حافظ فى أحد احتفالات الثورة:

تمـاثيـل رخـام، ع الترعــة، وأوبـرا،

فــى كــل قريـــــة عربيـــــة

ولم يكن من الغريب والأمر كذلك، أن تؤكد السياسة الثقافية ضرورة التعاون مع المؤسسات الثقافية فى العالم كله، وبالفعل قد حقق ثروت عكاشة ذلك، خصوصا بعد أن دفعه هذا المبدأ إلى الاستعانة باليونسكو لتنظيم حملة دولية عظمى لإنقاذ آثار النوبة. وبالفعل تم إنقاذ هذه الآثار بما يشبه معجزة دولية تحققت إلى جانب بناء السد العالى. وإذا كان السد العالى قد أضاف إمكانية الرى الدائم لجميع الأراضى المصرية فى ذلك الوقت، وضاعف الطاقة الكهربائية مرات ومرات، وأضاف بحيرة هائلة الحجم وراء السد، هى بحيرة «ناصر» التى لم نستغلها كاملة إلى الآن، فإن إنقاذ آثار النوبة هو المعجزة التى تؤكد ما يمكن أن تحصل عليه مصر من الإفادة من حضورها فى العالم وتعاونها مع العالم على السواء. ولولا هذا التعاون ما أُنقذت آثار النوبة، ولا حدثت معجزة الإنقاذ التى تحمس لها العالم كله ولم يبخل عليها بالدعم المالى والمعنوى. وفى مذكرات ثروت عكاشة القصة الكاملة لهذه المعجزة التى تمت بفعل بطولى من أفعال ثروت عكاشة الذى لم يترك مناسبة عالمية إلا واستغلها فى سبيل إنقاذ آثار النوبة التى يشهد له التاريخ بقدرته الاستثنائية على إشراك العالم كله وتوحيده فيما عدا إسرائيل - فى عمل عالمى إنسانى أفادت منه مصر والعالم كله فى إنقاذ آثار مصر بالمعنى الضيق من ناحية، وإنقاذ آثار الإنسانية كلها بالمعنى العام من ناحية مقابلة. وهكذا أسس ثروت عكاشة للعالم كله، من خلال اليونسكو، المبدأ العام الذى استندت إليه اليونسكو بعد ذلك - فى إنقاذ آثار البندقية (فينسيا) وترميم قصورها المهددة بالغرق والضياع.

وهكذا كانت المبادئ الأساسية التى صاغها ثروت عكاشة فى المؤتمر الذى استمع فيه إلى المثقفين المصريين جميعا، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم، هى المنبع الأساسى للمبادئ التى تكونت عليها السياسة الثقافية التى تركها لنا بعد موته، فلم نضف إليها إلا بعض الإضافات الجزئية هنا أو هناك. وفى ظنى أن أكثر هذه الإضافات بروزا، هى ما أضافه فاروق حسنى تلميذ ثروت عكاشة، أما من جاء بعده من وزراء فلم يُتح لهم نفس الوقت ولا الزمن ولا القيادة السياسية التى جعلت من علاقة ثروت عكاشة بعبد الناصر علاقة موازية لعلاقة ديجول بالكاتب العظيم أنريه مالرو الذى كان بالمناسبة - صديقا لثروت عكاشة الذى كان يعرفه ويعرف قيمة أدبه ووزنه الثقافى فى آن.

هذه المبادئ الأساسية لا تزال إلى اليوم هى المبادئ الثابتة والمتكررة بين وزراء الثقافة جميعا منذ بدر الدين أبو غازى الذى جاء بعد ثروت عكاشة فى زمن السادات إلى آخر وزير تشهده وزارة الثقافة فى هذه الأيام، وهى وزيرة الثقافة الحالية التى دعت وزراء الثقافة فى الوطن العربى كله، لتشركهم فى الاحتفال بمرور ستين عاما على إنشاء أول وزارة للثقافة شهدها العالم العربى الذى ينتمون إلى أقطاره المختلفة، والتى تطلعت إلى مصر، وهى تنشأ واحدة بعد الأخرى وزارات ثقافة تمضى على درب وزارة الثقافة المصرية، وعلى المبادئ الأساسية التى لا تزال تعمل على هدى منها وزارات الثقافة المصرية المتعاقبة منذ المرحوم بدر الدين أبو غازى إلى الدكتورة إيناس عبد الدايم التى نرجو أن تبقى وزيرة للثقافة لكى تحقق إضافة كمية وكيفية إلى المبادئ التى وضعها ثروت عكاشة لوزارة الثقافـــة التى احتفلنــــا بمرور ستين عامـــا على إنشائها منـــذ زمن ثروت عكاشـــة وعبد الناصر إلى زمن إيناس عبد الدايم والرئيس عبد الفتاح السيسى. قد نقول إن هذا التاريخ الذى يمتد عبر ستين عاما من سنوات مضت من كتاب تاريخ وزارة الثقافة منذ أن أنشأها وأسسها وأكمل تأسيسها وتأصيل مبادئها واستهل سياستها الثقافية ثروت عكاشة سنة 1958، قد أضاف فاروق حسنى إلى سياستها الثقافية معنى المعاصرة والحداثة فى آن، وقد نقول إن وزراء عظاما من أساتذتنا فى الأجيال التى جاءت بعد ثروت عكاشة، واصلة بين سليمان حزين وبدر الدين أبو غازى وإسماعيل غانم وجمال العطيفى، قد أضافوا فى هذا الجانب أو ذاك، لكن الإضافة الحقيقية لا تزال مفتوحة ولا أظنها يمكن أن تتحقق إلا إذا غيرت الدولة كلها نظرتها إلى الثقافة، وآمنت بما كان يؤمن به ثروت عكاشة وجمال عبد الناصر من أن السياسة الثقافية للدولة لا يمكن أن تنفصل بأى حال من الأحوال عن خطة التنمية البشرية الكاملة للوطن والمواطن على السواء. ومن حسن الظن أننا نسمع فى هذه الأيام وعلى لسان رئيس الدولة نفسه ما يؤكد ضرورة الاهتمام بوعى المواطن المصرى وصحته على السواء، وهذا يعنى أولا وأخيرا ضرورة الربط بين التنمية الإنسانية والتنمية الثقافية التى لا تنفصل عنها، فكلاهما وجه واحد للعملة نفسها، وكلاهما ـ كما قال ثروت عكاشة ــ لا يقل أهمية عن الاهتمام بالمدفع؛ لأنه إذا كانت القوة المسلحة تحمى حدود الوطن وكرامة أبنائه، فإن التنمية الإنسانية بأوجهها الاجتماعية والتعليمية والثقافية هى الوجه الآخر من التنمية الشاملة التى تقود مجتمعنا كله إلى التقدم والازدهار. هذا بعض ما كنت أفكر فيه وأنا جالس إلى جوار فاروق حسنى الذى أتاح لى فرصة العمل فى وزارة الثقافة وتعلمت منه الكثير، بل هو الذى دفعنى إلى زيارة ثروت عكاشة فى بيته والحوار معه مرات وتعرفه عن قرب، ومن هنا بدأت علاقتى بهذا الرجل العظيم والمؤسس الحقيقى لوزارة الثقافة بكل منشآتها التى تبدأ من الثقافة الجماهيرية التى هى خط الدفاع الأول عن الثقافة فى مواجهة الإرهاب، وأكاديمية الفنون التى هى عنصر مهم يفتح آفاق الفنون المصرية على آفاق الفنون العالمية موسيقى ومسرحا وأوبرا، ودار الأوبرا التى أحرقت فى عهد الرئيس السادات، والتى أعيد بناؤها فى عصر الرئيس مبارك واتخذت اسما جديدا بعد أن كان يطلق عليها: دار الأوبرا الخديوية أو دار الأوبرا الملكية، أو دار أوبرا القاهرة، وأخيرا «المركز الثقافى القومى» الذى يضم «دار الأوبرا المصرية» و«البيت الفنى للموسيقي- الفرق الأوبرالية والتراثية». وحاول المركز الجديد البدء من حيث انتهت الدار القديمة مستأنفا حلما جديدا من أحلام أولى سنوات تأسيس وزارة الثقافة 1958، وما تلاها من إنجازات تحتسب فى التاريخ الخاص لكل من ثروت عكاشة أولا وجمال عبد الناصر ثانيا، وكلاهما امتداد لزمن فتحى رضوان الذى كان معاصرا لزمن الجيل الليبرالى الذى نستمد منه المدد فى مقاومة التخلف الذى نراه حولنا ممتدا إلى عدد من مؤسسات الدولة، وتحاول أن تواجهه الدولة كلها فى حماسة من يريد أن يستأصل الفساد ليبنى عهدا جديدا من التقدم والاستنارة التى كان إنشاء وزارة الثقافة 1958 بتعيين ثروت عكاشة وزيرا لها استهلالا لزمن من الوعى المصرى الواعد بأنوار الاستنارة والحداثة التى رأيتها ساطعة فى الاحتفال الذى دعتنى إليه الدكتورة إيناس عبد الدايم فى يوم الأحد 14 أكتوبر، والذى استمتعت فيه بذكريات زمن جميل مضى.


لمزيد من مقالات جابر عصفور;

رابط دائم: