الجمعة 27 من ذي الحجة 1439 هــ 7 سبتمبر 2018 السنة 143 العدد 48122

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تفكيك ثنائية الأرض والسماء..
كان تلميذا لكارل بوبر فكرهه الماركسيون والإسلاميون

مصطفى عبادة;

فى عام 1988 كنت طالبا يقرأ الأهرام، من أجل زكى نجيب محمود، وقرأت له فى ذلك العام مقالا بعنوان: «يا فضيحتنا»، تم تغييره بعد ذلك عندما صدر فى كتاب «رؤية إسلامية» وصار عنوانه «صرخة» يحكى فيه زكى نجيب محمود عن فتاة فى كلية الطب، قسم الجراحة، جاءت تسأل الشيخ عن حكم الدين فى رؤيتها لجثة رجل عار فى درس التشريح، وقالت: إنها تتحدث عن نفسها، ونيابة عن زميلات لها كثيرات وكلهن طالبات «طب وجراحة»، وقد تأرقت فيهن الضمائر، فهن مؤمنات ويردن الصواب فيما يجوز لهن وما لا يجوز فى حكم الدين. ماذا يحل لهن أن يبصرنه؟ وماذا يحرم عليهن إذا ما دخلن إلى درس التشريح، وكان موضوع الدرس جثة عارية لرجل؟

فماذا كان جواب الشيخ؟ وما رأى زكى نجيب محمود؟

...................................................................

ظل الشيخ يلف ويدور، ويريد أن يبدو فى صورة المجدد الذى لا يخالف الشرع، وكان جوابه أن مثل هذه المعالجات يجب أن تتم فى الظلام، وهنا صرخ زكى نجيب محمود: يا فضيحتنا عند أبنائنا وأحفادنا، حين يحكى لهم الحكاؤون فى زمانهم، عن قوم عاشوا فى الربع الرابع من القرن العشرين، كانت فيه الطبيبة تسأل، كما يسأل كذلك الطبيب الجراح: هل يحل لها أن تنظر إلى جثة رجل مكشوفة العورة فى درس التشريح أولا؟ وفى شئون التطبيب ثانيا، وهل يحل له أن يتولى معالجة امرأة إذا كان الأمر يقتضى كشفا لمستور؟

ثم يصرخ ثانية وثالثة: يا فضيحتنا عند أبنائنا وأحفادنا، حين يحكى لهم الحكاؤون عن آباء لهم وأجداد، كانوا ذات عهد من تاريخهم أيقاظا بمجدهم ثم ناموا، فلما أرادوا لأنفسهم يقظة بعد نوم كانت وسيلتهم هى أن يتجرعوا من أكواب التثقيف شرابا ينيم اليقظان..

عام 1988 ولم يكن بلاء السلفيين و الإخوان قد استفحل إلى هذه الدرجة، وإن كان أرباب الإخوان من الجماعات التكفيرية، يروعون المصريين بتفجيراتهم، ويحرقون أتوبيسات السائحين، كانوا منتشين بعد قتل الرئيس المؤمن محمد أنور السادات يوم احتفال أكتوبر، وكان الصعيد مسرحا لعمليات بعث الخلافة الإسلامية على دماء المصريين، وفقراء القوم العاملين فى الحقول، على أن تفسير ذلك الخوف الذى انتاب الطبيبة فى رأى زكى نجيب محمود: أنه أحد خوفين، أولهما خوف الوقوع فى الخطأ بدافع من همة وثابة طموح، و الثانى هو الذى يؤدى إلى جمود صاحبه أو صاحبته فتشل أطرافه دون فورة الشباب وطموحه، و»من هذا الصنف الحائر الجبان رأيت الطبيبة الجراحة، والطبيب الجراح، وهو خوف عم وانتشر حتى أصبح علامة على حياة هذا الجيل كله: متذرعا بذريعة الصلاح و التقوى، و الله يعلم بما تخفيه تلك الذريعة من ضعف فى الهمة وخور فى الطموح»..

هذه الرؤية لزكى نجيب محمود، جاءت فى كتابه «رؤية إسلامية» بعد أن كان قد طلق الوضعية المنطقية، وهو تلميذ كارل بوبر، الذى هدم الحتمية الماركسية بوضعيته، فى كتابه «المجتمع المفتوح وأعداؤه»، حين قال: فكرة المجتمع المفتوح، تتعلق بمستقبل مفتوح، بكل تأكيد نتعلم من الماضى، لكن لا شئ يسمح لنا بإسقاطه على المستقبل للتنبؤ بما سيحدث، إن الزعم بمعرفة مسار مستقبل التاريخ ينزع كل مسئولية أخلاقية عن الحاضر ويحول الناس إلى مجرد منفذين لمصير، مهما كانت الحال، سيتحقق، وفكرة معنى التاريخ، وفكرة «وجهة» مسار القضايا أو الشئون الإنسانية هى بلاهة خطيرة لأنها تؤدى إلى إعطاء المشروعية للعنف و الاعتباط، كان زكى نجيب تلميذا لكارل بوبر، فكرهه الماركسيون، لأن الوضعية المنطقية ضد ماركسيتهم، وكرهه الإسلاميون، لأنه ابن الثقافة الغربية والعقل، الذى هم أعداؤه بالأساس،وكلامه عن عبط الماركسية يصلح بالأخص على مفهوم الخلافة، فالعودة للماضى بلاهة خطيرة تعطى المشروعية للعنف وتكفير المخالف، فذهب الرجل ضحية للتيارين، ولو اننا عقلاء لكان قرين نجيب محفوظ فى المقروئية ولهج الألسنة.

لكن زكى نجيب محمود، بعد أن شرق وغرب، رجع إلى التراث الإسلامى لأنه وجد أنه العقبة أمام كل تطوير، وكل عقل، وأى تطور، فعكف على هذا التراث قراءة ومساءلة، وجاء هذا المشروع فى أربعة من كتبه هي: تجديد الفكر العربى، ومجتمع جديد أو الكارثة، ثم قيم من التراث، وأخيرا «رؤية إسلامية» وفى هذه الكتب، أسس زكى نجيب محمود مشروعا متكاملا، ففى رؤية إسلامية يقسم المشكلة إلى أربعة أقسام من التراث: الأول، مع العلم بعمق الإيمان، ومن عوامل القوة، ثم من عوامل الضعف، وأخيرا: دوائر الانتماء، يرصد فيها عوامل قوة التراث وعوامل ضعفه، ومن عوامل الضعف، وعلى رأسها التطرف: فالمتدين الحق، كما يطرح زكى نجيب محمود المسألة بطريقة المنطق الشكلى، ثم يحلها بتفكيك ذلك المنطق، المتدين بحق متمسك بدينه لا زيادة ولا نقصان، إنه إنسان يلتزم الخط الدينى، وخط الدين واحد، و الأمر بعد ذلك يكون فى أفراد الناس هو: إما سائر على هذا الخط، وإما منحرف عنه، فأين يكون فى هذه الصورة الواضحة من هو معتدل ومن هو منحرف؟

والحل والرد على ذلك، حسب عقل زكى نجيب محمود: أن هذا المنطق فاتته تفرقة مهمة بين طرفين هما: الدين كما هو مثبت فى كتابه المنزل من جهة، و المتدين بذلك الدين من جهة أخرى، فبينما الكتاب واحد، فإن المتدينين به كثيرون، فالمسلمون متفقون على الكتاب الكريم، لكنهم مختلفون فى فهمهم لبعض آياته، ومن هنا نشأت المذاهب المتعددة، ومن ثم يكون معنى التطرف يا صاحبى هو أن يأخذ المسلم بطريقة معينة فى الفهم، أو قل بمذهب معين، ثم يعلن أنه وحده الصحيح، وقد أخطأ الآخرون، ولو وقف أمره عند هذا الحد، لما كان عليه من غبار، لأن معنى أن يأخذ إنسان بمذهب معين دون سائر المذاهب، هو أنه قد رأى الصواب فى جانب المذهب الذى اختاره، لكنه ينقلب متطرفا إذا هو أراد أن يحمل الآخرين بالقوة، أيا كانت صورة القوة على مشاركته فيما اعتقد، هذا أولا، وثانيا، إذا كان اتخاذ الإرهاب وسيلة لإرغام الخصوم، هو العلامة الحاسمة التى تميز المتطرف عمن سواه، كان محالا أن يلجأ إليه إنسان قوى واثق بنفسه وبعقيدته، وإنما يلجأ إليه من به ضعف فى أية صورة من صوره، ثم يذهب زكى نجيب محمود إلى علم النفس، لفهم موقف الإرهابي: لماذا؟ لأن الإنسان إذا أحس فى نفسه ضعفا، تملكه الخوف من أن يطغى عليه أصحاب المواقف الأخرى، وكأى خائف آخر ترى المتطرف هلعا جزوعا، وثالثا: ودعونا نقف أمام تشريح نفسية الإرهابى، يقول زكى نجيب محمود: فإنه لا يتطرف بالمعنى الذى حددناه للتطرف إلا من حمل على كتفيه رأسا فارغا وخاويا، اللهم إلا أضغاثا دفع بها إلى ذلك الرأس، عن فهم أو عن غير فهم.

ثم رابعا وبوضوح، هو مريض نفسى، ذلك أن التطرف فى حقيقته الدفينة حالة من حالات التكوين النفسى، تجعل صاحبها معدا لأن يتطرف وكفى، فليس المهم هو الموضوع الذى يتطرف فيه، بل المهم فى تكوينه هو أن يتطرف للتطرف فى حد ذاته، ومن هذه النقطة يحدد زكى نجيب محمود بقية عوامل الضعف فى تراثنا فى مقابل عوامل القوة، التى هى بالأساس موجودة فى النص القرآنى القابل للفهم الجديد مع كل عصر جديد، وفى العقل والفلسفة الإسلامية.

وفى كتاب «قيم من التراث» يعود زكى نجيب محمود ليشرح بتفصيل أكثر، جزءا من مشروعه بتفريقه بين: الدين.. والتدين.. وعلم الدين، حيث هناك الدين أولا، وهنالك من يتدين به ثانيا، ثم هناك العلم الذى يقام عليه ثالثا، فالدين قائم فى نصوصه المحددة المعينة، ثم يأتى الطرفان الآخران، طرف منهما متمثل فيمن يؤمنون بذلك الدين، وهم من يصفونهم بالتدين، وأما الطرف الثانى فهو «علم الدين» أو علومه التى تقام على تلك النصوص، وهى واقع الدين، فتستخرج منها ما تستخرجه من مبادئ وأحكام، فلو قال لنا قائل: الدين علم، رددنا عليه بقولنا بل الدين يقام عليه العلم، وكان يمكن أن يقوم الدين والمؤمنون به، دون أن يتولاه نفر من العلماء بالبحث العلمى، كما هو من الممكن كذلك أن يتولى غير المؤمنين بدين معين ذلك الدين بالتحليل والاستدلال، وذلك لأن العلم المقام على نص معين، لا يشترط له أن يكون الباحث العلمى مؤمنا بمضمون ذلك النص، لكن علم الدين لا هو الدين، ولا هو التدين، وإنما هو فاعلية عقلية تقام على الدين، ومن الجائز أن يكون للقوم دين يعتنقونه، بمعنى أن يكون لهم «كتاب» يؤمنون بما جاء فيه، دون أن يكون قد ظهر من بينهم من يتناولون ذلك الدين بالتفكير العلمى، ولعلى لا أخطئ - يقول زكى نجيب محمود - إذا قلت إن الإسلام قد لبث دينا للمؤمنين يتدينون بمبادئه وتعاليمه فترة قبل أن يظهر الفقهاء ليقيموا عليه العلم بمنهج التفكير العلمى.

ويختم زكى نجيب محمود: إنه عندما نزلت الآية الكريمة، وفيها قول الله تعالي: «اليوم أكملت لكم دينكم»، كان قد كمل دين الإسلام، ودخل الناس فى دين الله أفواجا، ولم يكن قد كتب بعد سطر واحد فى أى علم من علوم الدين، مما يقطع بأن الدين نفسه شيء والمتدينين شيء ثان، والعلوم التى تقام عليه شيء ثالث.

يتقدم زكى نجيب محمود، خطوة أخرى فى مشروعه لتجديد دماء الأمة الإسلامية فى كتابه تجديد الفكر العربى، وفى قسمه الثانى تحديدا، وهذه الخطوة تتمثل فى «ثورة فى اللغة»، ومن حضارة اللفظ إلى حضارة الأداء، ونقلة من اللفظ إلى معناه، ثم يقترح الحلول: فى أهمية وجود فلسفة عربية لتفك للمسلمين ثنائية الأرض والسماء، ليخلص بذلك إلى قيمة التراث الإسلامى وهي: العقل، الذى عليه وحده مهمة تجديد الفكر العربى، إذ أن مشكلة المشكلات، كما يرى، فى حياتنا الثقافية الراهنة ليست هي: كم أخذنا من ثقافات الغرب، وكم ينبغى لنا أن نزيد. إذ لو كان الأمر كذلك لهان، فما علينا عندئذ إلا أن نضاعف من سرعة المطابع، ونزيد من عدد المترجمين، فإذا الثقافة الغربية قد رُصت على رفوفنا بالألوف بعد أن كانت ترص بالمئين، لكن لا، ليست هذه هى المشكلة، وإنما المشكلة الحقيقية هي: كيف نوائم بين ذلك الفكر الوافد الذى بغيره يفلت منا عصرنا، أو نفلت منه، وبين تراثنا الذى بغيره تفلت منا عروبتنا أو نفلت منها.

الخطوة الأعمق فى مشروع زكى نجيب محمود، تمثلت فى مجتمع جديد أو الكارثة، فكل ما مضى من مشكلات، تخص نخبة المسلمين التى تفكر، وفى ذلك وضع لهم الرجل مشروعا متكاملا، إنما هذه الخطوة تخص المجتمع نفسه، الذى عليه أن يستجيب لفكرة المفكر، ويحكم سلطان العقل، وأن تسود الفردية المسئولة، إذ نحن من يصنع الماضى، لا الماضى الذى يصنعنا، واحترام العلم، والإصرار على العمل، وفى كل ذلك قدم الرجل خريطة كاملة للنهوض بهذا المجتمع الكسلان، وبنخبته الأشد كسلا وانتهازية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق