الجمعة 10 من صفر 1440 هــ 19 أكتوبر 2018 السنة 143 العدد 48164

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دقايق قبل القطر ما يركن.. وشاعرية فارقة.!

عبده الزرّاع;

قصائد «أيمن هيبة» تشبهه إلي حد كبير، فهو الهامس في كلامه وفي شعره، والهمس هو جوهر الشعر الحقيقي، ولكن تمور بداخله ثورة شعرية عارمة وحزينة، يكتب ببساطة وتلقائية وعمق، متماسا مع مفردات الحياة بزخمها وعنفوانها وصدقها وزيفها مستفيدا من مخزونه الثقافي النابع من الحس الشعبي الثري، والمسحة الصوفية التي تنتشر في جل قصائد الديوان.

..................................................

ينزع في جل قصائده إلي مرحلة الطفولة والصبا، وهو ما يسميه علماء الأنثروبولوجيا النفسية «المستوي العميق من الشخصية»، الذي يبقي مع الانسان في مراحل عمره المختلفه، ويؤثر في تكوينه الثقافي والاجتماعي، وينعكس علي سلوكه في الحياه باعتبار السلوك ثقافة مجتمع.

وما بين أول مقطع في الديوان من قصيدة «صندوق ونس قديم» الذي يتكئ فيها علي «النوستولوجيا» أي الحنين إلي الماضي، حيث علاقته بوالده، أثناء طقوس قراءته للقرآن الكريم، التي كانت تنعش الروح، وجلوسه علي الطبلية مع العيلة.. أثناء إفطار رمضان، والتي يقول فيها:

«قادر أتوّنس/ دلوقت../ بصوت نفس الحاج/ في سكوته ما بين سورة الفاتحة/ وأواخر سورة البقرة/ قادر أنعش روحي بحبة سقعة/ مصهم القلب زمان/ م الحيطة../ ورخام الجامع/ وطراوة صوت رفعت../ وقت ما كانت طبلية تكفي العيلة../ فى فطار رمضان..إلخ».

وما بين آخر مقطع في الديوان من قصيدة: «دقايق قبل القطر ما يركن» والتي تحمل عنوان الديوان، باعتبارها العتبة المركزية، يوجد عالم أيمن هيبة الشعري، بكل زخمه الانساني والمعرفي والاجتماعي، عبر قصائد هذا الديوان، وكأنه ينطلق من الطفولة إلي الكهولة إن جاز أن نسميها- ليلحق بالقطار قبل ما «يركن» بدقائق معدودة.. ورغم ذلك ما زال يحتفظ بروحه الطفولية المليئة بالشقاوة.. فيقول في آخر مقطع في الديوان:

«يا قدير../ يا منجي وستار/ لسالي دقايق قبل القطر ما يركن/ ويواجه آخر حيطه/

خليني الواد أبو روح مليانه شقاوه/ وف ايدي الفرشة وجردل بويه/ ونصايح أبويا.. ومستنيك يا جدار».

الحنين إلي الماضي:

الحنين إلي الماضي، عتبة من عتبات هذا الديوان، وسمة أساسية من سماته، ففي قصيدة «صاحبي» تتجلي علاقته بوالده علاقة الصاحب بصاحبه، بعيدا عن سلطة الأبوة، والأوامر والنواهي، ورغم أن مساحة البوح بينهما كانت قليله، إلا أن هيبة الوالد هي التي كانت تلجمه كي يكف عن الشقاوة.. يقول:

«ياااه.. كنا صحاب/ بكل ما في الكلمة من تفاصيل/ من معني جليل/ كان صاحبي لكن مش كتير بارغي معاه/ هيبته تلجمني... انكتم/ أخفي شقاوتي المخجلة قصاده../ وأعمل كأني محترم وأتلم».

ولأن علاقته بوالده علاقة استثنائية بالفعل، فالوالد رغم أنه يقرأ في القرآن، كان يغني أيضا لأم كلثوم وهذا دليل علي أن بداخله تسكن روح الفن، والأنا الشاعرة هنا مفتونة بهذا الغناء.. فيقول في قصيدة «بيسرب أغاني وذكريات»:

«مش جاي لي نوم/ ومخي بيسرب أغاني وذكريات/ أبويا فاتح كاسيت/ بيغني ويا الست/ «ولد الهدي فالكائنات..»/ كان حسه حلو»

ومن الذكريات الجميلة التي تحمل حنينا إلي الماضي، حينما يستعيد ذكرياته «ساعة الريّة» أي وقت ري الأرض بالماء.. فيقول في قصيدة: «وقت الأدان»:

«وأنا كنت أحرف من جنايني ف ساعة الريّة/ وأدفس بإيدي الوقيد/ في جدر قلب

تزهزهه عناقيد/ وحروفي كالمية».

وهناك قصائد كثيرة داخل الديوان تحمل هذا الحنين، منها: «تلاتة صحاب، غربة، كلام في السياسة،.. إلخ».

المسحة الصوفية:

يغلف هذا الديوان مسحة صوفية من أول قصيدة حتي آخر قصيدة، وكأن أيمن هيبة ابن طريق، وسالك من السالكين، يستقي منابع هذا العالم من القرآن الكريم، والأحاديث، وعوالم المتصوفة بمفرداتها وطقوسها المختلفة، يتضح هذا جليا في بعض عناوين قصائد الديوان، مثل: «الفاتحة، وقت الأدان، سايق عليك المحبة، شيخ طريقة، الروح، حال الخلق»، علاوة علي أن هذه المسحة تنتشر في قصائد أخري داخل الديوان، مثل: «غربة، بالحركة البطيئة، حوش البيت».. يقول في قصيدة «الفاتحة»:

«الفاتحة» فاتحة الروح علي أبواب السما/ والابتدا بالحمد/ الحمد لله إني أكون قاري»

ويقول في موضع آخر منها:

«الحمد ليك يا خالق الملكوت/ إني هاشوف صورة وصوت/ في كل خطوة علامة»

هنا يتناص مع سورة الفاتحة، باعتبارها فاتحة الكتاب «المصحف»، وأول سورة فيه، وهي التي تبدأ بالحمد لله.

ويقول في نهاية قصيدة: «وقت الأدان»:

«عرقي دوا الطيبين والبسمة ف عنيهم/ اكتب لي كام موال، للصبح أغنيهم/ واتدفا بصحابي/ عرقي يغني لي/ ما أحلي الوصال../ روح../ جسد».

ومن المعروف أن الوصال الروحي هو من مدارج العلا في عالم المتصوفة، كما يقول في قصيدة «روح»:

«مش عارف ها تكون الحالة معاه ازاي/ هايكون فاضي يسيب فردوسه/ ويجي يزورني/ وللا قانون الآخرة/ هيكتف رجله».

وغاية المتصوفة أن يصلوا إلي جنة الفردوس في السماوات العلا، فهم يحلمون بها، ويؤدون طقوسهم الصوفية من أجل الوصول إليها.

وتنتشر مفرادات الصوفية بشكل كبير داخل متن الديوان وفي كل قصائده..وهناك عتبات أخري داخل هذا الديوان تستحق قراءات أخري.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق