الأثنين 16 من ذي الحجة 1439 هــ 27 أغسطس 2018 السنة 143 العدد 48111

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دهشته بالأشياء البسيطة جعلته كاتباً..
جار النبى الحلو: الانتصار للفقراء أهم غاية لأدبى

حوار ــ محمود القيعي

  • نصر أبو زيد ظلم فى مشروعه الفكرى فبدلاً من مناقشته أو طرح الأفكار المخالفة له تم تكفيره ورُحّل خارج البلاد.

  • أنا مدين لـ«شلة المحلة» بالمعرفة والمحبة ووجودهم فى الحياة يجعلنى أكثر تماسكا وحبا للحياة وأحاول الإجادة فى كتاباتى لأكون عند حسن ظنهم.

  • شعورى تجاه «نجيب محفوظ» أنه أبى وكثيرا ما أشار لى فى حواراته أو جلساته، ودفعنى بقوة لأن أعتز بنفسى ككاتب ولا أنسى كلمته: «جار فى حمايتى»

لو لم يكن فى أدبه إلا هذه «الطيبة» اللافتة لكَفَتُه. فهى أبرز ملمح لديه، سواء فى شخوص أعماله. أو فى شخصيته الحقيقية، كأنما يريد الانتصار للطيبين. وكل من اقترب منه أو حاوره أو جاوره يعرف أن ديدنه السماحة، والعذوبة الإنسانية. وكأن له من اسمه «جار النبى الحلو» نصيب كبير، بكل ما فيه من إيحاءات نبيلة!

من بداياته كان مهموما بالقضايا الحقيقية، وشغوفا بعوالم المهمشين على حواف المدن، والحياة، ولأن الظروف تصر على نفيهم بعيدا عن المراكز، أصرّ هو على تسكينهم فى قلبه، وأدبه.

والأدب عنده ليس إبداعا فقط، بل وسيلة تفكير، والكاتب لا يتمتع بقدرته على ملاحظة تفاصيل الحياة ودقائقها فقط، بل يجب أن يمعن التفكير فى مغزى الأشياء والتجارب!

من يقرأ أعماله يجدها تفيض حُنواً، على أبطاله، فى محاولة منه للدفاع عنهم فى مواجهة الشر والفساد. ومن يعرفه سيجده شاهدا أمينا على أحلامهم وآمالهم التى رآها تُخطف وتنكسر يوما وراء آخر، فبكاهم بعد أن سرّهم، كما يقول المتنبى:

ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسى

بكى بعيون سرّها وقلوب.

وكأنى بـ «جار النبى الحلو» يرى بعين الطفل مالا يراه المعذبون الضائعون فى أوحال الواقع. ويرى الشمس فى الترع والغيطان والطيور والعين التى لا تكذب، ومازال يواصل كتابة الحكايات التى تعبر عن بكارة العالم، من أجل إنقاذ الإنسانية.

 

استدعاء الماضى ظاهرة لافتة فى أعمالك، فما سر الولع بالماضى، لاسيما الطفولى منه؟

الطفولة هى براءة الإنسان فى هذا العالم، والأسئلة المحيرة والشغف بالمستقبل، والخوف، والفرح، كل المشاعر تنطلق بلا أطماع أو كذب أو لف ودوران، عين الطفل التى تلتقط ما لا تتوقعه وتكشف ما خفى وبجرأة، إذن. هى تحقيق النص الجريء الذى لا يستهدف سوى الولع بالحياة، وتلك الروح الطفولية بلا هزيمة هى القادرة على طرح الأسئلة.

تجاوزت السبعين ومع هذا تبدو طفلا دائما، فمن أين تأتيك هذه البراءة والروح الطفولية العذبة؟

تجاوزت السبعين نعم، لكن الطفل فيّ يتقافز وينط لأعلى وهو يشاهد مباراة كرة قدم، وأتمايل مع الموسيقى، لا أنام إلا والراديو يرسل موسيقاه البديعة، وأصمت تماماً بدهشة أمام فيلم راق، ومع أحفادى ألعب كطفل وأفرح بلعبة أو صورة، نعم، للحياة فرحها الخاص، إننى أحاول دائماً أن أعيش ولن يمنحنى هذا إلا طفل بداخلى، ومازلت أدهش لأشياء بسيطة، هى ذاتها التى تدفعنى للكتابة ولولا هذه الدهشة ما أصبحت كاتباً.

هل كان هذا سببا لكتابتك للأطفال؟

سبب كتابتى للأطفال، كان مع أول طفلة لى، كنت أكتب لها الحكايات ولا يعرف أحد، حاولت جاهداً أن أتعلم اللغة التى تدهش الطفل وتشده وتجعله يستمع لى، اللغة الدقيقة الموحية الهامسة الجاذبة، وكتبت قصصاً للأطفال واحتفظت بها، لم أكتب من أجل الدولارات ولم أكتب رغبة فى الوجود، ولا أمنية لأن أكون فى مواكب ومؤتمرات الطفل، حتى سألنى يوما صديقى الكاتب «محمد المنسى قنديل»: «لماذا لا تكتب قصص أطفال؟». ولما أخرجت له ما عندى، أعجبته القصص جداً وأرسلها لمجلة أطفال رئيس تحريرها «أحمد عمر» الذى رأى أننى متمكن فى الكتابة للطفل وطلب منى أن أكتب كافة الأشكال من قصص وسيناريو ورواية وأبواب.

ما الذى ميّز تلك التجربة ؟

أنها أخذتنى إلى عالمى وعشقى، بحياتى التى بدأت على نهر، بين طيور وأشجار وحيوانات، عدت مرة أخرى للطفل واكتشاف حياتى. هذه التجربة أعادت لى عين الطفل ورهافته، ومعرفته بالقاسى والمفزع وأخذت اكتشافها كطفل خبيث يرفض كل العفن ويبحث عن حلواه.

الطيبة ملمح بارز عندك، سواء فى شخصياتك التى عرضت لها، أو فى شخصيتك الحقيقية التى تحيا بها، كأنك تريد أن تنتصر للطيبة؟!

لكل كاتب كما هو معروف جماعته المغمورة، وأنا جماعتى المغمورة هم فقراء هذا الوطن، وهم المهمشون الذين يحاولون «العيش» بمعنى أنهم يعيشون على الكفاف، لكن أحلامهم كبيرة، وحبهم لبيوتهم الفقيرة كبير. الانتصار لهؤلاء الفقراء الطيبين أهم غاية عندى، وكان الدفاع عنهم مسألة أساسية فى مجموعاتى القصصية كلها، لأننى التقيت كل هؤلاء، فى «الغيطان» و خارج أسوار المصانع والتقيتهم فى الشوارع والحوارى، يشتغلون ويحلمون. بحثت عن هؤلاء المهمشين عند الغجر ، حين كان فى المحلة حى للغجر فى أطراف المدينة، وكنت أسعى إليهم وأسمع حواديتهم، وكتبت عنهم أكثر من قصة، لكنهم كانوا منكفئين على أسرارهم، لا يتكلمون بسهولة، لا يتباسطون معك بسهولة. وبرغم أننى كنت أذهب إليهم بواسطة، لكنهم لا يبوحون بأسرارهم. عكس الفلاحين الذين ما إن تجلس معهم، يحكون لك. وما زلت أدافع عنهم حتى هذه اللحظة، و لا أنسى ألق عيونهم وفرحهم الطاغى على وجوههم أيام 25 يناير و11 فبراير 2011، وكانوا يشاركوننا جنباً لجنب فى الميدان، كانت أحلامهم وأفكارهم مبهمة، ولكن ثمة فرح يخاتلهم، لكن أحلامهم تنكسر بالطبع حين لا يتحقق شىء، وعندما تدهسهم عجلات الحياة بلا رحمة. الجماعة المغمورة هى التى تشارك فى كل شىء، وهى التى تخسر كل شىء أيضا.

جار النبي الحلو في أثناء حواره مع"الأهرام"

يقول شوقى عن الأب والأم: «وإذا رحمت فأنت أم أو أب .. هذان فى الدنيا هما الرحماء»، فماذا يعنيان لك وقد كتبت عنهما بشجن، وما تأثيرهما فى حياتك؟

أبى وأمى لهما كل الفضل فى تكوينى، فقد تفتحت عينى على أبى وهو يحاول تحقيق حلمه فى بناء «بيت على نهر»، وترك الأزقة والعفونة، وطلع إلى النهر والشمس وبنى البيت فى الخلاء، عشت لحظات الخلاء هذه وكنت صاحباً للنهر والشمس والطيور التى لا أعرف أسماءها، ثم زرع أبى أمام بيتنا شجرتين بونسيانا، كانت زهورهما المشتعلة باللون الأحمر تشكل وجدانى، وفوق شجرة البونسيانا أجلس عليها أرقب العالم البعيد بعد النهر، غيطان حتى الأفق أرقب الطيور والكلاب، وأتعرف على أصوات تختلط منها الرقة وأصوات وابور الطحين البعيد، أتسلق البونسيانا وأجلس، فأرى أمى جالسة بجوار الشجرة تنقى الأرز أو القمح، وأراها تسند رأسها إلى جذع الشجرة، ولما أهبط أنطر فى حجرها فتحضننى، وفى الليل تهمس لى أنا الصغير بحكايات عائلتنا وتهمس بالحواديت، مايشغلها حتى أنام، أبى كان عنده مكتبة بها كتب عنترة بن شداد، وألف ليلة وليلة، وفيروز شاه، وسلسلة الهلال لجورجى زيدان.. إلخ، كنت أفر إلى كتب ألف ليلة وليلة، وتبهرنى ألوان أبى للوحات الكتاب. ولاغرو فإن أبى كان يرسم صور سعد زغلول ومصطفى كامل وأحمد عرابى ويبيع اللوحات أمام مصنع المحلة الكبير، وأنا فى العاشرة أطلب من أبى ثلاثة قروش لأدخل السينما فلا يتردد لحظة واحدة، وعندما نشرت أول قصة فى صفحة المساء الأدبية ونشرها لى أستاذى وتاج رأسى «عبد الفتاح الجمل» ووقفت فرحان أمام أمى سألتنى: فين اسمك. فأشرت لها على اسمى فشدت الجريدة بحنو إلى صدرها وقبلت اسمى. ترى ماذا أرث من أم كهذه ومن أب مثله!

وماذا عن دور «شِلّة المحلة» فى حياتك، وقد أصبحوا أعلاما بارزين لاحقا، نصر حامد أبو زيد، وجابر عصفور، والمنسى قنديل، وسعيد الكفراوى، وفريد أبو سعدة، وغيرهم؟

محمد المنسى قنديل التقيت به فى الصف الأول الإعدادى على عتبة مدرسة الأقباط، وقضينا معا فترة الإعدادى وكنا نصدر ــ نعم نصدر ـــ مجلة مكتوبة بخط اليد والحبر فى شكل كشكول، أنا وهو كنا نكتب القصص والأخبار والنكت، ونوزعها مقابل ورقتين حتى نستطيع إصدار عدد آخر، فى الصف الأول الثانوى تعرفنا على فريد أبو سعدة، وكان همّنا نحن الثلاثة هو القراءة والبحث بجدية عن الكتب، وكان أخى بكر يُدرِّس اللغة الفرنسية لنصر أبو زيد، ونصر كان يكتب شعر العامية والرباعيات، وفى تلك الفترة كانت وظيفته فى مقر بوليس النجدة بالمحلةــ واشتغل بالدبلوم الصناعى. وقرر أن يبدأ مسيرته التعليمية من جديد وبدأ يذاكر الثانوية ويدرس اللغة الفرنسية مع أخى بكر المدرس، وذات مساء قال أخى لنصر: «إن جار وأصحابه يكتبون أيضاً»، وأخذ الكشكول الذى يضم قصصنا، وقام نصر ورمضان جميل بقراءة القصص، ثم دعونا لحضور ندوتهم الأسبوعية بقصر ثقافة المحلة. وفى منتصف يناير 1965دخلنا قصر ثقافة المحلة. فى الحجرة كان الصمت مطبقا، والوجوه تتبدل تعبيراتها، وسعيد الكفراوى يقرأ قصة «الرحلة» وأنا أنصت باستمتاع، وكان الشاب الأبيض جميل الوجه جابر عصفور هو الذى يدير الجلسة فيما جلس رمضان جميل متحفزاً لأى خطأ نحوى، وكانت ابتسامة الطفل الكبير أحمد عسر لا تفارقه، والمنسى يدعك أنفه، وفريد مندهشاً، وكل العيون تراقب الأولاد الثلاثة الذين هبطوا عليهم، وبعدها ترددنا على الندوة الأسبوعية، ثم صرنا أصدقاء نخرج من قصر الثقافة لنسير فى شوارع وحوارى المحلة، وصار من أحب أصدقائى الشاعر محمد صالح، والحقيقة أن هذه الشلة لم تكن ذات رؤية واحدة ولا وجهة نظر واحدة، ولا أيديولوجية تجمعهم، لكن لكل تألقه وركنه الركين، مثلا جابر عصفور من جعل صلاح عبدالصبور الشاعر الأهم ومن فتح لى شخصياً أبواب المعرفة والمحبة والانتماء لعقل طه حسين وكتاباته إلى الآن، وتفتحت أمامى نوافذ أخرى للمعرفة، وتعددت الأسماء الكبيرة لقراءتها، ورمضان جميل الطالب الأزهرى الممسك بتلابيب اللغة والنحو وبلاغة الكتابة، ومحمد صالح الجبار فى مناقشاته إذ كان عنده القدرة أن يسهر معك أسبوعياً ليدلل على وجهة نظره، وسعيد الكفراوى الذى يهيم حباً بالقصة القصيرة وكتابها وأحلامه التى كنت أظنها مستحيلة، والمنسى وفريد وأنا كنا بعد أن نتركهم نغوص فى الكتب، سواء فى مكتبة أو عند بائع كتب جوال، وكنت ترانا دائماً فى دكان عم طلعت حيث الكتب القديمة والتراثية وكل ما فاتنا فى حياتنا، وكنت فى تلك الفترة أكتب كيفما اتفق من القصص القصيرة، وأذكر أننا كنا نكتب مجلات الحائط ونعلقها على سور قصر الثقافة، ولم أكن قد اكتشفت عالمى بعد، أنا مدين لشلة المحلة بالمعرفة والمحبة، ووجودهم فى الحياة يجعلنى أكثر تماسكاً وحباً للحياة وأحاول الإجادة فى كتاباتى لأكون عند حسن ظنهم ، ولما صار جابر عصفور معيداً بجامعة القاهرة، كان دليلاً منيراً لزملائى الذين تركوا المحلة، وأول من سافر واستقر بالقاهرة كان سعيد الكفراوى الذى ربط بيننا وبين الأدباء وكتاب القاهرة، فى حضور كتاب الستينيات المبهرة بكتابها المتألقين مثل يحيى الطاهر عبدالله وإبراهيم أصلان ومحمد البساطى وأمل دنقل والأبنودى والغيطانى، على سبيل المثال لا الحصر، ثم غادرنا فريد أبو سعدة، والمنسى قنديل، ورمضان جميل خارج مصر، وبعدهم نصر أبو زيد.

وماذا عن نصر حامد أبو زيد ومشروعه الفكرى وهل ظُلم؟ هل كان يقرأ إبداعاتك وإبداعات «شلة المحلة»؟

نصر أبو زيد ظلم فى مشروعه الفكرى، فبدلاً من مناقشته أو طرح الأفكار المخالفة له، تم تكفيره ورحل خارج البلاد، نصر كان واحداً منا، وحين كان يعمل فى بوليس النجدة، كنت أذهب إليه بما أكتبه ويقرأ لى، وكان دائم الحضور لبيتنا لأخى بكر أو الصعود ليسهر معنا فى حجرتى فوق السطح، وعلى فكرة نصر من مدينة طنطا، لكن عمله وإقامته كانت فى المحلة، وكثيرا ما اختلفت معه وكثيرا ما ألقيت عليه الأسئلة، ودائماً كان العطوف الذى يرد ويجيب على مهل وبتعقل وفهم ومحبة. كنت أحب الجلوس إليه وحدنا لأستمع له وتغمرنى إنسانيته الطيبة، وعندما توفى نصر أبو زيد وفى طريقنا للمقابر كان خلف النعش نفر من أهله، ومن المثقفين والحركة الثقافية فى مصر، ومن زملائه وأصدقائه كنا خمسة فقط، د.جابر عصفور، ود.حسن حنفى، ود.أحمد مرسى، والشاعر فريد أبو سعدة، وأنا!! وزوجته. وفى زمن الانفتاح الاقتصادى والسادات ترك جابر عصفور وسعيد الكفراوى والمنسى قنديل وفريد أبو سعده ورمضان جميل ومحمد صالح مصر، فى الأول تركونى وحدى فى المحلة واستقروا فى القاهرة، ثم تركونى وحدى فى مصر، كانت فترة صعبة ورفضت الرحيل. وكان لشلة المحلة عقول قوية منيرة. وذات يوم أعتقد أنه اليوم الأهم فى حياتى جاء محمد صالح من القاهرة ومعه الكاتب جميل عطية إبراهيم والكاتب والناقد خليل كلفت. فى ذلك اليوم قرأنا القصص القصيرة والشعر وأخذ خليل كلفت بعضها وقدمها للأستاذ عبد الفتاح الجمل المسئول عن الصفحة الأدبية بجريدة المساء، وكان النشر فى تلك الصفحة تدشينا حقيقيا للكاتب، وطلب منى قصصاً أخرى، وصرت كاتباً، ولما سألته ذات مرة عن اعتزازه بقصصى ونشرها بشكل متوال قال: «لأنك لا تكتب مثل أحد». وكان التحول الكبير فى حياتى بسبب هذه الجملة.

وماذا أفدت من نجيب محفوظ؟ وماذا عن ذكرياتك معه؟

ذات يوم جمعة عام 1970، اصطحبنى الكاتب إبراهيم منصور، ومعى قصة منشورة بجريدة المساء فى نفس اليوم، إلى مقهى ريش حيث يجلس أستاذنا نجيب محفوظ وحوله الزملاء الكتاب، وضحك إبراهيم منصور ضحكته العالية وقال للأستاذ: «الواد جار ده مش عايزينه فى مصر تانى». فضحك نجيب محفوظ وشدنى من يدى وأجلسنى بجواره قائلاً: «جار فى حمايتى». وأنا الذى احتميت طوال عمرى بقراءة أعماله. وحاولت أن أتعلم منه كيف أرى الشخصيات وكيف أكتب عنها، وكيف تتحول الشخوص على الورق لشخصيات حية فعلاً. لم تنقطع مقابلاتى بالأستاذ أبداً وكنت واحداً من الذين فرحوا به واحتفلوا عند حصوله على جائزة نوبل، فى الاحتفال الكبير الذى أقامته الدولة، كان يقرأ لى وكلمنى ذات مرة عن اعجابه بمجموعة «طعم القرنفل». وشعورى تجاه نجيب محفوظ أنه أبى وكثيراً ما أشار ليّ فى حواراته. أو فى جلساته، كان واحداً من الذين دفعونى بقوة لأن أعتز بنفسى ككاتب.

وماذا عن يوسف إدريس؟

علاقتى بأعمال يوسف إدريس القصصية لها خصوصية شديدة، وكانت دهشتى بأعمال تشيكوف ومازالت هى التى فجرت عندى كل المشاعر والأحاسيس والدهشة والرغبة فى كتابة فقراء العالم. ولما قرأت يوسف إدريس تأكد لى أن القصة القصيرة جوهرة من يمتلكها يصير ثرياً، ومن المرحلة الإعدادية بدأت جمع كل حرف كتبه يوسف إدريس وأقص صوره من الجرائد والمجلات، وضحك عالياً عندما حكيت له هذا، وفوجئت سنة 1986 فى تحقيق عن أهم الكتاب، باختياره لى كأحسن كاتب قصة قصيرة عن مجموعتى طعم القرنفل، وتكتمت فرحى واستغرابى لهذا الرجل. حتى التقينا فى بغداد وكان عاتباً عليّ أننى لم أحاول اللقاء به أو السعى إليه، فحكيت له هذه الحكاية: كنت داخلاً مقهى ريش، الشارع خلفى، وأنا أبص على أحد لأجلس معه، فرأيت يوسف إدريس على وجه التحديد لم أر سوى عينى يوسف إدريس. كان يواجهنى تماما، لا أعرف كيف نظرت إلى عينيه ولا كيف خفت منهما، ولا كيف ارتعدت، فأخذت أرجع للخلف بظهرى حتى خرجت من المقهى، وكنت أجرى فى الشارع. ودهش يوسف إدريس واتسعت عيناه، واستغرب فلما سألته عن سبب استغرابه قال: لأن هذا ما حدث معى بالضبط حين رأيت طه حسين لأول مرة.

هل على الأدب أن يعكس الحياة، أم ينقدها، وهل الفنون كلها مجرد محاولات لإعادة صياغتها؟

الواقع والحياة والآلام المادية، والطموح والمرض والإخفاقات كل ذلك يتحول عند الكتابة إلى فن وصور، المخيلة حين ترجع إلى مشهد لتعيد كتابته فى الحقيقة تحوله إلى لغة فنية، وطرحه يعتمد على ماهية السرد، وعلى رؤية فنية لحدث تلاشى وتعيد صياغته بالكلمات والألوان، الفن لا يعيد صياغة الواقع، إنما يراه من زوايا مختلفة وبروح التلقى يتحول الواقع عند الكتابة إلى صور مغبشة، ألوان، روح، حلم بتركيبة مختلفة، نحن لا نحكى الواقع مرة أخرى، إنما نراه بعين الخيال والانتقاء.

«أنا آت أيها النهر آتٍ».. تبدو مولعا بنهر النيل.. فما سر هذا التعلق؟

«أنا آت أيها النهر آت» هذا ما قاله «سيد» للنهر، حين حلم بالعيش خارج الحارة السد، على حافة النهر والشمس والخلاء، حلمه ببناء بيته على نهر، فخرج له العفريت من النهر كأنه خارج من أساطير «ألف ليلة وليلة»، فيقدم النهر نفسه لسيد، ويطلب العفريت ــ ولاحظ إن العفريت هو الذى يطلب من الإنس ــ أن يبنى البيت هنا، ويحدد له مكان زرع البونسيانا والتمر حنة والنعناع والنبق، تلك الشجرة الذى سيجلس عليها الجنى طول الرواية، ورواية «حلم على نهر»، والولع بالنهر لأنى ولدت فى بيت على نهر، وصارت محبتى للمراكب بلا نهاية، وعلاقتى بالغلابة والبنات اللاتى يغسلن الصحون والحلل ويملأن الجرار بالمياه شكلت وجدانى، وألقت بكثير من الأسئلة التى أحاول حلها حتى الآن.

قيم كثيرة تبدو فى عالمك القصصى والروائى، مثل الإخلاص فى «العجوزان»، والإتقان، فلم تراجعت تلك القيم من حياتنا؟

العجوزان رواية وحكاية طويلة، فالعجوزان عاشا فى المحلة الكبرى حين كانت طيبة، وفيها شارع العباسى، ومحطة السكة الحديد، ومبنى البريد الصغير، ونهر. المدينة التى حلما بها طويلاً، ثم وقد تغيرت وتبدل ناسها، حتى أحلام الناس تبدلت، لكنهما قاوما النهايات الجاهزة للحياة، فعاشا كطفلين بين الذكريات التى تستنهض الإنسان، والواقع وشباب الثورة، والعجوز التى لم ترحل من ذاكرة «رفيق» تعود عجوزاً لكنها ما زالت تغنى لناظم حكمت وتطلعه على صورتهما مع الجنود على الجبهة فى العام 1969، إحداهما اختفى ربما، لكن الآخر ينتظره لمواصلة الحياة. قيم كثيرة توارت لأن عالمها توارى، قيم اندثرت لأن عالمها اندثر، كل عصر له قيمته ونظرياته للحياة.

شُغل الروائيون الكبار بالمكان، فكيف وظفته فى أعمالك؟

المكان شخصية أساسية فى أعمالى مثل بقية الشخصيات، لأن المكان بطرح أبطاله وملامحهم الخاصة، وحدود أمنياتهم، المكان يطرح ترانيمه، ورجاله وفى الحقيقة هو الذى يطرح المفهوم الخاص بالعمل الروائى، ويصنع الحكايات، هل ما يحدث فى الصحراء، هو مايحدث فى الغيطان، أو فى الأبراج الكبيرة، أو فى بيوت الطبقة التى كانت وسطى؟! بالتأكيد لا. إن الأشواق والرؤية ابنة صراع البيئة، حتى تبنى بيتاً، مكاناً، يمكنك أن ترسل إليه شخوصك، لكهنم سيتحركون فى إطار حيز البيت. المكان أيضاً يشى بفكر الكاتب وانحيازه، فكان المكان عندى البيت والنهر والحوارى وأزقة المحلة هو الذى يطرح قصصه وحكاياته.

والسرد عندك لا يفرق بين شخصيات رئيسية وثانوية وأحداث جوهرية وعرضية وبداية ووسط ونهاية، فكيف تراه؟

السرد عندى لا يفرق بين شخصيات رئيسية وثانوية وأحداث جوهرية وعرضية وبداية ووسط ونهاية، فى رواياتى: حجرة فوق سطح، وقمر الشتاء، وعطر قديم والعجوزان، الروايات مشاهد وبقع لونية وسرد يقتنص الحقيقة ليحكيها ببساطة ورهافة، والفصول تبدو غير مسلسلة، لكنها الألوان التى ما أن يجمعها وتلمها تقدم لك لوحة متكاملة متعددة الألوان، لأن الواقع ليس فصولاً متتالية إنه قفزات من التحقق والانكسار والفرح والحزن.

ما جدوى الكتابة بتقديرك، وهل يمكن أن تغير شيئا؟

الفن بشكل عام يؤثر فى الذائقة ويطورها، فنون مثل السينما والموسيقى والرواية والشعر على مدار سنوات تؤثر فى الذائقة وتحول الإنسان إلى شخوص راقية، والفن قد لا يدفع إلى مظاهرة سياسية، لكن بالتراكم يدفع لثورات وتسلح بالفن الراقى، ويغير مستوى التلقى والفهم لدى الإنسان، وينير العقل الذى يبحث عن حلول.

هل هو ضرورى للعمل الأدبى أن يتضمن رسالة أخلاقية؟

الفن يحمل رسائل كثيرة، لكنه عندما يقع فى المباشرة يفقد العمل جوهره الفنى، والفن يتخلل عقل الإنسان، ولا يجب أن يتحول إلى أوامر.

قلت فى أحد حواراتك إن النقد عاجز ، فما الأسباب بتقديرك، وهل قصر النقد بحق أعمالك؟

الحقيقة أننى لا ألتفت إلى موضوع النقد، لكنه عاجز بالفعل عن مواكبة الأعمال الإبداعية، ومقصراً بتمهيد الطريق للكتاب، وما يكتب عبارة عن كلام أو إعلان عن رواية جديدة، يوجد نقاد، لكن الحالة الإبداعية تسبقهم كثيراً.

 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق