الجمعة 21 من ذي القعدة 1439 هــ 3 أغسطس 2018 السنة 142 العدد 48087

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حدث فى برلين -1

عن مكتبة الدار العربية للكتاب, صدرت مؤخراً رواية حدث فى برلين لهشام الخشن. وهى عمله الإبداعى الثامن, إذ صدرت له قبل ذلك مجموعتان قصصيتان وخمس روايات بين عامى 2010 و2016. الرواية مكتوبة وكأنها فيلم سينمائى درامى وثائقى يتجول فى الزمان والمكان دون ترتيب ما بين 9 نوفمبر 1938 و8 فبراير 1993, وتدور أحداثه فى عدة مدن, إلا أن معظمها يقع فى مدينتى برلين والقاهرة, عدا خمسة فصول فى بوينس أيريس, وسانتياجو, و سيول, وزرمات السويسرية, وجنوة.. وقد يخطر ببالك وأنت تقرأ أنك بصدد عمل يشبه أفلام الحركة والمطاردات, لكنّ الأمر فى الواقع يختلف. فالرواية, وإن كانت تُخلِص فى أسلوبها للسينما وبالذات من ناحية عنصر التشويق, هى فى حقيقة الأمر مرثية للإنسان الفرد تحكى كيف يمكن أن تفسد السياسة, بأيديولوجياتها وأنظمتها وكاريزما بعض زعمائها, حاضر ومستقبل أفراد كبيادق الشطرنج, تسحرهم الكاريزما مثل أرانب تنومها مغناطيسيا عيون ثعبان الكوبرا, وتحسم مصائرهم أحداث التاريخ الكبري, فتكتبهم فى سجلات الضحايا أو المجرمين, بينما بعض هؤلاء الأخيرين لم يكونوا أكثر من صغار أغرار مفتونين.

تبدأ الأحداث فى شارع من شوارع برلين, بين بيتين, أحدهما لأسرة يهودي, وفى طابقه السفلى محل رهونات يديره مائير رب الأسرة؛ وعلى الرصيف المقابل بيت السيد شميدت, لواء شرطة, له ابنتان إحداهما, وتدعى هيلدا, بارعة فى العزف على الكمان, بينما أختها ليليان يجرفها التيار القومى الذى كان يسود ألمانيا على أعتاب الحرب العالمية الثانية, وتُصَدقِّ بلاغة هتلر الخطابية فتنضم للشبيبة الهتلرية, ويجندها النظام لتقوم بأعمال السكرتارية لأحد كبار الموظفين النازيين الذين تورطوا فى شحن اليهود إلى معسكرات الموت, دون أن تدرى هذه البنت ما يحدث حولها, أو بالأدق فوقها, فلم يكن دورها يتعدى ترتيب أوراق الموظف الكبير دون اطلاع على المكتوب فيها. لكنّ التاريخ لم يرحمها: انهزمت ألمانيا فى الحرب العالمية الأولي, وأذلتها شروط مؤتمر الصلح, فجاء هتلر تعبيراً عن الرغبة القومية فى الانتقام, وتحول الذل إلى عنصرية مجنونة كان من أكبر ضحاياها اليهود, الذين انتقموا فيما بعد, وتفرغ بعضهم لصيد النازيين. ورغم أن والد ليليان وهيلدا الجنرال شميدت كان من المتعاطفين مع اليهود, فإن ذلك لم يشفع للفترة التى عملت فيها ليليان فى صباها سكرتيرة للهر أيخمان مُوَرِّد اليهود إلى معسكرات الهولوكوست. وبرغم أن ليليان وأختها هيلدا غيرتا لقب الأسرة فيما بعد من شميدت إلى اسم آخر, فإن المصادفة هدت أحد صيادى النازيين إلى لقب ليليان الأصلى - ومن هنا يبدأ النصف الثانى من أحداث الرواية (فبراير 1964): المطاردة عبر جنوب أوروبا لليليان التى تستقر فى القاهرة, حيث تحمل طفلة يتبناها قاهريان لا ينجبان, وتنشأ الطفلة بينهما دون أن تدرى عن حقيقتها شيئا, حتى تحطم مصادفة أخرى حياتها. يحدث ذلك عند تقاطع حكاية ليليان وابنتها المصرية ليلى مع حكاية أختها هيلدا عازفة الكمان وابنتها جريتا, ووالد جريتا حبيبها سيب عازف الساكسفون. وإذا كانت حكاية ليليان شميدت تقص علينا كيف دمّرت النازية ثم الصهيونية حياة بعض أفراد من الشعب الألمانى من اليهود ثم من الشباب الصغير الذى صدّق هتلر, فإن حكاية هيلدا شميدت تروى لنا كيف دمّر النظام الشمولى فى ألمانيا الشرقية حياة أسرة من الفنانين, عازفين وابنتهما الطفلة. سيب الأب اشتراكيّ سبق إيمانُه بالشيوعية نشوءَ ألمانيا الديمقراطية, وحين قام الجدار بين البرلينين, كان يقيم عن عقيدة فى الشرقية, فرحلت إلى حضنه هيلدا تاركة برلين الغربية, ليشهدا معاً مأساة تدمر حكايتهما وطفلتهما.. كيف؟ سنعلم بإذن الله الأسبوع المقبل.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة