الجمعة 22 من شوال 1439 هــ 6 يوليو 2018 السنة 142 العدد 48059

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فساد النخبة الأمريكية فى «إمبراطوريات سرية»
الكتاب الذى أطاح بـ«كلينتون» لمصلحة ترامب

ميادة العفيفى

«بحث عميق يحوى العديد من المفاجآت المذهلة», هذا هو ما يمكن ان نصف به ما يتضمنه كتاب بيتر شوايزر الجديد «امبراطوريات سرية: كيف تخفى النخبة السياسية الامريكية الفساد» وهو الكتاب الذى يصفه المراقبون بالقابل للانفجار, وكعادة المؤلف يكشف من جديد النقاب عن المزيد من الحقائق السرية من داخل عالم الفساد الأشبه بعالم المافيا كما يصفه , والمتورط فيه بعض أبرز السياسيين الامريكيين واكثرهم تأثيرا فى السياسة الامريكية لعقود, ويسرد فى كتابه الجديد كيف استشرى فساد هؤلاء النخبة الامريكية لتؤسس عائلاتهم امبراطوريات مالية سرية تحقق مكاسب لا يمكن تخيلها استنادا فقط على موقع هؤلاء السياسيين داخل الإدارات الامريكية المتعاقبة, الكتاب الذى صدر منذ أسابيع قليلة يهدد فعليا بإشعال غضب الكثيرين من الامريكيين, الذين كما يؤكد المؤلف دائما, سوف يعرفون المزيد عن الصفقات التى تدار باستغلال اموال ضرائبهم.

...........................

أننا لا نتحدث عن كاتب يرمى الاتهامات جزافا, بل فى الواقع انه احد ابرز الصحفيين الاستقصائيين الامريكيين, الذى يحظى بسمعة رائعة بعد عمله لعدة عقود على تقديم تحقيقات عادلة ونزيهة, والذى حظيت كتبه الاربعة الاخيرة تباعا باعلى الكتب مبيعا وفقا لصحيفة نيويورك تايمز, الذى وصفته بالمزعج الدائم لواشطن, إنه بيتر شوايزر, رئيس معهد المحاسبة الحكومية, ويتميز بكونه لا ينتمى الى حزب امريكى معين, لذا فإنه يعمد الى كشف الفساد فى كلا الحزبين الأمريكيين الديمقراطى والجمهورى على حد سواء, دون ولاءات مسبقة سوى لضميره المهنى والاخلاقى، كما يشاع عنه داخل أروقة الصحافة الامريكية, وهو الى جانب كونه صحفيا، فهو ايضا روائى ومستشار سياسي, ومن كبار المحررين بموقع «برايتبارت» الاخبارى الشهير, كما انه كان زميل ابحاث سابق بمعهد هوفر بجامعة ستانفورد الامريكية.

كان كتاب بيتر شوايزر السابق والأعلى مبيعا «اموال كلينتون» عام 2015 قد تسبب فى اجراء تحقيق فيدرالى موسع داخل مؤسسة كلينتون, بعد ان قدم الكتاب ادلة لا تقبل الدحض حول تورط وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلارى كلينتون فى قضية رشوة تقدر ب145 مليون دولار قدمت لمؤسسة عائلة كلينتون مقابل إبرام صفقة نقل مادة اليورانيوم الامريكى الى روسيا, وقد القى الكتاب الكثير من الضوء على مصادر تمويل عائلة كلينتون حتى اليوم، من خلال العديد من التبرعات المشبوهة التى تقدم لمؤسسة العائلة من خلال كيانات اجنبية مشكوك فى نزاهتها, وقد تسبب كتابه, من بين اسباب اخرى بالطبع- الى تغيير نتائج الانتخابات الرئاسية الامريكية الاخيرة, وانقص الكثير من سمعة المرشحة الرئاسية وقتها هيلارى كلينتون.

نماذج للفساد الامريكي:

فى فصل من الكتاب بعنوان «قطب العقارات يذهب الى واشنطن» يقدم المؤلف نموذجا عن بينى بريتزكر وزيرة التجارة الامريكية فى ادارة اوباما, حيث يقدم الكتاب دلائل على تحقيقها مصالح مالية لأفراد عائلتها طوال فترة وجود اوباما, مستغلة منصبها السياسى الذى قدمه لها الرئيس السابق والذى استمرت به حتى يناير من عام 2017 ومن قبلها استغلت كونها صديقة مقربة لعائلة اوباما منذ ان كانوا فى شيكاغو وقد دعمته بكل الطرق فى اثناء حملته الرئاسية للفترتين, لقد مارست بينى الكثير من تضارب المصالح الصارخ, عندما استغلت شركتها العقارية الشهيرة, بى اس بى كابتال فى تأجير عقارات مكتبية لصالح الحكومة الفيدرالية بما فى ذلك لصالح وزارة التجارة نفسها التى كانت وزيرة لها, فى حين انها كانت تردد فى اثناء تقدمها لمهام منصبها ان خلفيتها الثرية المعروفة تجعلها مؤهلة لتولى المنصب دون اى شكوك فى رغبتها فى تحقيق اى مصالح مالية لشركاتها الكبري, وكانت قد تعهدت امام مجلس الشيوخ انها لن تشارك مطلقا فى اى انشطة تجارية طوال فترة بقائها فى منصبها الحكومى.. وجدير بالذكر ان بينى تعد واحدة من اثرى سيدات الاعمال الامريكيات, لذا فإن شوايزر يؤكد فى كتابه ان فساد مثل هذه النخبة ليس مرتبطا تماما بالحصول على المزيد من الاموال بل هو مرتبط من وجهة نظره بخرق هؤلاء للقانون فقط لانهم يعتقدون ان بإمكانهم القيام بذلك, وانه يمكنهم الافلات من المحاسبة, وان القواعد يجب ألا تطبق عليهم, اما ظاهرة الفساد السياسى فهى وفقا للمؤلف تعد ظاهرة جديدة نسبيا على المجتمع الامريكي, لكنها كما يقول تبدو انها اصبحت تسير وفق استراتيجيتين محددتين وهما «الفساد بالوكالة» , و»اسحق ثم انتزع», مع تعمد تجاهل قواعد الافصاح عن الاوضاع المادية للسياسيين, حتى لا يتم اجراء اى تدقيق من وسائل الاعلام, وهو ما يعد انتهاكا للقانون الامريكى.اما عن اوباما نفسه الرئيس الامريكى السابق والذى كان يقال ان السنوات الثمانى التى قضاها فى البيت الابيض كانت خالية من الفضائح المالية, فان شوايزر يسرد هنا احد اتهامات الفساد التى يوثقها, عندما يتحدث عن رجل يدعى مارتى نسبيت وهو صديق عائلة اوباما منذ فترة شيكاغو, وعندما اعيد انتخاب اوباما للفترة الثانية عام 2012. انشئ صندوق استثمارى باسم فيستريا, وكان الغرض منه ان يكون صندوق الاستثمار الابرز فى ادارة الصناعات الفائقة التنظيم, وهو فى هذه الحالة من يتبع بشكل مباشر الرئيس الامريكى نفسه, وما حدث مع فيستريا حدث مع كيانات اقتصادية اخري, يملكها اصدقاء لاوباما وفق سياسة ما يسميه شوايزر «اسحق ثم انتزع» حيث كان اوباما يعمد الى تحطيم كيان مؤسسة ما لسبب او لآخر ويقول إنه وجد انها لا تخدم الشعب الامريكي, وحسب منصبه فإنه يقوم بسحقها ويقلل من قيمتها مقابل الدولار, ثم ينقض عليها وينتزعها احد اصدقائه ويشتريها بمبلغ بخس, وفى حالة مارتى نسبيت وفيستريا هنا، فقد كان المثال هو جامعة فينيكس, وهى جامعة ربحية قالت ادارة اوباما إنها غير معجبة بأدائها التنظيمي, لذا فقد سمحت للبنتاجون باستخدام اموال فاتورة الجنود الامريكيين للسماح لهم بالالتحاق بهذه الجامعة, وقتها سحق سعر سهم الجامعة من نحو 100 دولار الى حوالى ثلاثة دولارات للسهم, فكانت اللحظة المناسبة التى انقض فيها نسبيت لشراء اسهم الجامعة مقابل مبلغ ضئيل من المال, بعدها قررت ادارة اوباما مرة اخرى ان الجامعة تسير بشكل جيد وبالتالى ارتفعت قيمتها السهمية مرة اخرى. ويكتب شوايزر انه يشعر بالكثير من الاحباط عندما يرى وسائل الاعلام الامريكية تتبارى الآن فى إظهار حجم الصفقات المشبوهة التى يقوم بها ابناء الرئيس الحالى ترامب - والتى لا ينكرها, ولكنه يتساءل: لماذا لم ينبر الاعلام الامريكى من قبل ليظهر حجم الصفقات سيئة السمعة التى كانت فى ادارة الرئيس السابق اوباما, ولماذا تعمد الاعلام التجاهل او فى افضل الاحوال التساهل, يكتب :»للأسف ترامب وابناؤه لم يخترعوا الفساد المستشرى الآن فى الحكومة الامريكية...إن تفاصيل الانتهاكات الاخلاقية تملأ جوانب الممر السياسى الامريكى...» وقد خصص الكتاب اجزاء كثيرة منه للحديث عن الصفقات الامريكية الصينية المشبوهة, والتى يقول إنها تمس ايضا ابنة الرئيس الحالى ترامب وزوجها, ويؤكد بيتر شوايزر ان المسئولين فى مجال مكافحة التجسس قد حذروا مرارا من جهود الصين الرامية الى اقامة علاقات مع افراد من هم فى السلطة فى الولايات المتحدة من خلال التعاملات التجارية. ولدينا مثال اخرى يقدمه الكتاب وهو عن شركة الاسهم المالية الخاصة التى يملكها ابناء ابرز الشخصيات الديمقراطية، واللذان يعدان من اركان مؤسسة واشنطن منذ اكثر من 30 عاما, جو بايدن نائب الرئيس الامريكى السابق وجون كيرى وزير الخارجية السابق ايضا, يتمتع بايدن بشعبية كبيرة داخل أروقة العاصمة السياسية للولايات المتحدة, فهو شخص ودود جدا ولديه روح دعابة عالية ويتميز بقدرته على تكوين علاقات طيبة ووثيقة بكل من السياسيين الديمقراطيين والجمهوريين, وكثيرا ما كان يذكر الشعب الامريكى بانه لا يملك ثروة كبيرة عليه الحديث عنها او إظهارها, حتى عندما وصل لمنصب نائب الرئيس, من الناحية الأخري, يعد كيرى واحدا من اقرب حلفائه السياسيين, وإن كان اكثر ارستقراطية منه, لكن تمكن الرجلان من إيجاد صداقة متينة خلال فترة خدمتهما لعقود فى مجلس الشيوخ الامريكي, ويبدو ان هذه الصداقة قد تحولت الى الابناء الذين عقدوا علاقات عمل وثيقة بدءا من عام 2009 بينما كان الكهلان يقودان سفينة الدولة, كان كل من هنتر بايدن الابن الاصغر لنائب الرئيس الامريكى وقتها, وكريستوفر هاينز, وريث شركة الكاتشب والصلصة الشهيرة وابن زوجة كيري, رئيس لجنة العلاقات الخارجية وقتها فى مجلس الشيوخ ووزير الخارجية فيما بعد, قد أسسا شركة اسهم دولية خاصة هى «روزمونت كابيتال», والتى ضمت العديد من المسئولين الحكوميين وحققت صفقات حساسة وعالية الربحية فى الخارج مع حكومات اجنبية هى نفسها التى كان يتفاوض معها بايدن وكيري, فلم تكن مصادفة ان تستطيع شركة روزمونت من عقد تلك الصفقات الحصرية مع نفس الحكومات دون ان يتم الابلاغ عنها, بعد بعثات دبلوماسية رسمية للآباء البارزين فى السياسة الامريكية, تم خلالها التوقيع على اجراءات سياسية بين البلدين تحقق مصالح البلد الاجنبى، وفى المقابل يوقع الابناء عقود صفقات تجارية مع نفس الكيانات الخارجية, وقد حدث هذا تحديدا مع شركات مدعومة من الحكومة الصينية, ثم حدث ذلك مرة اخرى فى توقيت غريب آخر, حيث وقع عقد شراكة جديد قبل ساعات من لقاء والد هنتر بايدن, وقتها نائب الرئيس الامريكى فى مايو 2011 مع الرئيس الصينى فى واشنطن كجزء من فعاليات قمة الامن النووي, بين عمالقة عالم المال الصينيين والشركة التى يملكها الابن, وبعد اسبوعين تم تدشين ما يعرف بالحوار الاستراتيجى بين الولايات المتحدة والصين فى واشنطن وتحت رعاية بايدن. ثم فى ديسمبر من عام 2013 كان هنتر على متن الطائرة الرسمية التى تقل والده فى رحلة رسمية موسعة الى اسيا لحل العديد من التوترات المتصاعدة فى المنطقة فى اطار ما اسمته ادارة اوباما «استراتيجية محور اسيا» وقد تزامن مع الرحلة كما يؤكد المؤلف عقد صفقة جديدة وضخمة بين هنتر بايدن باسم شركته وبنك الصين المملوك للدولة, وبين ابنة بايدن الأخرى فينيجان التى عقدت فى نفس الرحلة الرسمية صفقات حصرية اخرى مع مسئولين صينيين, وقد كان ابرز نتاج لتلك الرحلة انشاء صندوق استثمارى بين بنك الصين وشركة روزمونت بقيمة مليار دولار, وهو يقدم فرصا استثمارية مدعومة من الحكومة الصينية, اى انه حرفيا كما يؤكد الكاتب, فقد مولت الحكومة الصينية عملا تجاريا يمتلكه اثنان من ابناء اقوى رجلين فى عالم صناعة القرار الامريكي, وكان من تبعات تلك الصفقات الخطيرة على الامن القومى الامريكى كما يؤكد شوايزر انه فى عام 2015 تعاونت الشركة الخاصة لأبناء الرجلين مع شركة السيارات التابعة لمعهد الطيران الصينى المملوك للدولة لشراء شركة امريكية مصنعة لقطع ذات استخدامات مزدوجة تعمل تحت سيطرة الجيش الأمريكى، وقد نتجت عن هذه الشراكة مجموعة واسعة من الطائرات المقاتلة والطائرات بدون طيار المصممة فى المقام الاول للتنافس مع الولايات المتحدة, والواقع المثير للسخرية ان هذه الشركة الصينية لها تاريخ طويل من سرقة التكنولوجيا الامريكية وتطبيقها على النظم العسكرية, وكانت صحيفة وول ستريت قد نشرت ان شركة الطيران تلك متهمة بسرقة تقنيات متعلقة بالمقاتلة الشبح الامريكية F-35 وادرجتها فى مقاتلة شبح خاصة بها, وقد كان هناك الكثير من التفاصيل

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق