الجمعة 24 من صفر 1440 هــ 2 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48178

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ليست فى المستوى المطلوب علميا ولا تنظيميا..
المؤتمرات العلمية.. «شو إعلامى» أم «بيزنس»؟

صلاح غراب

شهدت الجامعات المصرية، في السنوات الأخيرة، عددا كبيرا من المؤتمرات العلمية، مما دفع البعض إلى التقليل من أهميتها والتشكيك في جدواها، وتساءل الكثيرون هل تناقش تلك المؤتمرات قضايا ومشكلات حقيقية؟ ،وهل يتم من خلالها طرح رؤى وتصورات علمية حول تلك القضايا؟ ، أم أن تلك المؤتمرات تهدف فقط إلى الشو الإعلامى؟ و الغاية منها تحقيق العائد المادى ؟ .

.....................

إن الكثرة الغالبة من فعاليات هذه المؤتمرات عبارة عن أبحاث يقدمها أعضاء هيئات التدريس بغرض التقدم بها للترقية، مما يجعلها شديدة التخصص، فلا يهتم بالاستماع إليها إلا عدد محدود من المهتمين ، ويبقى الراغبون فى الترقية مصدرا مهما لمنظمى المؤتمرات، حيث يصبحوا مطالبين «بدفع» مبالغ غير قليلة تسهم فى تغطية تكاليف المؤتمر، الذى يتحول فى أحوال عديدة إلى «الطابع الاحتفالى» فيصير «مهرجانا» أكثر منه محفلا علميا، خاصة عندما يتم دعوة مسئولين كبار، ليحظى منظمو المؤتمر بتقديرهم ودعمهم، وعيب هذا النوع أننا نجد الجلسة الأولى الاحتفالية هى التى تستأثر بأكبر قدر من الاهتمام والرعاية، فإذا ما انتهت، وجدت الحضور قد تراجع عددهم إلى النصف على وجه التقريب.

أما الرؤى الفكرية، والمناقشات القائمة على تعدد الأفكار وتنوعها، والكشف عن مستقبلات بديلة، من خلال ندوات، ومحاضرات ، فهى نادرة وعلى الهامش، مع أنها من المفترض أن تكون «العمود الفقرى» لأى مؤتمر علمى.

وإضافة إلى ما سبق فهناك من يتخذ المسألة فرصة للكسب المالى، فضلا عن «الصيت» و «الدعاية»، فهناك جهات «داعمة» ماديا للمؤتمرات، وهى تقيس دعمها بما يجره المؤتمر من فرصة دعاية، وهناك «الاشتراكات» التى تُفرض على بعض الحضور، وكذلك « شهادات حضور» يتم منحها نظير مبلغ كبير، تفيد فى ملف «السيرة الذاتية»، والتقدم إلى الترقية، وأيضا ما يدفعه الباحث من رسوم قياسا لعدد صفحات البحث، وهنا يشكل المشاركون من الخارج فرصة لتلقى الرسوم بالدولارومضاعفتها.

بيزنس رخيص

يري الدكتور جمال الدهشان، أستاذ أصول التربية، عميد كلية التربية بجامعة المنوفية، انه على الرغم من أن المؤتمرات والندوات العملية المحلية العامة والخاصة شهدت حراكاً واسعا وتطورا ملموسا في السنوات الأخيرة، فإن الكثير منها لم يقدم الجديد، ولا تزال دون المستوى المطلوب ، ولا تلامس احتياجات الواقع، وتعاني تكرار الأسماء والشخصيات المشاركة بها، وغياب بعض المختصين والخبراء، مما أفقدها الإبداع والتجديد والإضافة العلمية اللازمة ، وغلبت عليها المحسوبيات، والاجتهادات الفردية ، وتحول الكثير منها إلى مجرد بند ضمن بنود الفعاليات السنوية وفرصة للوجاهة الاجتماعية والشو الإعلامى أو البيزنس الرخيص، وصلت حد وصف البعض بأنه «فوضى المؤتمرات»، وأنها أصبحت نوعا من «الشو الإعلامى»، أو «البيزنس الرخيص».

ويشير الدهشان إلى أن تلك المؤتمرات تستهلك عشرات الملايين من الجنيهات والدولارات، التي لو أنفقت على شىء مفيد لتغيرت أحوالنا، ونادرا ما تؤخذ توصيات هذه المؤتمرات مأخذ الجد، ونادرا ما تتشكل لجنة لمتابعة مثل هذه التوصيات أو لجنة لمتابعة هذه اللجنة، حيث أكدت منظمة العمل الدولية أن ظاهرة المؤتمرات العلمية، خاصة الطبية، تمثل كارثة على ميزانية البحث العلمى، مؤكدة أن مصر بها 363 مركزا بحثيا في مختلف التخصصات، تقيم ما يعادل 3 مؤتمرات في المتوسط، أي أن المراكز البحثية تقيم أكثر من 1000 مؤتمر، تستهلك ما يعادل 100 مليون دولار سنويا، كانت قادرة على إخراج أكثر من 20 عقارا للأمراض المتفشية في مصر، أو حل أزمة الأبحاث العلمية التى صدأت في الأدراج. ومما يزيد الأمر سوءا أن بعض تلك المؤتمرات يغلب عليها طابع الإسراف، فى ظل ما نشهده فى الفترة الأخيرة من حرص القائمين على تنظيم تلك المؤتمرات على عقدها فى الفنادق الكبرى، أو المنتجعات السياحية ، تحت بند تشجيع سياحة المؤتمرات، وأنه بالرغم من أن المؤتمرات وسيلة لطرح الأبحاث ومناقشة نتائجها وعرض إمكانيات تطبيقها لخدمة المواطن البسيط، فإن الواقع يقول إن المواطن المصري لا يستفيد منها مطلقا.

و تتساءل الدكتورة منال عبدالخالق، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية بجامعة بنها: هل تعقد المؤتمرات العلمية فى بلادنا، لأن لها رسالة وهدفا، فيكون انطلاقها مستندا إلى فلسفة ورؤية واضحة؟ أم تعقد لأنها يجب أن تعقد دوريا، فلا يغيب روادها عن الأنظار، ولا يحرمون تسليط الأضواء عليهم ؟ وهل تقف المؤسسات التى تقوم بتنظيم المؤتمرات للسؤال عما إذا كانت هذه المؤتمرات هى أفضل السبل لتحقيق أهدافها؟ وهل لا نزال فى ظل ثورة التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة فى حاجة إلى تنظيم وعقد المؤتمرات بهذه الكثافة؟ أما السؤال عن تمويل المؤتمرات ورعايتها، فقد يقودنا إلى شراكات غير ذات تخصص، يغيب عنها التمثيل المجتمعى الحق، وتعقد على هامشها صفقات تجارة الأعمال، واتفاقات الاستثمار فى مجالات عدة.

وتضيف أن الأسئلة المطروحة قد تكون معروفة إجاباتها، بل وكاشفة عن واقع ذى شجون، إلا أن المؤتمرات يمكن فى ظل إرادة مخلصة أن تكون فرصة حقيقية للتعارف فى مجال التخصص، وتبادل الخبرات، وتحديث المعلومات..

وتشدد الدكتورة منال على الالتفات إلى حتمية إعادة النظر فى إجراءات تحكيم المشاركات التى تقبل للعرض فى المؤتمرات، بحيث تكون إجراءات شفافة لا تتدخل فيها أطراف ذات صلة، ومراجعة معايير اختيار المتحدثين فى جلسات الحوار وورش العمل، وكذا من يتقدمون لإقامة المعارض، وتسويق المطبوعات، أو تنظيم أنشطة السياحة والترفيه المصاحبة لفعاليات المؤتمرات، مع الحرص على استفادة حقيقية من وسائل الإعلام، وممثلى الصحافة، وتوفير كل السبل لكى تكون هذه المؤتمرات سبيلا لدعم العلاقات الإنسانية والأكاديمية.

ويشير الدكتور وائل راضى، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية التربية بجامعة حلوان، إلى أن هناك ثلاثة مستويات للمؤتمرات، فمنها المحلى، والإقليمي، والعالمي، وجميعها تكاد تكون محاولة حقيقية لعرض الحلول الممكنة، والتجارب المعملية لبعض المشكلات، وذلك من خلال العديد من الفعاليات كالندوات، وورش العمل، والمحاضرات المتخصصة، والمعارض، والجلسات الحوارية. أما بخصوص الثقل العلمي للمؤتمرات، فمما لا شك فيه أن المؤتمرات على المستويين الإقليمي والدولى تحظى بنصيب الأسد في التصنيف العلمى، نظرا لما تحظى به من قوة التنظيم، والفعاليات الجاذبة، بالإضافة للحضور العلمي الحافل، وهو الأهم، مما يسمح للعديد من الباحثين بتبادل الأفكار، وعرض التجارب، والاستفادة من الخبرات، والاطلاع على كل ما هو جديد فى مجالات العلم المطروح للنقاش.

ويشير إلى أن هناك إشكالية تتلخص فى ضعف تصنيف تلك المؤتمرات العلمية، مقارنة بالمجلات العلمية المتخصصة، بالرغم من مشاركة الأساتذة المحكمين أنفسهم على البحوث المتقدم بها الباحث فى المؤتمر، لأن هناك معايير تحكم قبول النشر فى المؤتمرات تختلف عن المجلات العلمية المتخصصة التي تهتم بشكل مباشر بفكرة البحث، وطرق وآليات علاجها، إلا أن المؤتمرات تحكمها الميزانيات المحددة من قبل المؤسسة التعليمية والتي تكون عادة متدنية جدا، ولا تكفى لتغطية فعاليات المؤتمر، مما يدفع القائمين على تنظيم المؤتمر إلى قبول أكبر عدد ممكن من البحوث لتغطية تكاليف المؤتمر من خلال الرسوم التي تحصل من الباحثين.

أسماء مكررة

وتوضح الدكتورة فايزة الحسينى، أستاذ المناهج وطرق التدريس بكلية البنات بجامعة عين شمس، أن التطور السريع في وسائل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وحرص العديد من الدول على نشر الثقافات والحوار بين الحضارات، أدى إلى التوسع الكبير في عقد المؤتمرات، وأصبحت الجامعات تتنافس في تنظيم المؤتمرات، وحرص كل قسم وكل كلية، بل كل جمعية علمية، على عقد مؤتمراتها بشكل دوري في كل عام، وأصبحت المؤتمرات صناعة قائمة بذاتها، وبالرغم من ذلك نجد أن الكثير منها لم تُقدم الجديد ولا تزال دون المستوى المطلوب في الجانب العلمي والتنظيمي ولا تلبى احتياجات الواقع وتحديداً من حيث محتواها ومضمونها.

وتلفت إلى أن معظم المؤتمرات تعانى تكرار أسماء بعض المتحدثين، وغياب الخبراء والمتخصصين، مما جعلها تفتقر إلى الإبداع والتجديد، وقد تكون هذه المؤتمرات مجرد تقليد للمؤتمرات الدولية المشابهة لها، كما أن المشاركات المقدمة لا تحقق أهداف المؤتمر، ولا تخضع بعض البحوث والأوراق المقدمة للتحكيم العلمي من قبل المختصين، الأمر الذي يفقد المؤتمر مصداقيته العلمية، كما قد يكون هناك ضعف في التوصيات التي يتم التوصل إليها أو أنها توصيات عامة لا تتعلق بأهداف المؤتمر ونتائجه.

وتقترح الدكتورة فايزة ضرورة الاقتصار على الموضوعات والقضايا المهمة التى تعالج مشكلات حقيقة في المجتمع، واختيار المشاركين في المؤتمر بعناية، وضرورة وضع خطط محددة لتطوير مسارات علمية معينة تراعي احتياجات التنمية الحقيقية.

وتتفق الدكتورة أمل شمس، الأستاذ المساعد بكلية التربية بجامعة عين شمس، مع الرأى السابق، مؤكدة أن المؤتمرات العلمية تعد فرصة متميزة لصقل المهارات والعلاقات الأكاديمية، والتعلم من الآخرين، إضافة إلى تبادل المعارف في مجال التخصص، وتبادل الخبرات بين المشاركين، وتبادل الرؤى في تناول مشكلات المجتمع لدى السياقات الثقافية المتشابهة أو المختلفة، مما يدعم الاستفادة من تجارب الآخرين اتفاقاً أو اختلافاً معها، وهو ما يعكس الاستفادة المجتمعية الحقيقية لهذه المؤتمرات الأكاديمية.

ولتحقيق معالجة المؤتمرات لمشكلات المجتمع، ترى الدكتورة أمل أنه لا بد من عدة إجراءات عند تنظيم المؤتمرات، مثل اختيار «موضوع المؤتمر»، بحيث يمثل مشكلة اجتماعية معاصرة يعانيها أفراد المجتمع، وتحديد (محاور) هذه المؤتمرات بصورة تعكس مشكلات المجتمع الواقعية، ومن ثم الإسهام في حل هذه المشكلات، واختيار لجنة علمية متميزة في مجال التخصص، كي تختار الأبحاث ذات الثقل الأكاديمي، والمعالجة العلمية الرصينة لمشكلات المجتمع، واستبعاد الإنتاج العلمي المكرر، الذي لا يشمل فكرة أصيلة لمعالجة المشكلات المجتمعية المعاصرة..

ولكي تؤتي المؤتمرات العلمية ثمارها المرجوة، تقترح الدكتورة هانم خالد سليم، أستاذ أصول التربية المساعد بكلية التربية النوعية بجامعة الزقازيق، رصد ميزانيات خاصة بالمؤتمرات والندوات حتي لا يضطر القائمون على تلك المؤتمرات إلى اللجوء لرعاة يتكفلون بالإنفاق على المؤتمر مقابل الإعلان عن شركاتهم ومنتجاتهم التى غالبا ما تكون دون المستوى، ومن باب تبادل المنفعة، وزيادة النسبة المخصصة للبحث العلمى من الميزانية العامة للدولة ورصد مبالغ مالية للإنفاق على المؤتمرات العلمية الجادة، والاستفادة من رجال الأعمال والشركات والمصانع في تمويل تلك المؤتمرات وطرح مشكلاتهم، والاستفادة من النتائج العلمية للمؤتمرات فى رفع مستوى جودة المنتج وتقليل التكلفة وتحقيق الميزة التنافسية على المستويين المحلي والعالمي، فضلا عن إنشاء وحدات بالجامعات للتنسيق بين الكليات والجامعات فى القطاعات المختلفة ومنع تكرار القضايا و المشكلات التي تتناولها المؤتمرات على مستوى الجامعات المصرية، وإتاحة الفرصة لمشاركة الطلاب وأفراد المجتمع من المهتمين بموضوع المؤتمر لإثرائه برؤى وتوجهات متنوعة ومختلفة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق