الجمعة 21 من ذي القعدة 1439 هــ 3 أغسطس 2018 السنة 142 العدد 48087

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قراءة فى وثائق وخرائط التقسيم..
من «سايكس بيكو» إلى الشرق الأوسط الكبير

سهير حلمى
غلاف الكتاب

فى الوقت الذى أصبح فيه الإنسان مطالبا ببذل بعض الجهد للحصول على الحقائق نتيجة فيض الشائعات المغرضة، وتعدد المصادر وعدم دقتها.. تستعيد الوثائق مكانتها وألقها والقول الفصل بين كل الأصوات المتعددة التى تعج بها ساحة المجال السياسى على المستوى الإقليمى والعالمى..فى دراسة مستفيضة ومترابطة وسرد متسلسل وممتع هو أشبه بأصول الروايات السياسية المتداولة على الساحة من تعبيرات شائعة.

يقدم الكاتب الصحفى والباحث الأكاديمى النابه مختار شعيب كتابه الجديد «وثائق المؤامرة ومخططات التقسيم» حيث يتم توظيف الوثائق والخرائط من أجل التثبت من الحقائق، بتسلسلها التاريخى والمقترح والمطروح وما أصبح فى مجال التنفيذ الفعلى مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.. يستعرض فى مقدمة الكتاب.. الدوافع وراء هذا البحث الرصين والتى يأتى على رأسها، حاجة المصريين والشعوب العربية إلى قراءة ما حدث وما يحدث فى سياقه الأشمل والإجابة عن الأسئلة الغامضة المتعلقة بما يحاك لنا من خطط دولية للهيمنة على المنطقة،وكيف يقومون بمجابهة محاولات رفع الوعى لدى الجماهير العربية حين يتداولون الكلام عن تلك المخططات بالسخرية من كلمة (مؤامرة) وتسفيه دلالتها حتى يصل إلى يقين السامع أنها شيء قرين بالأوهام، من أجل التغطية على الحقائق، فالمؤامرات قائمة منذ فجر التاريخ على مستوى الشعوب؛ للاستيلاء على ثرواتها ومقدراتها واستعمارها.. لذا يأتى الكتاب كصفعة قوية مدعومة بالوثائق تفند هذا الطرح الهزيل المختزل للمؤامرة فأبواب الكتاب تبدأ بطرف الخيط من سايكس بيكو وإعادة تقسيم العالم العربى ورسم خرائطه التى صمدت مائة عام تقريباً، استقرت فيها حدود الكيانات السياسية فى العالم العربى.. والكاتب يستدعى هنا الظروف المشابهة التى فرضت «خرائط سايكس بيكو» على منطقة لم تبد مقاومة جدية لهذه الخرائط ولا لتعديلاتها التى طرأت عليها حيث وضع النظام العالمى قيودا على السياسات الحدودية ولم يسمح بتغييرها إلا فى أضيق الحدود، ولكن بعد الأحداث التى جرت فى المنطقة منذ عام 2011 أصبحت الولايات المتحدة تعلن صراحة من خلال بعض المسئولين السابقين لها أو التقارير البحثية عن رغبتها فى تغيير الحدود مع وجود قوى وتيارات وهويات داخل عدد من الدول العربية أو النظم القائمة تدعم ذلك.. والشيء المؤسف هو وجود بعض الفصائل والمنظمات الدينية والطائفية والعرقية داخل هذه الدول تشارك فى تنفيذ هذه المخططات الغربية على حساب شعوبهم وتاريخهم. تشهد المنطقة بعد انقضاء قرن من الزمان، حالة من الاهتزاز وزعزعة الاستقرار: دول فاشلة ونظام إقليمى مخترق وهيمنة عالمية نشطة، الأمر الذى يعنى احتمالية متزايدة لإعادة رسم خرائط جديدة.. فلكل ميزان قوى سياسته وخرائطه وفقا لآراء بعض المحللين وثمة قابلية داخلية وإقليمية ودولية لإعادة النظر فى الكيانات والحدود فى الوقت الذى تشهد فيه المنطقة صعودا مضطردا فى «الحنين إلى الاستعمار!» والدعوة إليه.. هكذا ينبهنا الكتاب إلى أى مدى وصل الجهل وغياب الوعى لدى بعض الفاقدين للانتماء!

فمصر التى تقع فى قلب العالم وأدراك ذلك الساميون منذ خمسة آلاف سنه فقاموا وغيرهم بحملات لاحتلالها وجدوا أهلها متماسكين، ملتفين حول سلطة عادلة.. وهى سلطة كشفت فى محطات كثيرة كيف أن عدل السلطان وإنجازاته وتواضعه وتفانيه فى خدمة الوطن ورضا الشعب عن هذه السلطة هو جوهر الشرعية وهو الحامى الأكبر لأرض الكنانة من الفتن والهزائم النهائية لذا يبقى العدل ركنا أصيلا من أركان الأمن القومى.. على حد تعبير المؤلف مختار شعيب.

وفقا لنظرية الجغرافى الشهير ماكيندر «من يسيطر على شرق أوروبا يسيطر على قلب العالم ومن يسيطر على القلب يسيطر على جزيرة العالم ومن ثم العالم».. ويقصد بجزيرة العالم قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا ومع تطور النظرية وصولا إلى (قوس الأزمات) كما سماه بريجينسكى مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق ويتمثل فى تلك البقعة من العالم العربى.. وفقا لطرح ماكيندر فمصر تمثل نقطة الارتكاز الجغرافى فى الشرق الأوسط.. وقد فطن نابليون إلى ذلك مبكرا ثم حاولت الإمبراطورية البريطانية اللحاق بالعربة الفائزة أو الجائزة الكبرى كما يطلقون على أرض الكنانة.. وتترابط الأفكار ويتسيد التحليل المبنى على المعلومة لا الرأى فى صفحات الكتاب بصورة سلسلة وعميقة فى آن.. بعرض ذكى ينطلق من نقطة التشابهات فى الفترة التى تلت اتفاق سايكس بيكو والترتيبات المستقبلية التى يتم إعدادها للمنطقة العربية حاليا من تقسيمات أثنية وعرقية ومذهبية ودينية حتى تسقط فى بئر لا قرار له حتى تصبح حالة التشظى والبلقنة أمرا مألوفا فى عالمنا العربي, ويلفت انتباهنا أيضا للتأنى وعدم الثقة المفرطة فى المخططات وقدرتها على النفاذ أو ذكاء الطرح من قبل القوى الدولية.. فعندما أطاحت فرنسا وبريطانيا منذ قرن بالنظام الإقليمى القائم.. لم تقما بحسابات أو تقديرات دقيقة لنتائج ما تقومان به من أفعال على (المدى الطويل) وهو ما يبدو أنه يتكرر اليوم من القوى الخارجية وتفعله بنفس الحماقة، عن قصد أو عن جهل فهم يعيدون إنتاج أخطاء الماضى فيما يتعلق بإطاحة أوضاع وأنساق قائمة دون النظر إلى تداعياتها وأفعالها على المدى الطويل على المنطقة والعالم بأسره.

الكتاب المدجج بالخرائط المتنوعة الفاضحة للمؤامرات.. يضع أمام القارئ التصور المبدئى لتحويل العراق إلى ثلاث دول للعرب والأكراد والشيعة..أما سوريا فمقدر لها التقسيم بين العلويين والأكراد وناهيك عن اليمين الشمالى والجنوبى وحضرموت.. ثم ليبيا وهلم جرا..إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات وخرائط برنارد لويس لتقسيم الشرق الأوسط ومصر والسودان وشمال إفريقيا.. وتقسيم لبنان إلى كانتونات وخريطة إسرائيلية لتقسيم العراق.

خريطة الجنرال جيورا إيلاند

وهو الرئيس السابق لمجلس الأمن القومى الإسرائيلى الذى اقترح عام 2009 مضاعفة مساحة غزة مرتين أو ثلاث بضم 600 كيلو متر مربع من سيناء إلى القطاع مقابل منح مصر 600 كيلو متر من صحراء النقب جنوب إسرائيل.. معللا مقترحه بأن الزيادة المتوقعة لعدد سكان قطاع غزة بحلول عام 2020 ستبلغ 2.5 مليون نسمة ولن تستوعبهم المساحة الصغيرة الحالية وقدم مزايا المشروع الخاص بمصر وفلسطين وإسرائيل والأردن.

تفاصيل جديرة بالقراءة فى مقترح ارتبط بمسميات عديدة أحدثت صخبا واتهامات باطلة للحكام العرب بالضلوع فى شيء لم يقترحه أحدهم أو يناقشه.. ولكنها حروب الجيل الرابع التى أفرد لها الكتاب مساحة ثرية بالمعلومات.. عرفنا منها أن تعبير «الفوضى الخلاقة» الذى صكته كوندليزارايس هو مصطلح ماسونى تم استدعاؤه من صفحات «بروتوكولات حكماء صهيون».

مع صعود ترامب وتوالى الأحداث والمتغيرات.. تظل المخططات التى تلحق الضرر بنا بمثابة مؤامرات لا تتوانى أى إدارة أمريكية عن تطبيقها.. فالسياسة الطويلة الأجل هى أمن قومى لا يتقاعس أيا من كان عن وضعها موضع التنفيذ مهما كان انتماؤه الحزبى.

ثم ينتقل بسلاسة متحدثا عن الفتن المتنقلة فى عالمنا العربى من خلال حروب الجيل الرابع ومشروع برنارد لويس لتقسيم الدول وإثارة الاضطرابات ونشر الديمقراطية بالقلاقل.. مرورا بفوضى الربيع العربى التى أفرد لها الكاتب تفاصيل مثيرة لا نعلمها عن الساعات الحرجة بين مبارك وعمر سليمان فى يناير 2011 واستخدام الإخوان كحصان طروادة ودور الأصولية المتطرفة والدول الباحثة عن زعامة إقليمية مثل (إيران – تركيا) ودورهم فى الاضطرابات والقلاقل وسعيهم لتدمير دول الجوار من أجل زعامتهم للمنطقة.. واستخدام قطر كسمسار هزيل الحجم والقيمة والشأن للعبث فى شئون الكبار.. ووصولا لدور إيران فى مشروع تقسيم المنطقة., ستصل فى نهاية هذا الكتاب الممتع إلى نتيجة مهمة جدا:أن أى تغيير لابد وأن يبدأ من القاهرة لذلك تظل أرض الكنانة (دولة الارتكاز الجغرافي) حجرة عثرة ووتد راسخ يحاولون زعزعته حتى ينفتح الدرب أمام واقع جديد ويخلص الكاتب إلى أن العالم العربى سيكون قوة محركة للتاريخ.. إذا قرأ التاريخ وفهم نظرية ماكيندر على وجه الخصوص عن قلب العالم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق