الجمعة 27 من ذي الحجة 1439 هــ 7 سبتمبر 2018 السنة 143 العدد 48122

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قصة عقل..على خط النار!..
أسرار مكيدة طه حسين وعداء اليسار وتكفير اليمين لسقراط العرب

د. محمد حسين أبوالحسن;

 دافع عن الشرق وجدد الفكر بالعقلانية والحرية.. و«بيضة الفيل» تفضح «اللامعقول»

 

كان فى الرابعة عشرة من عمره، عندما أوعز أحد أصدقاء الأسرة إلى والده أن يتوقف عن تعليمه، لأن «قصر نظره»، سيحد من فرصه فى الوظيفة الحكومية، لحظة غيرت مسار حياته، بدلا من الإحباط اشتعلت جذوة التحدى، نكاية بصديق والده، أخذ يقرأ ملتهما قرائح العقول، فصار أحد أكبر العقول فى تاريخنا المعاصر.. إنه الدكتور زكى نجيب محمود الذى تظل كتاباته منارة للفكر وتجسيدا للشعلة المقدسة، شعلة العقل أعظم الأشياء قسمة بين البشر، كل حرف فيها ثمرة عقل ثاقب، عقل عملاق،

...................................................................

عقل نافذ إلى أعمق أعماق وجودنا الحضارى، مجدد سار فوق الأشواك، ليمهد الطريق لنهضة الأمة، فانفتحت عليه أبواب الجحيم معارك ومكائد، أسهم فيها رموز كبار، لم يجبن أو يتراجع، فكان فكره بوصلة هادية وترياقا للأسقام. سرى إنتاجه الفكرى الإبداعى -كتبا ومقالات- على خطوط محددة، كم من مشكلة عالج ووهم هدم، دعا بإصرار للاهتمام بالعلم والأخذ بأسس الحياة العصرية، بصيغة تصون هويتنا، عرف د.زكى قدسية الكلمة والحرية، من أجل سمو الوطن وإنسانية الإنسان الذى كرمه الله بالعقل، وأرجع حالة الركود فى ثقافتنا إلى «مقاومتنا للعقل وأحكامه» واستحساننا للوجدان وميوله، كشف عن مظاهر الخلل بالواقع، حتى أصبحت القدوة عند شباب اليوم «لاعب الكرة»، أى أننا نهتم بأرجلنا لا عقولنا كتب هذا قبل أربعة عقود، فى (قصة عقل)- وأن مساحات الفكر التقليدى الجامد أى «اللامعقول»، بتأثير البترودولار أضعاف مساحة الفكر المستنير «المعقول». نعيش فى واد غير ذى زرع، يتعملق فيه الأقزام من مدعى الثقافة، حتى يتحولوا إلى عمالقة فى وهم الجماهير والحكام. لم يكن د.زكى من أشباه المثقفين أنصار «البتروفكر»، لم يكتب فكرة ظلامية، أدرك بذكائه الحاد أن الوجود يرتبط بالنور، لاسيما بعد اقتران الأصولية بالإرهاب وامتزاج الدين بالسياسة. دأب على هذا منذ كان طالبا جامعيا، قاده نهمه للقراءة وموسوعيته الباكرة إلى مواقف قاسية: سأل أحد أساتذته عن قضية «خلق القرآن» المشهورة فى تراثنا، فطرده الأستاذ ومنعه من حضور محاضراته، ظن أنه يسخر منه، لذلك برع صاحبنا فى الإنصات إلى الأصوات المختلفة، يحاورها بعقلانية وثقة، فاضحا أنماط التفكير اللاعقلانى فى ماضينا وحاضرنا، حتى يخلص المستقبل من أدرانها.

ضرب مثلا بقضية «بيضة الفيل» التى شغلت بعض الفقهاء يوما، بوصفها دليلا على أن مشكلتنا فى «المنهج»، تقول المسألة: الفيلة تلد ولا تبيض..لكن لو افترضنا أن الفيلة باضت، ترى ما لون أو حجم بيضها؟ وحكم الشرع فى أكلها..إلخ.. وتصدى للآراء الجامدة فى قضايا الهبوط على القمر أو زرع الأعضاء، أو حكم الذبابة الساقطة فى الشراب، وهكذا.. فجاءت كتاباته «مرافعة مشهودة» دفاعا عن العقلانية والحرية، يؤكد فى (قصة عقل) أن الحرية ترتبط بالعقل واحترام ذاتية الإنسان، هى أكبر من التحرر من مستعمر خارجى أومستبد داخلى، إنها حرية الإنسان، من حيث هو فرد مستقل يصنع قرار حياته، ليكون مسئولا بعد ذلك عن قراره أمام الله وأمام الناس وأمام نفسه، ومن واجب المجتمع أن يحمى حرية الفرد، قولا وممارسة، أن يرفض أى قمع أو قهر يطمسها، دون أن تتعدى حرية الفرد على حرية الآخرين. وطالب مفكرنا بتخليص الفكر من قيود الماضى أو قيود السلطة السياسية، قيود الفكر أخطر معوقات التقدم، لافتا إلى أن افتقاد ثقافتنا الروح الديمقراطية وانفراد الحاكم بالرأى- فى تراثنا أو ثقافتنا المعاصرة- يصنع فى النهاية ديكتاتورية مقيتة، على حد وصفه، الدعوة للعقلانية إذن هى بالضرورة دعوة للديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، وهذا بعد مركزى فى فكر «سقراط العرب»؛ رفض فكرة «المستبد العادل» التى نادى بها الإمام محمد عبده، قائلا: «كلا وألف كلا يا فضيلة الإمام، سنواصل ما بدأته من حملة الإصلاح، بمداد القلم». وفى مقاله «كيف يولد الطاغية» شرح كيف تصنع الشعوب ظالميها، شرّح تناقضات «الميثاق الوطنى» الذى أصدره عبدالناصر عام 1962، وتجاوزات السلطة فى الستينيات، من خلال قصة الوزير السابق الذى عين أستاذا بالجامعة؛ فأرسل سكرتيره ليلقى المحاضرة بدلا منه. ثم تصدى فيلسوفنا بالتحليل لبعض المفاهيم المعتمة التى طرحت على ساحة السبعينيات، مثل مناداة السادات بـ «أخلاق القرية» ليفضح أوجه القصور فى تلك الدعوة، وأعلن المفكر تحفظه على فكرة «المنابر السياسية»، مطالبا بالوضوح مع أنفسنا: إما الرأى الواحد ونعلن هذا، وإما تعددية وممارسة ديمقراطية حقيقية. رفض د.زكى أن يتقلد منصبا إداريا، كان مفكرا ليبراليا ذا نزعة فردية وبالدرجة نفسها داعية للعدالة الاجتماعية والمواطنة وتكافؤ الفرص، وبرغم ليبراليته فإنه تحفظ على تطبيق الليبرالية الاقتصادية بمصر، ففى رأيه أن الهيكل الاقتصادى الرأسمالى وإن نجح فى أمريكا، لا يصلح فى مصر لاختلاف الظروف. أبى الانتساب لمذهب سياسى، حفاظا على استقلاليته عن كل سلطة، الكاتب برأيه ضمير أمته يجب أن يظل حرا، دون التقيد بإطار مذهبى، متأثرا برأى الإمام الغزالى فى كتابه «ميزان العمل». لكن هذا لم يشفع له، كلما دعا إلى الاستنارة والعقلانية، خاضت مجموعات من اليسار معركة عنيفة ضده، بسبب الوضعية المنطقية، ووقفت له مجموعات من اليمين بالمرصاد، لاسيما تيار «الإسلام السياسى»، بعد «خرافة الميتافيزيقا»، اتهموه بالاستخفاف بالدين. معارك نابعة من سوء قصد أوسوء فهم، أكثر من كونها نابعة من خلاف حقيقى. آمن فيلسوفنا بأن «ما لا تحله العلوم من المشكلات لا تحله التعاويذ، وما يسمونه حلولا سياسية إنما هى ضروب من التعاويذ»، ونادى بمجتمع جديد أو الكارثة، متمنيا للمجتمع الإنسانى ما تمناه «بيكون» فى «أطلنتس الجديدة»، ضربا من المدينة الفاضلة، دولة قائمة على العلم من ألفها إلى يائها. وفى دعوته لتجديد الفكر العربى، لم يرفض التراث جملة وتفصيلا، كما زعم بعضهم، ولم يقبله على علاته، صاغ توفيقية عقلانية بين الأصالة والمعاصرة، يقول: «إن قضية الجمع بين أصالتنا وضرورة معايشتنا عصرنا، أهم ما تعرضت له بالتفكير والكتابة، أصبحت على يقين بأن هذه المسألة أم المسائل الثقافية جميعا، القضية التى يصح أن نقول حيالها قولة هاملت، فى أزمته النفسية: أن أكون أو لا أكون ذلك هو السؤال». إن الحس النقدى الباهر أتاح لفلسفة كانط النقدية أن تشطر الفلسفة الحديثة: ما قبل كانط وما بعده، وبالمثل فعل د.زكى أعلى كلمة العقل، بحيث يمكن تقسيم الفكر العربى ما قبل زكى نجيب وما بعده، فرّق بين التفكير العلمى بكل تفريعاته والحياة الوجدانية بشتى جوانبها، فلكل منهما معايير الرفض أوالقبول، دون أن ينفى إمكان التكامل بينهما. ولو أن مهاجمى الرجل أنصتوا إلى هذه الثنائية، لما تسرعوا بالهجوم عليه، يقول فى (قصة عقل):«الإيمان بضرورة اللجوء إلى العقل والعلم..يتضمن إيمانا بقدرة العقل الإنسانى على الاضطلاع بما خلقه الله من أجله». وقد نستدرك على هذا العقل العملاق، إغفاله إلى حد ما- أن فى كل حضارة ناهضة محورا مركزيا تنبثق عنه مظاهر الثقافة، وأن الدين محور الحضارة العربية الإسلامية، أى جوهر الأصالة، فكيف يمكن أن ننسج خيوط الماضى فى الحاضر، كما أرادها فى دعوته إلى «الأصالة والمعاصرة»؟.. وأحسب أن العيب ليس فى التراث، بل فى فهمنا للتراث. قدّم مفكرنا منظومة متكاملة لا تكتفى بتفسير العالم المعقد، بل ترسم طريقا لتغييره نحو مستقبل أفضل، وهب فكره لحل إشكالية «ذاتنا» الحضارية فى مقابل الآخر «الغرب» المستعمر القديم، فند اتهامات الغرب للعرب والمسلمين بالجهل والتخلف والغدر، موضحا أن العربى بنى ثقافته على رؤية دينية لم تصرفه عن النظرة العلمية، وجاءت شخصيته ملتقى هذين الرافدين، ما جعله نموذجا فريدا، إذا قيس بأهل الشرق الأقصى أصحاب النظرة الحدسية الصوفية، وإلى أهل أوروبا ومن قبلهم اليونان أصحاب النظرة المنطقية العلمية، رأى نجيب محمود أن الشرق روح وفن، والغرب مادة وعقل. هنا لابد لنا من قول: إن تفرقة د.زكى بين الشرق الفنان والغرب المادى قد لا تعدو أن تكون انطباعا ذاتيا وتقسيما مصطنعا، يتجاهل الواقع العيانى موضوع التاريخ، وتجربته الإنسانية الحية وفعالياته فى المكان والزمان. بث هذا المثقف الثورى دواعى الثقة بالنفس فى قدرتنا على التقدم، ورفض فكرة الصراع بين الحضارات، منوها بأهمية الترجمة جسرا للأخذ والعطاء بين الثقافات غربيها وشرقيها، دون أن نخشى طغيانا على هويتنا الوطنية والقومية، فالتطرف والغلو مرفوض وإهمال التراث مرفوض، وحذر من تكرار أمثولة «دون كيخوته» الذى يحيا فى غير عصره، مبينا أن مصر عربية الثقافة حتى قبل الفتح الإسلامى، ودعا لاعتماد الدين على المستوى الشخصى والقومية على المستوى الجماعى، وبإيمان الفلاسفة، يشرح قدر المحروسة وأهلها: ليست المسألة تاريخا ومجدا لامعا يمتد لآلاف السنين، وإلا لكانت القيمة كلها قيمة عددية، بل المهم فى الحديث عن المصرى وبلده وتاريخه هو الجوهر الأصيل الذى عبّر عن نفسه بالدين والعلم والصناعة والفن، والسيادة بهذا كله على سائر الدنيا طيلة عشرات من القرون تلاحقت سطوعا بعد سطوع، كالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها. دفع د. زكى أثمانا باهظة لمواقفه التنويرية، ليس فقط من جانب مناوئيه، بل من أقطاب المعسكر الفكرى نفسه، ها هو يذكر بألم معاناته مما سماه «الأهواء اللاعقلية» من جانب كبار المفكرين قاصدا د. طه حسين- فقد عرضت مؤسسة «فورد» على د. زكى إصدار موسوعة عربية، على غرار موسوعة «كولومبيا الأمريكية»، يكون هو رئيس تحريرها على أن تضم هيئة التحرير ممثلين للأقطار العربية، وافق الرجل وجرى الاتصال بجامعة الدول العربية، وكان د.طه حسين هو المسئول عن نشاطها الثقافى آنذاك، وافقت الجامعة، ثم زار د.زكى أمريكا للوقوف على آليات التنفيذ، وبمجرد عودته، وجد حملة إعلامية شعواء بانتظاره، أطلق شرارتها د.طه حسين نفسه، إذ سُئل:»أليس فى مشروع الموسوعة خيانة للثقافة العربية؟»، فأجاب: بل إن فيه ما هو شر من الخيانة!». وتواصلت الحملة على أساس أن الموسوعة استعمار ثقافى والقائمين عليها وأولهم د.زكى بالطبع- هم صنائع الاستعمار.

تركت الواقعة (قصة عقل 134-138) ألما بلا حد فى نفسه، وأظهرت أن حياتنا الثقافية تؤخذ، وفى أعلى مستوياتها، مأخذ عراك تحركه الأهواء، فلأن نفرا وجد أن فرصة ضاعت من بين يديه، فلماذا لا يلطخ الساحة بالوحل، على حد وصفه. هكذا تكلم زكى نجيب محمود، فيلسوفا وناقدا ومفكرا، العلامة البارزة فى تاريخنا الثقافى، أزاح قبح الواقع بضياء الفكر و«طول النظر»، استغنى ماديا ومعنويا وعاش مكتفيا بعقله وكتبه، لم يبحث عن الشهرة فجاءته تسعى، وإن اختلفنا مع بعض رؤى هذا العملاق المجدد فالأفكار الحية توقظ الأذهان وتحرر الأفهام وتخلق الجدل حولها، كان عقلا جبارا وشغفا مشبوبا، صنع نفسه بنفسه، راضيا كل الرضا عما صنع، وهو يحمل تبعاته أمام الله والضمير الإنسانى، بعد أن أثبتت مسيرته صحة مقولة سقراط: «أرواح الرجال الصالحين خالدة ومقدسة»!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق