الجمعة 27 من ذي الحجة 1439 هــ 7 سبتمبر 2018 السنة 143 العدد 48122

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الخروج من الكهف

د.مصطفى عبدالغنى;

والخروج من الكهف هو «الخطاب»الأول فى فكره ووعيه؛ ونظرة عامة إلى عناوين أعماله وتحركه الفكرى بين الجنوب والشمال ترينا ان الكاتب الكبير عبر كل الكتابات العربية والغربية والتجارب الإنسانية هنا وهناك ليصل فى السياق الأخير الى هذا الوعى الذى راح يؤكده لأكثر من نصف قرن بتجليات الخروج من هذا الكهف بأن «الانسان يعيش فى كهف كامن بين ضلوعه، يحجب عنه الرؤية المباشرة لما يحدث حوله فى العالم الخارجى، فتراه ينضح أفكاره من ذلك الكهف المعتم، و هو يظن أنه إنما يستمد تلك الأفكار من خبراته بحقائق العالم الواقع، و ما ذلك الكهف الكامن بين ضلوعه، الذى يمدنا خلسة بالرأى كلما أبدينا رأيا، إلا عوامل النشأة و قد تكدست فى أجوافنا، و أقامت لنفسها أبراجا من فولاذ، هيهات أن تنال منها عوامل الحياة المتدفقة بعد ذلك». وهومايصل به إلى حقيقة هذا الواقع- داخل الكهف لا خارجه - و من هنا يتضح لماذا تتفاوت الآراء بين الناس كل هذا التفاوت البعيد، عند النظر الى موضوع مشترك..

...........................................................

وهو يفسر العديد من خطوط الخطاب الفكرى فى الواقع المصرى الذى يحمل على ضفتيه ازدواجية تعكس هذا الواقع القاتم فى الكهف، انه يسهب فى ذلك، ويأخذ القلم وهو يحدثنى فى حوار فكرى بمكتبته فى بيته حيث يشبه واقع هذا العالم الذى نحيا فيه بعالم غريب خاصة فى حضور اولئك المثقفين المدعين، قال بالحرف الواحد» عند هؤلاء يكون العلم مثل نقطة الزيت فى إناء الماء، تستطيع أن تميزها طافية على سطح الإناء لأن الزيت لا يختلط بالماء؛ أما الملح فحين يذوب فى الماء يغير خصائصه؛ فالعلم يرتقى بالمجتمع والمجتمع يحترم العلم. وعليه تعجب الفيلسوف العظيم من أن بعض المشتغلين بالعلم يرتدون معاطفهم البيضاء وهم فى معاملهم ويتصرفون بأدق تفاصيل المنهج العلمى المنضبط وهم يجرون تجاربهم؛ ولكن بعد أن تنتهى ساعات العمل يخلعون معاطفهم ويبدو أنهم يخلعون معها المنهج العلمى الذى كانوا يستخدمونه وكأن المنهج العلمى من لوازم «أكل العيش» مثل نقطة الزيت المتميزة على صفحة إناء الماء « وهومايعكس هذه الازدواجية التى مازال يعيش فيها الكثير من مثقفينا فى القرن الحادى والعشرين..وهومايفسر وعى زكى نجيب محمود من خلال التعرف على ثقافات العالم.

تنتهى الكلمات لكنه يواصل شروط الخروج من الكهف وقد يكون من المهم هنا ان نضع شهادة اخرى بين يدى القاريء الكريم؛ فقد أكد لى، وهو يقبض على القلم ليكتب تطوره الفكرى الذى أوصله الى ذلك، كتب بالحرف عن رحلته الفكرية التى انتهت به عبر اجتهادات جيل الرواد قبله الى ما انتهى اليه، كتب «وأنا طالب قرأت كل حرف كتبوه،وعرفت كل قضية ناقشوها، واقتربت من كل ضجة اقاموها، ودرست كل منهج أتوا به، وإن لم التزم بماقدموه كما هو، لقد عرفت جهد كل رائد منهم،ودرست توجهاتهم، خاصة النقدية، ولم أكن محاكيا وانا رحت اصوغ من مجمل ماقدموه منهجا خاصا بى» ويوضح اكثر ما انتهى اليه من منهج خاص به كان « ويدقق هنا فى عبارة يكررها».. لقد كنت على خلاف جيل الرواد وليس على اختلاف معهم؛ أن «فضلت ان يكون لى طريقى الخاص بى» (لقاء خاص 28 ديسمبر1990).

محاولاته الخاصة انتهت به الى هذا الوعى الفكرى، فهو يدعو للعودة الى الجذور ولكن يدعو أيضا إلى العبور من الماضى إلى الحاضر بوعى لا الركون فى الماضى البعيد، فيجب أن نجعل إسلامنا على النحو الذى كان عليه الأسبقون فيما يختص بالحياة العلمية الواعية، فقد كان عالم الرياضة أو الكيمياء أو الطب مسلما وعالما، فان الأمرعنده لم يكن ليقتصر على فقهاء الدين، بل كانت لدينا تلك الأسماء اللامعة لعلماء الرياضة والطب والكيمياء والفلك والمؤرخين والرحالة والشعراء والفلاسفة.. فهؤلاء جميعا قد وجهوا جهودهم نحو الكون يقرءون ظواهره ويستخرجون قوانينها، ثم أصابنا الجمود منذ القرن الخامس عشر الميلادى.

لقد كان اهتمامه تأكيد أن الفرع الذى يهتم به من فروع العلم الرياضى والطبيعى كان جزءا من إسلامه، أو بعبارة أخرى كانت العبادة عنده ذات وجهين يعبد الله بالأركان الخمسة ويبحث فى الوقت نفسه فى خلق السماوات والأرض وما بينهما كما أمره القرآن الكريم، وبهذه النظرة يكون مخرج المسلمين من الكهف المعاصر ضرورة لاتبرير لها عبر «خرافة الميتافيزيقا» على حد تعبيره...

زكى نجيب محمود مازال بيننا، ومازال يدعو للخروج من الكهف..

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق