الجمعة 7 من ذي القعدة 1439 هــ 20 يوليو 2018 السنة 142 العدد 48073

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ألف الرواية وكتب المقالات ودرس بالحقوق ومثل يوليوس قيصر على خشبة المسرح
عبد الناصر وفلسـفة السـينما

كرمة سامى فريد;

رئيس بدرجة زعيم وقلب فنان، عندما كان طالباً فى المدرسة الثانوية كتب مقالاً عن ڤولتير، وعندما كتب عن فلسفة الثورة تأثر بفكر لويچى بيراندللو فى مسرحية «ست شخصيات تبحث عن مؤلف»!!! حرر بلده من الاستعمار وبنى مؤسساتها متأثراً برموزها الحضارية، وشرع فى استكمال أحلام طليعة مفكريها وزعمائها أبرزهم طه حسين وأحمد لطفى السيد وعبقرى الاقتصاد الحضارى- طلعت حرب. وعندما فكر فى واجهة حضارية لثورة 23 يوليو 1952 كان أول من وقع عليه اختياره هو أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد ليكون أول رئيس لجمهورية مصر. وبرغم ما كان يواجهه داخلياً وخارجياً قدم يد العون للدول العربية والأفريقية كى تذوق -هى أيضا- التحرر من الاستعمار، وكوَّن جبهة عدم الانحياز التاريخية -لا شرقية ولا غربية- مع زعماء عمالقة مثل جواهر لال نهرو (الهند)، وجوزيف بروز تيتو (يوغوسلافيا)، ويشهد على ذلك مؤتمر باندونج 1955. ناله ما ناله من انتقادات بعضها محق ومعظمها مجحف لكن أبرز ما يميزه فى تاريخ قيادة الشعوب وزعامتها هو ‘قلبه الثقافى’ الذى حلم بـ «عالم جديد وشجاع» ولم ير من هذا العالم سوى فجره الموءود!!





تأثر جمال عبدالناصر (1918-1970) بالفكر الثقافى الذى شكل له مسيرته السياسية وعقيدته الفكرية فكان السبب فى اختلاف ملامح عصره عن عصور أخرى، فكأنك عندما تستعيد أحداث عصره وطبيعة قراراته ترى فيها بعداً دراميا يقترب به من فضاء السرديات الكبرى التى يسكنها كبار أبطال الملاحم والمآسى، هنا يقف بطلنا جنباً إلى جنب مع الأمير المثقف والقائد العاشق والأب الديكتاتور.

اختلفت الآراء حول شخصية عبدالناصر الذى لم يكن قديساً كما يصوره محبوه أو شيطاناً كما يصوره أعداؤه لهذا انظر إلى ملامح البطولة فى شخصية عبدالناصر وتأمل جمعه بين الأرسطية (نسبة إلى أرسطو) والبيرونية (نسبة إلى الشاعر الإنجليزى لورد بايرون) وتخيله بطلاَ نبيلاً مأساوياً وثائراً رومانسياً يتميز بالقدرة على الحلم، يتصف بالرقى والثقافة والجاذبية والذكاء والاندفاع والتقشف والبساطة والمكر والغموض والتمرد. يكره النمطية فى أسلوب الحياة واتخاذ القرارات. يقف ما بين عالم الواقع والخيال، لا يحلم لنفسه وإنما للآخرين، يشركهم فى الحلم فيصدقوه ويتبعوه ويتابعوه بإعجاب محارباً الاستعمار والاقطاع والجهل كأنها تنانين تنفث ناراً.

ناقش يحيى حقى فى أحد مقالاته فى كتابه «هموم ثقافية» مضمون بيان «أهداف العمل الثقافى» الذى أصدرته وزارة الثقافة عام 1968 بمقدمة كتبها ثروت عكاشة وزير الثقافة فى ذلك الوقت يقدم فيه كشف حساب تفصيلى بمختلف جوانبه عن نشاط الوزارة، ينبه عكاشة فى بيانه إلى وصف عبدالناصر «لازدهار الثقافة فى مجال الفكر» أنه «بمثابة التصنيع الثقيل فى قطاع الصناعة» وهو الفكر الذى بنى عليه عبدالناصر -من خلال جهد عكاشة- الانتاج الثقافى الذى تميزت به الستينيات بحلوها ومُرها فاستحقت به أن تسكن الذاكرة الشعبية والقومية.

ينطبق على جمال عبدالناصر تعريف يحيى حقى للمثقف فهو: «الإنسان المرتبط ببيئته، تاريخياً وجغرافياً.. هذه هى الأرضية التى لا بناء إلا فوقها». وإن شئنا أن نحلل التكوين الثقافى لعبدالناصر فسنبدأ بالطبقات المكونة لجوهر هُويته فهو: صعيدي/اسكندرانى/قاهرى/مصري/أفريقى/عربى/آسيوى.. ولكنه لم يكن ناصرياً. كتب القدر رحلة تكوين هوية عبدالناصر ليتعلم الاستقلال مبكراً وتصبح مصر بأكملها بيته: وُلد فى باكوس بالإسكندرية لأب صعيدى من قرية بنى مُر بمحافظة أسيوط، وتنقل فى مراحل تعلمه وإقامته بين مدارس وأحياء الإسكندرية والقاهرة من محرم بك إلى الخطاطبة والنحاسين ثم العطارين وحلوان وراس التين والظاهر حيث تظاهر وجُرح وسُجن وفُصل.

فى مدرسة النهضة بالظاهر نشر مقال «ڤولتير: رجل الحرية» وقام بدور قيصر فى حفل المدرسة السنوية فى عرض مسرحية يوليوس قيصر لـ ويليام شيكسبير على خشبة مسرح برنتانيا فى 19 يناير 1935. نال البكالوريا فى القسم الأدبى وتقدم للالتحاق بالكلية الحربية ولما نجح فى الكشف الطبى ثم سقط فى كشف الهيئة لأنه من أسرة فقيرة التحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة ثم أعاد التقدم فى العام التالى للكلية الحربية ليحقق حلمه. خدم فى منقباد فى المنطقة الجنوبية العسكرية للقوات المسلحة، وفى الخرطوم، وفى العلمين، واشترك فى حرب فلسطين وكان ضمن القوات التى حوصرت فى الفالوجة.

كل مكان وطأته قدماه ترك علامة فى قلبه، وزاد سعيه للمعرفة، يكفى ما خلفه فى سجل استعارة الكتب من قائمة بالكتب والمراجع التى قرأها، اختيارات تستحق أن تدرس بتعمق من سير العظماء وتاريخ الشعوب والسياسة والأعمال الأدبية والمراجع الدينية، فى مكتبة مسجد الشعرانى، ودار الكتب بباب الخلق، ومدرسة النهضة، والكلية الحربية. هكذا صنع عبدالناصر من نفسه مشروع ممثل كلاسيكى وكاتب وثائر بدرجة مثقف. أهدى كتابه «فلسفة الثورة» إلى طه حسين وتوفيق الحكيم، وشرع فى تأليف رواية «فى سبيل الحرية» عام 1934 تمجيداً لـ معركة رشيد ومقاومة المدينة لحملة فريزر عام 1807/1808وكان اختياره للبطل اسم ‘محسن’ تقديراً لبطل رواية «عودة الروح» لـ توفيق الحكيم.

فى حوار دِزموند ستيوارت مع ناصر الذى نشر فى كتاب «مصر الشابة» Young Egypt عام 1958 أخبر عبدالناصر ستيوارت أنه فى كل أيام المرحلة الثانوية كان متأثراً هو وزملاؤه بما يُكتب فى الصحف عن الوطن العربى «الثورة العربية فى فلسطين ووحشية الفرنسيين فى سوريا.» عندما سأل ستيوارت زعيم مصر الشاب عن أى من زعماء الثورة الفرنسية أعجب به دانتون أم روبسبيير؟ أجاب عبدالناصر «حقيقة، لا هذا ولا ذاك. لقد أعجبنى ڤولتير. لأنه كان رجلاً هادئاً ولَم يكن قاسياً. كان القادة الآخرون دمويين.»

عندما كان يحيى حقى مديراً لمصلحة الفنون كُلف حقى بتنسيق عرض فنى احتفاء بزيارة تيتو لمصر!! يحكى حقى فى كتابه «يا ليل يا عين» أن صديقه الأستاذ على رشيد الأمين الأول بالقصر الجمهورى اقترح عليه أن يختار أرقى ما يجد من نمر الرقص الأوروبى فى كباريهات شارع الهرم!! لكن حقى بعد تفكير واعٍ اختار ما ترجمته الدولة بعد ذلك فى عهد عبدالناصر إلى اهتمام فعلى بالفن الشعبى. كان من بين ما اختاره حقى تخت نادى الموسيقى الشرقية ليعزف مختارات من تراثنا بقيادة جورج ميشيل. من جملة واحدة فهم حقى طبيعة تكوين عبد الناصر الثقافية وفكره كان «الرئيس تيتو يتابع الحفلة بسرور، أما الرئيس جمال عبدالناصر فقد أبدى ملاحظة واحدة.. قال: جورج ميشيل لم يكن له لزوم، فدل ذلك على صدق فهمه للفرق بين الأوركسترا والتخت.» ويضيف حقي: «ومنذ تلك الليلة بدأ احتضان الدولة للفنون الشعبية».

لا يوجد حتى يومنا هذا كتاب شامل بين يدينا يوثق كل الحكايات ويجمعها من مصادرها المختلفة، صغُرت أم كبُرت، ويفيدنا بروابطها من مادة سمعية أو بصرية، شذرات تكتمل بها صورة ثقافة الزعيم وارتباطها بحسه الإنسانى منها: استضافته للفنان الشعبى الريس حفنى ليشكره ويحدثه عن أثر موسيقى مواله الصعيدية عليه عندما كان فى حصار الفالوجة وكيف كانت تدمع عيناه كلما يسمع»أنا وحشانى بلدى والله الغربة طالت على يا ولدى»، ومكالمة من رئاسة الجمهورية للفنان الصاعد نور الشريف، واستنجاد نزار قبانى بالرئيس، وموافقة عبدالناصر على عرض أفلام اعترض عليها الرقيب، ونصيحة عبدالناصر ليوسف إدريس بعدم الكتابة لمجلة عربية تمولها جهة مشبوهة، وأبيات بيرم التونسى التى كان يحفظها عبدالناصر وتعكس فلسفته، وسر إعجابه بفيلم ‘ڤيڤا زاپاتا’ لـ إيليا كازان، وإعجابه بـعملاقيَ الكوميديا الإنجليزى بيتر سيللرز والفرنسى لوى دو فون، وما قيل عن مشاهدته للأفلام فى سينما مترو بالإسكندرية يومى حادث المنشية فى 26 أكتوبر 1954 وإعلان تأميم قناة السويس فى 27 يوليو 1956. حكايات متنوعة توضح للأجيال تكوين عبدالناصر الثقافى. كل حكاية لها دلالة ومغزى وتبين كيف استفاد عبدالناصر من الأجواء الثقافية فى مصر وأعد مشروعه التنموى الحضارى منذ مرحلة مبكرة معتمداً على قراءاته المحلية والعالمية، متأثراً برموز فكر وثقافة دون التقيد بحدود جغرافية أو تاريخية، فيتأثر فى آن واحد بفكر أبى ذر الغفارى الصحابى الاشتراكى وفكر ڤولتير الفيلسوف التنويرى.

بحكم قرب السيد سامى شرف من الزعيم فله النصيب الأكبر من تلك الحكايات ذات المغزى، فيحكى أنه أثناء مكالمة تليفونية عبر الخط الساخن فى شهر أغسطس عام 1969 بين الرئيس وسامى شرف ارتبك شرف فى موافاة الرئيس بالمعلومات عن رصيد القمح عندئذ ورصيد حديد التسليح، لم يخف على عبدالناصر أن السبب هو الاجهاد فى العمل فقاطع شرفاً وأصدر له أوامر غير قابلة للنقاش:

«اسمع يا أستاذ انت تحط السماعة حالاً دلوقت وتاخذ عربيتك وتاخذ مراتك وتطلع على إسكندرية تقعد يومين تستريح وتغير.. والنهاردة حاتروح سينما ريو من تسعة لاتناشر حاتشوف فيلم اسمه البارتى The Partyبيمثله بيتر سيلرز، وحاطلبك فى بيتك فى إسكندرية الساعة واحدة صباحا لتحكى الفيلم.. سامعنى كويس ولا لأ؟!»

حاولت أن أناقشه فى هذا الأمر ولكنه قال لي: « حط السماعة ونفذ ما قلته لك.»

نفذت الأمر.. وطلبنى فى الواحدة صباحاً تماماً وحكيت له الفيلم..

لن نتحدث عن هوايات عبدالناصر التى بدت لنا من صوره والأفلام القصيرة عنه على شبكة المعلومات وهو يلعب الشطرنج، أو كرة القدم مع أبنائه، أو التنس، أو يحمل كاميرا تصوير فوتوجرافية أو سينمائية. كما أننا نعرف من ذكريات أبنائه عنه ومعاونيه عن عاداته اليومية لمعرفة الأحداث العالمية بنفسه وبشكل مباشر عبر البى بى سى وصوت أمريكا والشرق الأدنى هذا إلى جانب الإذاعات المحلية، وقراءة النيوزويك والتايم والنيويورك تايمز والواشنطن بوست من أمريكا، والتايمز والجارديان والإيكونوميست البريطانية، أو بقراءة ما يُعد له من تقارير استماع وملخصات سياسية واقتصادية وعسكرية بشكل يومى. ولمن زار بيته فى منشية البكرى فلابد أنه قد دخل حجرة المكتب وشاهد ما بها من أسطوانات وأجهزة راديو وكتب باللغة العربية وبالإنجليزية، والأريكة الشهيرة التى كان يتوسطها ليشاهد فيلماً سينمائياً بعد عناء عمل يوم طويل.

كانت فسحة الزوجين جمال وتحية الأسبوعية وفقا لمذكراتها إلى سينما مترو أو ريفولى لمتابعة «موسم الأفلام الجديدة» ( تحية جمال عبد الناصر «ذكريات معه»)، وبرغم مشاغل دراسته بكلية الأركان فقد تكررت جملة «نخرج سويا ونذهب إلى السينما» فى المذكرات عدة مرات. لكى نعرف من كان يحكمنا فى تلك الفترة الذهبية، نقرأ ما بين سطور مذكرات السيدة تحية: «كنا نخرج سوياً ونذهب إلى السينما، وكنا أياماً نخرج قبل ميعاد السينما ويركن العربة الأوستن السوداء فى شارع جانبى ونتمشى سوياً فى شارع فؤاد-26 يوليو حالياً- وشارع قصر النيل حتى موعد ابتداء الفيلم.»

تتكرر التفاصيل التى تبدو ظاهرياً عادية وبريئة، فى أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات ضابط شاب يأخذ زوجته إلى السينما لتحكى لنا بعد سنوات: «فى يوم تقابلنا فى السينما مع ثروت عكاشة وحرمه، فأوصلناهما لمنزلهما فى قشلاق الضباط بالعباسية ونحن فى طريقنا لبيتنا. وبعد ذلك كنا نمر عليهما قبل ذهابنا للسينما ثم نوصلهما فى رجوعنا عدداً من المرات.» يتردد السؤال: ترى ماذا كانت تلك الأفلام؟ وكيف كان نقاش ضابطين شابين مثقفين فى مصر –عبدالناصر وعكاشة- حول تلك الأفلام خاصة وأن أحدهما بعد سنوات أصبح زعيم الأمة العربية والثانى أبرز وزير ثقافة فى تاريخ الوطن العربى؟

تميزت تلك الفترة –خاصة قبل النكسة- بالثراء الثقافى بسبب سياسة عبدالناصر الثقافية التى أسفرت عن إنشاء إذاعة أم كلثوم، ومعهد الباليه والكونسرفاتوار، وإذاعة صوت العرب، وإذاعة البرنامج الثانى (على غرار البرنامج الثالث فى هيئة الإذاعة البريطانبة الذى كان له فضل نشر الثقافة فى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية)، وإذاعة الشرق الأوسط،، وبدء الإرسال التليفزيونى فى مصر، ووكالة أنباء الشرق الأوسط، ومبنى أكاديمية الفنون، وندوة الفيلم المختار فى قصر عابدين التى أشرف عليها يحيى حقى وكان يناقش الشباب من روادها فى أفلامها على اختلاف جنسياتها، ومؤسسة دعم السينما، ووزارة الثقافة، واقتراح انتاج فيلم عن استبسال شعب بورسعيد استجاب له الفنان فريد شوقى، واقتراح انتاج سلسلة أفلام تستثمر شعبية الفنان إسماعيل ياسين لتشجيع الشباب على التطوع فى الجيش، وغيرها من المبادرات والقرارات والحكايات التى إذا اجتمعت فى سفر واحد أو ضُمت إلى صفحة عبدالناصر على موقع مكتبة الإسكندرية ستنقل لنا ملامح فترة مفصلية فى عمر الوطن تستحق أن توثق ونستحق نحن أن ندرسها.

فلسفة الفن السينمائى

السينما فى جوهرها حلم، شأنها شأن الحكايات الخيالية، سميت بالشاشة الفضية بشكل حرفى بسبب المادة المعدنية التى كانت تطلى على الشاشة لتنعكس عليها الصور المتحركة بشكل أكثر وضوحاً، وعندما توقفت الحاجة لهذه المادة انتقل المسمى إلى المستوى المجازى. ثم تدريجياً ظهرت أهمية السرد السينمائى وخطورته ذلك أن وسائطها متنوعة وتأثيرها لا يضاهى معتمداً على عنصر الخيال والتخييل. من هنا ظهرت فلسفة الفيلم التى تعتمد على التكاتف المبهر بين المبنى والمعنى، الشكل الفنى والمضمون، بنية الفيلم الزمنية والمكانية، وارتباط وضع المتفرج بوضع الكاميرا وحركتها، ومؤخراً أصبح لحجم الشاشة دور كما تنبأ الفيلسوف الفرنسى ما بعد الحداثى جان-فرانسوا ليوتار، عندما انتقلنا إلى السرديات الصغيرة وشاشة لكل مواطن.

إنك تستطيع أن تغير العالم

فى ملحق كتاب السيد سامى شرف عن عمله مع الزعيم جمال عبدالناصر ورقة/مستند يحمل فلسفة السينما عند عبدالناصر.. طبيعتها ووظيفتها واستشرافه لتنامى دورها القيادى فى حياة الشعوب. تتصدر الورقة ترويسة مكونة من كلمة «الرئيس» على اليمين والنسر على رأسه كلمة جمهورية وتحت جناحيه مصر. ويتوسط الورقة بخط جمال عبدالناصر اسم ثروت عكاشة وتحته خط مستقيم. يتقدم عبدالناصر فى المذكرة بحزمة اقتراحات إلى وزير ثقافته:»ما رأيك فى عمل فيلم عن الإنسان والتعاون مقتبس عن قصة فيلم (كتبه بين قوسين بالإنجليزية ثم ترجمه إلى العربية) It’s a Wonderful Life إنها لحياة سعيدة- فيلم جيمس استيوارت وفرانك كابرا بالألوان- ويوجد عندى نسخة من الفيلم.»

نتجاوز السؤال عن معرفة جمال عبدالناصر بعنوان الفيلم الذى لم يكن فيلماً ناجحاً وقتئذ، وكذلك معرفته اسم بطله جيمس ستيوارت الذى كان من أكبر نجوم هوليود، لكن ما هو غير متوقع معرفته اسم المخرج وكذلك حرصه على اقتناء نسخة من الفيلم، بل واهتمامه بفكر المخرج وقت أن كان ولا يزال عادة الاهتمام بنجم الفيلم الذى ينسب العمل اليه!! ثم نتوقف عند اقتراحه اقتباس الفيلم وانتاجه إعجاباً بمضمونه الإنسانى.. هل هذا دور موظف على رأس الجهاز الحكومى ونظام الحكم بدرجة رئيس الجمهورية؟ أم إحساس المثقف العضوى بالمسئولية وبدوره فى الإصلاح قدر ما استطاع والمشاركة فى مسيرة التنوير؟

عودة إلى بقية مضمون مذكرة الرئيس لثروت عكاشة نجده يطلب منه انتاج الدولة لأفلام موجهة عن الإقطاع، عن الاستقلال، عن القومية العربية. ثم ينتقل عبدالناصر بعدئذ إلى صناعة السينما التى كان يصفها بأنها «صناعة ثقيلة» فيطلب من وزير الثقافة: «أن يقوم بإنشاء شركة للتوزيع يمكن أن توزع بالإضافة إلى الأفلام العربية الأفلام الإيطالية أو الألمانية الناطقة بالإنجليزية- أو الهندية- وكذلك توزيع الأفلام العربية بالخارج خصوصا الدول الاسلامية والأفريقية والآسيوية.» هكذا يعبر عبدالناصر عن منظومة ثقافية متكاملة تقف فيها السينما جنباً إلى جنب مع السياسة وقضايا الصراع الكبرى التى تستطيع السينما بمضمونها الإنسانى ولغتها الفنية أن تحسمها، «فلقد كانت الثورة تعرف أن الصراع السياسى والبناء الاقتصادى لابد لهما من روح قوية، وهذه الروح لا يمكن بناؤها إلا بالفن.»

لذا يتضح أن عبدالناصر يرى أن السينما ليست أداة ترفيه فحسب بل صناعة وفلسفة ولغة.

تتجسد علاقة عبدالناصر المثالية بالسينما فى إعجابه بفيلم فرانك كابرا «إنها حياة رائعة» الذى عرض فى مصر بعد ثلاث سنوات من إنتاجه وبعد عام واحد من عودة عبدالناصر من فلسطين يحلم بالتغيير. وجد عبدالناصر فى هذا الفيلم ضالته، وتمثل هذا الإعجاب فى كتابة عبدالناصر عن الفيلم فى مقال بعنوان «قصة أثرت على حياتى» نشر بمجلة آخر ساعة فى 4 مارس 1953، شاهد عبدالناصر الفيلم فى حفلين متتاليين ثم مع عبدالحكيم عامر، وكذلك محمد حسنين هيكل، وكان ببراءة يتمنى أن تشاهد مصر هذا الفيلم حتى يؤثر فيها إيجابياً مثلما أثر فيه بمضمونه وبلورته لشعاره فى الحياة: «إنك تستطيع أن تغير العالم»، وكونه من «أقوى المؤثرات المعنوية فى (حياتــه)»، كما أصبح عنوان الفيلم لازمة يكررها فى مواقف عديدة.

يمزج الفيلم بين عالم الفيلم نوار وأفلام عيدالميلاد، أما على مستوى الحبكة الظاهرى يرث بطل الفيلم عن والده مكتب تقديم قروض ميسرة للبناء والمشروعات الصغيرة لأهداف خيرة، ويبين الفيلم كيف تحكمت الرأسمالية المحلية فى حياة البطل بعد شائعة عن إفلاس البنك الذى يديره وتسببت فى اندفاع جماعى من المودعين لسحب أرصدتهم. يقاوم الشاب نزعة الخير داخله ويندم على حسناته وتضحياته. يتمنى البطل الانتحار فيريه ملاكه الحارس كيف ستكون حياة بلدته وأسرته وأصدقائه بدونه، ويظهر السؤال: ماذا لو لم يولد چورچ بيلي؟ يتأمل چورچ تضحياته فيخرج من حالة اليأس حيث يكتشف أنه جزء من كل، أنه فرد متميز وعضو فى جماعة تحبه، فيعدل عن قراره، ويقنع مجلس الادارة بفكره ويرد المودعون ودائعهم فى النهاية وينقذ البنك من الافلاس وتعود الحياة الرائعة إلى دورتها مرة أخرى، والإعلاء من قيمة حياة الفرد وأن كل حياة مهما كانت بسيطة فهى رائعة وتستحق أن نحياها.

يبتعد بنا محمد حسنين هيكل إلى مساحة نجهلها ولكنها متوقعة فى شخصية عبدالناصر البطل المثقف عندما يحكى للأديب يوسف القعيد أن عبدالناصر «كان دائم الكلام عن فرانك كابرا.» كذلك فإن عبد الناصر «غضب وزعل فترة من الوقت بسبب بطله فرانك كابرا، عندما حوكم أمام لجان المكارثية.» ويزيد على هذا بعض التفاصيل أن كابرا (1897- 1991) عندما حاصرته المكارثية وأبعدته عن العمل عام 1951: «أرسل له جمال عبدالناصر سنة 1952، حيث طلب من الدكتور أحمد حسين سفير مصر فى أمريكا أن يحاول البحث عنه، ويدعوه إلى مصر.» ولمن لا يعرف المكارثية من الأجيال الجديدة فهى تنسب إلى السناتور جوزيف مكارثى عندما تزعم حملة توجيه الاتهامات بالشيوعية للفنانين دون تقديم أدلة استمرت من 1947 إلى 1956، وماتزال حملات مكارثية مشابهة تمارس فى عالمنا المعاصر ولكن بتوجيه اتهامات مختلفة.

العولمة السينمائية

وجد عبدالناصر فى السينما ضالته واستوعب دورها بفطرته دون قراءة نظريات الفيلم السينمائى، كشف حبه للسينما جوانب خافية لم نكن نعرفها استغلها اعداؤه للهجوم عليه، بل أثبت من خلال مذكرته لثروت عكاشة إيمانه بعولمة ثقافية تمثلت فى مشروع عبدالناصر فى إنتاج سينما جيدة هادفة لا تصنف وفق العالم الأول أو الثالث وأننا بجودتها وتأثيرها.. لغة عالمية تتجاوز حدود العرق والجنس واللغة والتاريخ والجغرافيا لا يوجد فيها مركز وهامش، فالكل مركز ولا فضل لثقافة على أخرى إلا فى الجودة الفنية وفى قدرتها على الإمتاع والتطهير وبث مشاعر الشفقة والخوف لدى المتلقى، على مذهب أرسطو، وما يقابلها من القيمة الإسلامية الإنسانية الرائعة فى « ما ينفع الناس».

كيف اندمجت فلسفة عبدالناصر فى الفكر الثورى السينمائي؟ وكيف توصل فى بداية مشروعه الثورى إلى عقيدة رأس المال الثقافى لتكون جوهر مشروع التنمية فى مصر، وسلاحها الوحيد دائما فى معركة البقاء؟ كان عبدالناصر أركان حرب يخطط تخطيطاً استراتيحياً للمعركة الثقافية، ولم يكن-على عكس قراراته السياسية- منفرداً فى المعركة الثقافية بالمبادرة والتخطيط فقد كانت المعركة مؤسسية قومية.

كان عبدالناصر حالماً ينتمى إلى جيل من الزعماء الحالمين فى القرن العشرين مثل جيفارا ومارتن لوثر كنج وغيرهما. وكان الأقرب من زعماء العالم لجوهر الثقافة والمعرفة باستثناء ڤاتسلاڤ هاڤل الأديب والرئيس الأول لجمهورية التشيك الذى كان الأدب موهبته وحرفته! يتبقى أن الفن والثقافة هما المدخل لفهم جوهر شخصية عبدالناصر ولحسم الجدل حولها، ليس بإعتباره شخصاً عادياً person، وإنما بإعتباره شخصية فى عمل روائى persona تحكم دراسته قواعد الأدب ومنطق الدراما (التراجيديا) فى مواقف عدة إنسانية أو ثقافية أو سياسية وتبعات قراراته بما لها وما عليها وتحديه الساخر لقوى الاستعمار والرجعية ومزاحه فى خطبه و‘مشاهده’ الرئيسة مثل تأميم القناة، وخطاب المنشية، وخطاب التنحى.

كانت مصر نصه ومسرحه لكنه غُيِّبَ عن خشبة المسرح قبل أن تكتمل الفصول وعلينا أن نكملها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق