الجمعة 27 من ذي الحجة 1439 هــ 7 سبتمبر 2018 السنة 143 العدد 48122

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

وزكى نجيب محمود يكتب عن الزيارة: سارتر فى حياتنا الثقافية..
عبدالرحمن بدوى أول من لفت انظارنا إليه.. وأنيس منصور تتدفق السارترية فى دمائه

عندما كتبت منذ بضع سنوات عن الفكر الفلسفى فى بلادنا، ورددت نشاطنا فى هذا الميدان الى محورين، هما «العقل والحرية»، وقلت إنه اذا كان اسلافنا من فلاسفة العرب قد اداروا اعمالهم الفلسفية حول محاولة التوفيق بين «العقل» و»النقل»، فنحن ابناء اليوم فى محاولة شبيهة بتلك نسعى الى الجمع فى خط واحد بين «التعقيل» و»التحرر»: التعقيل الذى نتخلص به من أوهام الخرافة واخلاط الجهل وغيبوبة الدراويش، والتحرر الذى ننطلق به من أغلال المستعمر الأجنبى واستبداد الحاكم الداخلى؛ اقول إننى عندما كتبت هذا منذ بضع سنوات، لم أكن قد التفت الى العلاقة الوثيقة بين هذا الموقف الفكرى من جهة، وما جاء جان بول سارتر ليدعو اليه، دعوة تحمل التعبير القوى العميق الصادق عن روح العصر كله من بعض نواحيه.

فلما ان توجهت بفكرى الى هذا الضيف الكبير، اذ هو فى زيارتنا هذه الأيام (مارس 1967) بدعوة من جريدة الأهرام، تبين لى فى جلاء هذه العلاقة القوية بين مانحن جاهدون فى سبيله، وما يدعو اليه الفيلسوف الفرنسى، مما لم يدع امام موضعا لتساؤل عن سر الجاذبية العقلية الشديدة التى قربت سارتر من جماعة المثقفين على اختلاف درجاتهم فى هذه البلاد، وليس يعنى هذا ان فكرنا نسخة من فكره، اذ يكفى ان نقول إن وجهتنا الفكرية قد بدأت اوائلها منذ منتصف القرن الماضى، وأخذت تتجمع قواها على مر السنين وعلى ايدى قادة الفكر منا، رائدا بعد رائد، يضاف الى ذلك ان جانبا اساسيا من نظرة سارتر وهو الجانب الخاص بفكرته عن الله لم يكن ولن يكون جزءا من بنائنا الفكري؟ لكن الذى اعنيه هو اننا إذ نفكر فى ظروفنا وفى عصرنا، نجد روح الفكرة عندنا متسقة فى نواح رئيسية منها مع روح الدعوة التى يدعو اليها سارتر.

وانك لتجد فى حياتنا الفكرية ضروبا من النشاط، قد يخلى اليك انها اشتات متناثرة لا وحدة بينها ولا رباط، لكنك ما ان تنظر اليها على ضوء مبدأ شامل ومحور جامع، حتى تجدها قد تجمعت وكأنما هى خطوات سائر واحد على طريق واحد يسير نحو هدف محدد مقصود؛ فهاهم أولاء افراد بارزون من جماعة المثقفين فى بلادنا، قد عنوا عناية خاصة بالوجودية بصفة عامة، وبوجودية جان بول سارتر خاصة؛ ينقلون عنها النصوص ويعلقون عليها بالبحوث، فنظن للوهلة الاولى انها اهتمامات فردية خاصة لا تندمج ولا تتلاحم مع تيارنا الفكرى العام، على حين انها جهود تقع فى صميم الصميم من ذلك التيار، ما دامت الروح السائدة فيه هى كما كنت قد أوضحت فى المناسبة التى اشرت اليها فى أول هذا الحديث نفسها الروح التى تسود العصر كله والتى كان الفلاسفة الوجوديون بغير شك من افصح الألسنة التى نطقت بالتعبير عنها.

وفى طليعة الطليعة ممن توجهوا بجهودهم فى هذا الاتجاه الدكتور عبدالرحمن بدوى الذى اثرى حياتنا الفكرية بنتاجه الخصب الغزير، فلم يكفه ان يخرج لنا فى الاربعينيات الأولى فلسفة وجودية تدعو الى الحرية العقلية وحرية الفعل دعوة قوية صريحة، بل طفق منذ ذلك الحين يلفت انظارنا الى المعالم الرئيسية فى وجودية الفلاسفة الآخرين من رجال الغرب الحديث ومن العرب الأقدمين على السواء؛ ونخص بالذكر من جهوده العظيمة هذه، آخر أعماله فى هذا السبيل، وهو عمل ضخم كان وحده يكفى أن يكون ثمرة حياة نشيطة، وأعنى به ترجمته لكتاب سارتر «الوجود والعدم»، وكأنما أراد الدكتور بدوى ان يقول لنا بهذا العمل المضنى اذا أردتم أن تربطوا تياركم الفكرى بتيار العصر كله، فلا يكون ذلك بالثرثرة الخفيفة المخطوفة الخاطفة، التى تجمع حبة من هنا وحبة من هناك، وانما يكون بالرجوع الى الأسس والأصول، وهاكم منى هذا الأصل والأساس.

ومن أهم النقول السارترية قبل ذاك، كانت الترجمة العربية التى أداها خير أداء الدكتور محمد غنيمى هلال لكتاب سارتر «ما الأدب» أو أن شئت دقة فهو وان يكن قد حمل هذا العنوان نفسه فى أصله الفرنسى ليس فى أصله كتابا قائما بذاته، انما هو الجزء الأكبر من المجلد الثانى من كتاب سارتر الذى عنوانه «مواقف» والذى ظهر فى عدة مجلدات، وأهمية هذا الكتاب فى حياتنا الفكرية عظيمة، وحسبك أن تعلم أنه أدق وأوفى عرض لفكرة الأدب الملتزم، فما أكثر ما نتبادل الحديث عن التزام الأديب فى مرحلتنا الاجتماعية والسياسية الراهنة، ولكن ما أقل ما يتسم حديثنا عنه بالدقة التى تحدده، مما عساه أن يؤدى الى خلط واضطراب.

والذى يهمنا فى هذا الصدد، ليس هو أن هذين الباحثين الجليلين قد نقلا الينا نصين من أهم النصوص السارترية وكفى، بل هو أن فى حياتنا الفكرية من العناصر ما يستوجب أن ندعمه بأمثال هذه النصوص، لما بيننا وبينها من رابط وثيق، وأخيرا أصدر سارتر كتاب «الكلمات» ليكون سيرة حياة، فنقله الى العربية الدكتور خليل صابات، وبذلك اكتملت لنا صورة بوجهيها: الذات وما تدعو اليها.

لكننا نعلم أن سارتر قد جسد فلسفته النظرية فى شخوص أدبية ومواقف روائية ومسرحية، وقد قام أدباؤنا بنقل طائفة من روايات سارتر ومسرحياته إما ترجمة كاملة أو تلخيصا لمادتها أخص بالذكر منها مسرحية «الذباب» التى ترجمها الدكتور محمد القصاص.. وإننى ها هنا لألتمس المعذرة عند قارئى، لأننى قليل العلم بما ترجم عن سارتر فى سائر الأقطار العربية الشقيقة، فقد قيل لى إن «المواقف» قد ترجمت كلها بجميع أجزائها كما ترجمت رواية «الغثيان» ومعظم المسرحيات.

على أن الترجمة لم تكن هى كل ما صنعناه بفلسفة سارتر، بل أضفنا إليها تأليفا عنه فيما لا يكاد يحصى من الكتب والمقالات، ولو كان لى أن ألفت النظر الى مؤلف واحد قبل سواه، لذكرت الدكتور زكريا إبراهيم.

وقد بلغت عناية أدبائنا بسارتر أن تعقبوا كثيرا مما كتب عنه فى أوروبا وأمريكا، وكان من أهم ما صدر تجميعا وتنسيقا لما قيل، كتاب مجاهد عبد المنعم مجاهد، وعنوان «سارتر.. عاصفة على العصر».

وبديهى أننا لم نترجم ولم نلخص ولم نؤلف لنقف من هذا كله فى صمم، بل كان لابد أن تسرى العصارة فى مداد الأقلام عند طائفة من كتابنا، النابضة كتاباته بكل ما فى حياتنا المتوثبة المتطورة من نبض سريع، الأستاذ أنيس منصور، وانى لأفتح كتابه «يسقط الحائط الرابع» لأقرأ فى رأس أولى مقالاته قوله: «إن كل فلسفة لا تقاوم الجوع فى العالم، لا تساوى وزنها ورقا.. إن كل كاتب لا يتعذب عند رؤيته لطفل جائع، هو كائن قد صفى حسابه مع ضميره، ومع مسئوليته، كتابا وانسانا» اقرأ له هذه البداية، فأهتف لنفسى: هذا كاتب قد تدفقت السارترية فى دمائه. لقد صبرت على قلق خلال الأسطر السابقة، وانى لموقن انها لم تشتمل من جهود الجاهدين إلا لمحات موجزة سريعة، هى أشد ما تكون تقصيرا وقصورا، وموقن كذلك أن مئات القراء سيهمسون لأنفسهم وهم يقرأون: لماذا يذكر فلان وفلان ممن بذلوا جهدا فى الفلسفة السارترية ترجمة أو تعليقا، ولكننى فضلا عن قلة إلمامى بكثير جدا مما كتب فى هذا السبيل قد كنت على قلق يدفعنى الى الاسراع، حتى أوضح ما أردته حين قلت إن اتجاهنا نحو «العقل» و «الحرية» فيه مشاركة واضحة للدعوة السارترية عن قصد أو عن غير قصد ذلك لأننى أرجح أن يسأل سائل: أتعد الوجودية بكل أشكالها نزوعا نحو «العقل»؟ أليست مندرجة فى النزعات «اللاعقلية» حتى ليوصف العصر كله أحيانا بأنه عصر «اللامعقول»؟ أن دارسى الفلسفة ليعلمون أن الفلاسفة ضربان متميزان وان يكن أحدهما مكملا للآخر ففريق منهم يتجه باهتمامه نحو «الحياة» الانسانية المتعينة المتجسدة فى أفراد الناس، على حين يتجه الفريق الآخر باهتمامه نحو «الفكر» فى تجريده الذى لا لحم له ولا دم ولا قلب ولا شىء، أما الأولون فيجعلون مجرى التجربة الداخلية مدار بحثهم أساسا، وأما الآخرون فمدارهم التصورات العقلية، الأولون منهجهم حدسى والآخرون منهجهم بناء النسق الاستنباطى الذى يهبط فيه الاستدلال من المبدأ الى نتائجه.. الى آخر هذه الفوارق التى تميز فلاسفة الحياة من فلاسفة الفكر النظرى، واذا كان سارتر بحكم فلسفته الوجودية من الفريق الأول، ففيم القول بأن نزعتنا «العقلية» تقربه منا وتقربنا منه؟

نعم. لقد خشيت أن يلحظ قارئ عند قراءته للأسطر الأولى من هذا الحديث شيئا من المفارقة، فأردت أن أسرع الى بيان ما أعنيه، وهو تلك العودة التى عاد بها سارتر مع غيره من فلاسفة العصر الى ربط الوجود الانسانى «بالوعى» أو «اللاشعور» بعد أن كانت الموجة الفرويدية قد ربطته باللاوعى أو اللاشعور، والحق أن الموروث الفلسفى كله تقريبا لم يخرج على هذا التقليد حتى جاءت مدرسة فرويد فشذت عن جادة الطريق، فلم يكن الانسان عند أرسطو وسائر القدماء الا الكائن «الناطق» أى «المفكر» والفكر والوعى مترادفان ثم جاءت العصور الحديثة بادئة بأبى الفلسفة ديكارت، الذى أقام فلسفته على الكوجيتو المعروف: «أنا أفكر فأنا موجودا» أى إن الفكر الواعى هو شرط الوجود الانسانى، وكذلك قل فى مسار الفلسفة التجريبية، حين جعلت قوام المعرفة الانسانية انطباعات الحس، فهى اذن «واعية»، وتناول «كانط» المعرفة العلمية بتحليله الفذ، فردها الى حدوس حسية ومقولات عقلية، وكلاهما يكون الحياة الواعية، وظهرت مدارس علم النفس التجريبى بشتى صورها، لكنها أجمعت على أن تجعل «الوعى» قوام الحياة النفسية عند الانسان الا صاحبنا فرويد وانصاره وتابعوه، فقد ضرب ضربته التى دوت فى دنيا الثقافة بجميع أرجائها، ولاتزال تدوى وان تكن صائرة الى خفوت، وهى أن الانسان حقيقته تكمن فى اللاوعى، نعم انه يقيم النفس الانسانية من ثلاثة طوابق، يجعل الوعى أحدها، يأتى دونه شبه الوعى الذى يكمن فيه من ماضينا مانستطيع أن نتذكره، وهناك دون هذا وذاك يقبع اللاوعى الذى هو الأساس الخبيء فى تحريك الانسان، فيما يرى فرويد.

ويجيء «علم الظواهر» على يد هوسرل أو «الظواهرية» أو «الظاهرية» كما قد تسمى عند مختلف الكتاب عندنا فيلفتنا نحو «الوعى « مرة أخري؛ انه يعود بنا الى ديكارت من جديد، ولكن بعد اضافة هامة جدا؛ فلئن كان الوعى مجرد الوعى عند ديكارت شرطا للوجود الانسانى «أنا أفكر اذن أنا موجود» بغض النظر عن علاقة ذلك الوعى بما يشير اليه من أشياء هى التى تكون موضع الوعى منا، فقد أكد هوسرل أن الوعى لا يكون إلا وعيا بشيء، فإذا قلنا إن ثمة وعيا بكرا خالصا نحدسه فى ذواتنا من داخل، فقد قلنا حتما وبالضرورة إن ثمة أشياء وحالات هى التى نعيها بذلك الوعى، ومن ثم يتحتم وجود «الآخر» مع وجودنا الواعى.

وليس هوسرل و»علم ظواهره» هو موضوع حديثنا.لكنه سارتر الذى تبع هو سرل فيما ذهب اليه من أن الجذور الأولية فى حياتنا النفسية انما هى «الوعى» ولا ذكر للاوعى الذى تعلق به فرويد ومدرسته وعلى سبيل المقارنة نقول إن ديكارت كان يعلق الوجود على الفكر أى الوعى فجاء سارتر ليعلق الفكر أى الوعى على الوجود فديكارت بمثابة من يسألك: هل أنت ذو فكر؟ اذن فأنت موجود ولا شك فى وجودك؛ وأما سارتر فبمثابة من يسألك: هل أنت موجود؟ إذن فأنت ذو فكر ووعى.

وأعود الى علاقتنا الفكرية بسارتر، فأقول إن اهم عوامل نهوضنا الفكرى منذ الأفغانى ومحمد عبده، والى يومنا هذا، هو اخراج الناس من حياة لا واعية أو شبه واعية، الى حياة واعية، قوامها الاحتكام الى العقل وأحكامه؛ وانظر الى حياتنا الفكرية اليوم، تجد كلمة «التوعية» مترددة فى كل مجال، إدراكا منا لضرورة الارتكاز على «الوعى» الصاحى المفكر المتنبه اليقظان؛ وهذا الاهتمام بالوعى دون اللاوعى، هو ما قصدت اليه حين ربطت بين حياتنا الفكرية ودعوة سارتر.

وأما الدعوة الى الحرية فأوضح من أن نلجأ فى امرها الى تحليل، لكننا نلاحظ أن دعوتنا الى الحرية كانت سطحا بغير قاع، ومن هنا كان اهتمامنا بفلسفة الحرية الإنسانية عند سارتر، لأنها فلسفة تعطينا القاع الذى نرتكز عليه.

وانى فى هذه المناسبة لأذكر ما قاله سارتر فى كتابه «ما الأدب؟» اذ يقول إن للكاتب موضوعا واحداً هو موضوع الحرية، يقول «.. فليكن المؤلف كاتب رسائل أو مقالات أو هجاء أو قصصيا؛ وليقتصر فى حديثه على عواطف فردية أو ليهاجم نظام المجتمع، فهو فى كل احواله الرجل الحر، يتوجه الى الأحرار من الناس، وليس له سوى موضوع واحد، هو الحرية لا، وكان مما حبب الينا سارتر فلسفته فى الحرية، إذ رأيناها ضرورية لسد الثغرة الموجودة فى كياننا الثقافى، وقد تكون هناك فلسفات للحرية معاصرة غير فلسفة سارتر، وربما نقلنا بعضها إلى العربية كما نقلنا فلسفة سارتر، وربما تأثرنا بها جميعا، لكن ذلك لا ينفى بل يؤيد أننا أقبلنا على هذه الفلسفة بنفوس متفتحة وصدور رحبة، ولست أريد هنا أن أفصل القول فى فكرة الحرية الانسانية عند سارتر، لأن مراجعها أمام القارئ كثيرة، وحسبنا أن نذكر مسرعين أن سارتر يرادف بين الحرية والحقيقة الانسانية، إذ الوجود عنده وجودان: وجود لذاته (وذلك هو الانسان) ووجود فى ذاته (وتلك هى الطبيعة) والوجود الأول حرية صرف، والوجود الثانى متقبل لما تفعله تلك الحرية فيه، وانك لتمسخ الانسان مسخا إذ أنت جعلته «شيئا» يتقبل حرية سواه، إلى آخر ما ذهب اليه سارتر فى وجوديته.

ولست أرى نقطة التقاء بين حياتنا الفكرية فى يومها الراهن وبين سارتر، أقوى من القول بالأدب الملتزم، فماذا يقول سارتر فى التزام الأديب؟ انه بادئ ذى بدء يخرج الشعر من الالتزام الذى يعنيه، ويقصر الالتزام على النثر وحده، ولكى يوضح ذلك سأل سؤالين، أجاب عن كل منهما اجابة مستفيضة، سأل: لماذا نكتب؟ ثم سأل: لمن نكتب؟

إلا اننا اذ نرحب بالفيلسوف الفرنسى الكبير فى بلادنا، فانما نرحب برجل قد التقينا معه فى كثير من الأهداف.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق