الجمعة 3 من صفر 1440 هــ 12 أكتوبر 2018 السنة 143 العدد 48157

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تفكيك العقل الأصولى فى اليهودية والمسيحية والإسلام

عاطف عبدالمجيد

فى كتابه «تفكيك العقل الأصولى..النزعات الجهادية فى الديانات الثلاث الإبراهيمية» والذى يهديه إلى كل من يرون الدين جسرًا إلى الله، لا نصلًا فى يد الشيطان، يرى الكاتب صلاح سالم أن الأفكار الكبرى التأسيسية تنتظم فى حركة سير التاريخ الإنسانى مثل عربات قطار يتوالى مرورها على محطة التأثير والفعالية، بحيث تبلغ كل فكرة كبرى ذروة تحققها فى عصر ما دون غيره، فتستحيل مرجعًا يقاس به وإليه حركة الفاعلين فى عالم هذا الزمان، قبل أن ترثها فكرة كبرى أخرى أقدر منها على حمل أعباء عصر جديد ارتقت فيه بُنى التاريخ، وبلغت درجة أكبر من التعقيد.

........................

سالم، يرى أن الحقبة الحديثة قد شهدت بزوغ أفكار جديدة محفزة للتاريخ، سواء أكانت فلسفية كالحرية والنزعة الإنسانية، أم سياسية من قبيل القومية والعلمانية والديمقراطية، أم علمية حيث صارت التكنولوجيا رافعة الحياة المعاصرة، بينما تحركت الأفكار المحفزة الأخرى إلى ظل التاريخ.. هنا يرى الكاتب أن الأفكار الكبرى جميعها قد لعبت دورها المحفز فى التاريخ، لكن بأقدار مختلفة فى مراحل مختلفة، عبر تتابع محكوم ببنية تاريخية متطورة تنزع عمومًا إلى الارتقاء والتعقيد. كذلك يرى الكاتب أن هناك فارقا أساسيا بين الدين وبين الأفكار الوضعية، فالدين ظاهرة إنسانية كبرى، لكن وتحت ضغط الحداثة كان ممكنًا أو ربما مطلوبًا، أن ينزاح الدين من المجال العام السياسى إلى المجال الخاص الفردى، متنازلاً عن طموحه إلى تنظيم المجتمعات وبناء المؤسسات والوصاية على العلوم والمكتشفات، غير أنه فى المقابل لم يكن مطلوبًا أن يفقد الدين كل قيمته أو يعلن عن موته بقوة سيف العقلانية الراديكالية.. فى السياق نفسه يرى الكاتب أن النزعات المادية الكامنة فى تربة العالم الحديث / العقلانى / العلمانى، وما يصاحبها من نزعات شكوكية، وأحيانًا عدمية، أصابت الإنسان بتوتر نفسى لا محدود، تغذى على الإيقاع السريع لمعدلات التغير، حيث تختلط الاتجاهات وتزوغ الأبصار، ويشعر الناس بالتيه والضياع وصولاً إلى شعور عميق بالاغتراب، يعود ليمنح الدين سيفًا جديدًا يحارب به العالم الحديث، كونه المصدر الأساسى لليقين الروحى الناجم من قوة الاتصال العاطفى مع المبدأ القدسى فى عالم تحيطه الشكوك.

مركزية الحضور الإلهي

الكاتب يقول كذلك: إن الدين كان فى أكثر إلهاماته راديكالية وأكثر تجلياته مأساوية، قابعًا على الطريق، هازئًا بالمصير الذى رسمته الحداثة فى صيغتها المادية المتطرفة مطالبًا بحقه فى الوجود، كاشفا عن قدرته على التحدى، وهى قدرة يبدو أنها ستظل باقية دومًا فى مواجهة شتى المحاولات القسرية لنفى الروحانية المتسامية المتولدة من مركزية الحضور الإلهى فى التاريخ الإنسانى.

من هنا، يرى الكاتب أننا أمام مفارقة تاريخية كبرى، وهى أن القرن الحادى والعشرين المفعم بأحلام التقدم والمتوثب إلى بلوغ ذرى القمم التى قاربها سابقه، إنما يلوى خاه إلى بعض طرق ومداخل تقود إلى ما يسبق القرن العشرين، وليس إلى ما يليه، حيث الدين سواء بحضوره الطقوسى أو احتجاجيته الثورية، حجر عثرة على طريق العقلانية المفرطة، بعد أن كان مفكرو الحداثة تصوروا أنهم تجاوزوه إلى الأبد، فى منتصف القرن التاسع عشر.أيضًا مما يراه الكاتب هنا أن النزعات الأصولية فى الديانات السماوية الثلاث نبتت من الجذر الاعتقادى نفسه، وترنو إلى المطلق ذاته، وإن كانت وجوه التغاير فيما بينها، بحكم السياقات التاريخية والثقافية، لا يمكن إخفاؤها.

هنا يؤكد الكاتب كذلك أن العقل الأصولى غالبًا ما يختزل الدين فى تفسير أحادى، رغم تاريخه الطويل الذى ينطوى على تجارب متعددة، ويستبطن تطبيقات متناقضة، لكل منها سياق ودلالة، تسعى القراءة الأصولية إلى محو كليهما ليسهل لها إعادة تفسير دينها فى الاتجاه الذى تريد.. والأصوليون وحدهم، يرى سالم، يدعون قدرتهم على استعادة الجوهر المؤسس لمعتقداتهم وإعادة تجسيد النموذج الأصلى للحياة الذى انطلق منه.ومن ثم بلوغ الغاية التى استهدفها، وهو الأصل الذى يتوجب دومًا العودة إليه كلما أراد أتباعه استعادة انطلاقتهم الفتية نحو غايتهم الرئيسة.وعين الأصولى، يقول الكاتب، على المستقبل، أما الماضى فهو مجرد وسيلة، مخزن لأفكار ومقولات جاهزة يستطيع الاستعارة من بينها، ومخبأ لسيوف ورماح يستطيع السحب منها ليرمى بها مخالفيه فى الاعتقاد والطائفة والمذهب.

رفض الحداثة

الكاتب يؤكد أننا نجد المبدأ الانتقائى حاضرًا لدى الأصوليين اليهود فى تأكيدهم لتفوقهم المطلق على الأغيار الذى يستعينون لإثباته بما ورد فى سفر التكوين من عهد منحه الرب إلوهيم لإبراهيم ويهوه ليعقوب بالخيرية بين الأمم.ونجده حاضرًا لدى الأصوليين المسيحيين فى الاقتباس من سفر الرؤيا وما يبثه من عقيدة ألفية تقول بأن عودة اليهود إلى أرض الميعاد، وبناء الهيكل الثالث يمثل بشارة لعودة المسيح وبداية المعركة الفاصلة مع الشر، ما يصوغ مسيحية صهيونية تؤيد العنف الإسرائيلى على نحو أكبر كثيرًا من اليهود غير الصهاينة.كما يوجد لدى الأصوليين المسلمين الذين يهملون جل القيم الإنسانية الباهرة المنبثة من النص القرآنى والتى صنعت الحضارة الإسلامية الشاهقة والدول الإمبراطورية الفتية، ويركزون على آيات الحاكمية التى يفسرونها على نحو يمنحهم حق تكفير الناس كمقدمة لإباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم..إلى جانب هذا يرى الكاتب أن الأصولية الإسلامية تعكس نمطًا عنيفًا من رفض الحداثة، على صعيدى السلطة السياسية والهوية الحضارية، إذ تنشد حكمًا فردوسيًّا وتصوغ هوية أقنومية مغلقة، وتبدى استعدادًا كبيرًا لممارسة العنف الجهادى فى سبيل فرض تصوراتها.

أشواك كثيرة

الكاتب يرى أن إخفاق عالمنا المعاصر فى مواجهة الإرهاب لم يعد فى حاجة إلى دليل، قدر الحاجة إلى تفسير فى ظل التمدد المشهود لتلك القوى الظلامية محدودة العدد والإمكانات فى مواجهة دول عريقة وقوى إقليمية كبيرة وقوى عالمية كبرى، يفترض أنها تحالفت جميعًا لمواجهته.مثلما يؤكد أن مشكلة الإرهاب عالمية، ولن يكون بمقدور أحد مجابهتها وحده، ولا بطريقة واحدة، بل ثمة حاجة إلى أخلاقية عالمية منصفة وتعددية وإنسانية لمجابهة هذه الظاهرة، وتقليل خطرها على المصير الإنسانى.

هنا وفى «تفكيك العقل الأصولى» يكتب صلاح سالم عن صراع السلطة مع المقدس الإسلامى، عن الكلام الشيعى ونظرية الإمامة، عن الكلام السنى ونظرية الخلافة.كذلك يتحدث عن الدولة التقليدية من القيادة النبوية إلى السلطة الرعوية، وعن الدولة الحديثة بين العلمانية السياسية والشمولية الإسلامية، وعن الحضارة الإسلامية كحاضنة إنسانية، وعن الجذر اليهودى للاعتقاد البيوريتانى، وعن السلفية الجهادية كظاهرة عدمية، وعن موضوعات أخرى تستحق القراءة والتأمل والنقاش.

نهايةً.. يرى الكاتب أن كتابه هذا ليس إلا اجتهادًا فكريًّا، يسعى إلى فتح كوة صغيرة للفهم تتطلب الكثير من الدأب والمتابعة بهدف توسيعها والإطلال منها على تلك الظاهرة العدمية التى تحاصرنا، وتكاد تفتك بنمط تمديننا، وتعزلنا عن حركة العقل البشرى، بعد أن وضعت أشواكًا كثيرة على الحدود بيننا وبين الآخر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق