الجمعة 15 من شوال 1439 هــ 29 يونيو 2018 السنة 142 العدد 48052

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الخـــــال

د:رضا البهات;

نراه مقبلاً من أول الشارع, عجوز ضخم علي رأسه طربوش, ينقل قدميه بعون عكاز. يرتدى نفس البدلة ذات الجاكته تصل إلي ركبتيه. يقترب فنرى عكازه الملىء بالنقوش, وحذاءه النظيف. والجريدة المطويه في جيب جاكت يتأرجح فوق بنطلون متسع ومكوى جيداً. موده لم تعد موجودة. أهو ضخم أم أن البدلة تظهره هكذا.

ما أن تراه قادماً حتي نحيطه, فينحنى ليقبل الأولاد واحداً واحداً, ويخطف أحدهم الوردة من عروة الجاكت ويجرى . وتهرع أمى فتقبل يده قائلة .. أهلاً يا خال, نخاطبه مثلها «يا خال» ولا نعرف أية قرابة تربطهما, ولا يسأل أحد عن ذلك . يجيء دائماً مع أول كل شهر , يسلم عليه الجميع ويقبلهم ويسأل عمن نقص. بمجرد أن جلس قالت أمى:

- الجاكت معفر, إقلعه أما أنفضه.. السفر مشوار.. جاى بالقطر برضه .

يقول..

- اتعطل مرتين, مرة في سوهاج ومرة في بنها, صليت الضهر ولا لقيت حد عارف القبلة ناحية إيه. هنام شوية, واعملى لى كوباية لمون, وولعى ألويحتين.

وقبل أن ينام, يستخرج الجريدة المطوية. ثم كتلة كبيرة ملزقة من الأرواح عليها كالدقيق. يناولنا واحداً واحداً حتي أمي فتقول.. منتحرمش من دخلتك علينا يا خال.. نقرقش روح النعناع وروح الفراولة. وما يبقى يلفه فى ذات الورقة سائلاً عمن غاب.

- فين البت لواحظ , وأسماء وجوزها.. لسه الواد فتحى مدرسته مسائية.. الباستيليا بتاعتهم أهه تقول أمي قبل أن تخرج.

- سيبو نور الأوضه والع. هجيب لك اللمون أهه.

نعابثه ونطفئ النور ونختبئ بجزء من وجوهنا فيصيح.. ولع النور يا عفريت منك له.. يصيح أحدنا.. النور قاطع.

فينهض مبتسماً ويضيؤه بنفسه ويعود إلى نومته نتكالب عليه وننزل فيه شداً وزغزغة وزغداً وهو يبتسم ولا يقاومنا, فقط يحذرنا من فك لفة معينة تحت الكنبة , فنتجه فوراً لتفحصها فإذا بها بوص مختلف الاطوال, عليه غصون من حرق النار. ثم نركب عليه صائحين شى شى فيضحك. نضربه اكثر فيهتز كحمار محاولاً توقيعنا. ثم ينهض فيمنحنا كل واحد قرش تعريفة ويسوى ملابسه . ويسلم علي أمى قائلاً.

- عندى مأمورية يوم 18 الشهر ده, هفوت وأنا راجع .

تظل تسأل عن يوم 18 هذا كم يتبقى عليه.. يعني ننام ونصحى.. كم مره.. وسريعاً ننسى الأمر كله .

- حاسبى علي تذكرة الرجوع في الجيب الصغير.. فين البت كريمة , عاوز أشوفها هي وجوزها. تقول أمى وهي تنفض الجاكت بالفرشاه.. ما دول عيالها بس دخلو المدرسة.

تسابقنا لفك حذائه فلم يبتسم. وانحنى فوق رؤسنا لتتأرجح الكرافت الرفيعة المنقطة التى نراه بها دائماً.

- نزلى طاولة الكنبة, هنام شوية بلبسى.. اعملى لى كباية لمون علي ما اصحى (وتمدد بجسده القليل) - هجيب لك جلابية أبو لواحظ أهه وأخرج العيال.

أشار الرجل بيده أن دعى كل شىء كما هو. وتبادل مع أمى كلاماً وهو مغمض العينين ذكر أن راحت عليه نومه فجاء في قطار عشرة وربع. وأنه تعطل به مرتين. وأن تذكرة الرجوع في الجيب الصغير. وأن الجميع باعتين السلام. وأن الواد نور راح الجيش. وجوز اخته أخد 15 يوم في 15 يوم وأنهم يزورونه في السجن, وأن سمارة خلفت له توأم .. وظل يتكلم حتي أغمض عينيه.

كنت أقول كالأولاد.. خالى عيسوى وأسمعهم يضخبون لمجيئه.. خالى جه, زمانه جايب كرمله معاه. أهو متزوج, ماذا كان عمله, وما قرابة أمى له: أليس لديه غير تلك البدلة والطربوش. هل الأسماء الذى يذكرها لأبنائه.. هو بيشتغل إيه دلوقت. بل حتى ما اسمه الحقيقى؟.. اسئلة كثيرة أنوى أن أسأل عنها وأنسى.

راحت الأم تجلب أطباق طعام يصاعد منه البخار . حتي امتلأت ترابيزة الصالة بالأطباق والأرغفة - ماحدش ياكل إلا ما خالكم يقوم.

بدا الرجل ممدداً علي طاولة الكنبة علي الأرض. نهض ولبس الجاكت تاركاً الطربوش ونادى على الصغار الذين أحاطوه. أخذ يقسم الدجاجة عليهم, ويصب لهم الشوربة فوق الأرز ويقطع الخبز. صاحت أمى من بعيد.. كل أنت بأه يا خال.

لكن الرجل مسح يديه بالفوطه , وعاد إلي نومته بكامل الملابس.. تجمع الصغار يعبثون بالخال النائم عميقاً. استخرجوا من جيب الجاكت لفة الباستيليا ووزعوها وعلا صوت قرقشتهم. أخرجوا مفتاحين مربوطين بدوبارة. وتقاسموا ساندوتش وجدوه ملفوفاً بعناية. جلس أحدهم عليه وجعل يفتش جيوبه الداخلية مستخرجاً تذكرة قطار. ثم ورقة مطوية بها كلام بخط اليد وآخر مطبوع. كان تصريح غياب من الموقع وقد طبع علي يمين الورقة كلمة محاجر طره . وبقلم جاف كتب لمدة 18 ساعة وتحتها مطبوع كلمات زيارة– مأمورية– مرضى, وشطب فوق الأولى والأخيرة. ثم أطفأ النور فلم يعبأ . مد ولد يده عميقاً في جيب البنطلون وأخرج منديلاً نظيفاً من القماش. وخطفت الجالسة علي بطنه وردة العروة. بينما كانت الجالسة على صدره تزعق وهي تجذب الكرافت.. شى.. شى وتزغده في جنبيه كالحمار والرجل مستسلم لأيديهم. صاحت أمى وهي تذهب بالأطباق فارغة:

- كده يا خال ما كلتش.. خالكو ولا كل حاجة.

كانت حافتا الجاكت مقلوبتين علي الأرض بحيث تظهر بطانته المهترئة وجيوبه الداخلية والأولاد يتنططون فوقه ويجلسون عليه ويقرقشون الباستيليا. جاء صوت الأم من المطبخ.. هحط لك الأكل لوحدك.. أنت بتحب المكرونة, ولا أجيب لك رز؟

لم يجبها الخال النائم مفتوح العينين.

ألبسه ولد الطربوش وظل يلبسه ويخلعه ويتنطط فوق الرجل الممدد الذراعين إلي جواره. ذقنه وشاربه حليقان وبنت تنزع عن قدميه الشراب. بينما يعبث الأولاد بالنائم. يصالب أحدهم يديه فوق صدره.

ويعيدهما آخر إلي جواره. يكمشون مناخيره أو يشدون الكرافت. والأم تصيح.

- أنا خلصت أهه.

علي دخلة لواحظ وكريمة ومعهما أحد الغرباء. قالت كريمة.. لسه علي وضوءه. وقال الرجل.

- خلو العيال بره.

تناولت كريمة عكاز الرجل المليئ بالنقوش كصولجان لتفحصه.

وهى تمسح دمعه عن كل عين قائلة:

- فيه شىء لله.. والله خالى عيسوى ده فيه شىء لله, خليه بهدومه يا ريس.

أعادت الوردة إلي عروة الجاكت وانحنت عليه لتزرره وتصالب ذراعيه فوق صدره, وتلبسه الطربوش.

بدا النائم ضخماً مثلما كان يقبل من أول الحارة, وبدت قدماه كبيرتين, فألبسته الشراب وحذاءه اللامع. تحسست جيوبه فبدت جميعاً فارغة, تاركة الجريدة المطوية علي حالها فوق الكرسى. ظل صوت الأم يجيئ من بعيد.

- أنا خلصت أهه.. هجيب لك الأكل حالاً.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    د.سعـد بساطة
    2018/06/29 05:53
    0-
    1+

    سهل ممتنع
    قصة ولا أروع,,!
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق