الثلاثاء 5 من شوال 1439 هــ 19 يونيو 2018 السنة 142 العدد 48042

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سمير صبرى: كنت أمتلك الوعى الكافى لمخاطبة الطبقة المتوسطة

حوار ــ محمود إبراهيم الشرقاوي

حين استقبلته فى جريدة الأهرام، تلمّست، فورا، روحه الطيبة التى مسّت قلوب المصريين، وتسللت برضاهم إلى بيوتهم، وحياتهم، حيث بات شريكا أساسيا فى أمسياتهم الثرية، بالترحاب والنقاش، حتى باتوا يتأهبون لاستقباله، هو وضيوفه عبر شاشة «التليفزيون العربي»، ويتنقلون معه من برنامج إلى آخر، فمرة يكون «النادى الدولي»، وأخرى «مشوار»، وثالثة «هذا المساء»، و«كان زمان»، و«ماسبيرو»، فى رحلة دأب وإنجاز لأول برامج «التوك شو» «اليدوي»، التى اعتمدت على المحتوى، وأهمية الضيوف، وحيوية القضايا، وطريقة الأداء، وعذوبة التعامل مع النجوم، واحترام ملايين المشاهدين من الأسر المصرية الذين يلتئمون حول شاشاتهم الصغيرة، أيام «الأبيض والأسود»، وتليفزيون «اللمبات» البطيء، وكانت الألوان المبهجة وقتها تكمن فى تفاصيل الحوار، لا ظاهره، واستطاع «سمير صبري» أن يشحنها بهجة ومتعة وفائدة، لعلمه بحاجة الطبقة المتوسطة للمعرفة والحقيقة. وبرع فى هذا تماما لأنه من محبى الحياة، ومضاد إنسانى للطاقة السلبية، فعكس ببساطة ثقافة جيله من الفنانين والمفكرين والإعلاميين. مؤكدا أنه تلميذ مباشر للجيل الأول من مذيعى ومؤسسى الإذاعة والتليفزيون، مثل آمال فهمي، وليلى رستم، وأمانى ناشد، وغيرهم ممن أسهموا بشكل فاعل فى تشكيل وجدان المصريين والعرب فى أهم، وأعصب الفترات، قبل نكسة 1967، وبعدها، وقاموا بدور مهم فى الحفاظ على تماسك المجتمع وقيمه. إضافة إلى ما قدمه من فن، فى التمثيل والغناء. 132 فيلما ومسلسلا تليفزيونيا وإذاعيا عبر مشوار طويل من الدأب والمسئولية.

نعرف الكثير عنك، فنيا وإعلاميا، لكن لا نعرف تفاصيل نشأتك الأولى فى الاسكندرية، وروافدك الثقافية التى أسهمت فى نجاح برامجك التليفزيونية؟.

عشت طفولتى فى مدينة الإسكندرية التى تميزت بالمجتمع المحافظ، والانفتاح على الحضارات الأخرى، المجتمع «الكوزموبوليتان»، الذى كان يزخر بجاليات أجنبية وثقافات وحضارات مختلفة، الأمر الذى هو حالة اندماج وتعايش سلمى بين أصحاب تلك الثقافات والجنسيات المتعددة. فكانت هناك مثلا سينما تعرض الأفلام الإيطالية فقط للجالية الإيطالية، وأخرى للأفلام اليونانية، وثالثة للأفلام الفرنسية، فنشأت محبا لهذا التنوع الثقافي. وتعرفت من خلال الأعمال السينمائية المختلفة والمتعددة على نجمات السينما العالمية مثل «صوفيا لورين»، و«فيتوريو دى سيكا» أفضل مخرج تراجيدى فى أوروبا. وكان ارتياد السينما فى ذلك الوقت فسحة، فتجد الأسرة السكندرية بكامل أفرادها يرتادون السينما لمشاهدة الأعمال الأفلام المختلفة، وشجعنى على هذا والداى، وخالاتي، وكلهم كانوا محبين للثقافة بكافة فروعها، ويتذوقون الفنون.

كيف كان المجتمع السكندرى منغلقا ومنفتحا فى آن كما قلت؟.

المجتمع السكندرى لم يكن منفتحا مثل القاهرة، كان قريب الشبه بمجتمعات المنصورة وطنطا، مع فارق توافر فرصة انفتاحه على الحضارات الوافدة، من خلال فرقها الفنية التى تعرض أعمالها لمجتمع يتمسك بقدر من المحافظة والتدين مثل أغلبية الشعب المصري.

إذن كيف تفسر وقوع الإسكندرية «الكوزموبوليتان» فريسة سهلة إلى هذا الحد بيد الجماعات المتشددة؟.

قد يرجع السبب إلى خروج الجاليات الأجنبية من المدينة، وتراجع حضاراتها التى لعبت دورا مهما فى المجتمع السكندري، وأرست مبدأ تقبل الآخر، دون النظر إلى دينه أو جنسه أو لونه، والأهم هو تراجع دور التعليم الجوهري، وعدم الاهتمام بالدور الثقافي.

بدأت فى البرنامج الأوروبي، فماذا كنت تقدم فى تلك الفترة المبكرة من عملك بالإذاعة؟.

بدأت العمل مترجما للأخبار من الإنجليزية إلى العربية والعكس، وفى فترة لاحقة قرأت نشرة الأخبار باللغة الإنجليزية، وقدمت أيضا برنامج «ما يطلبه المستمعون».

أنت من رواد مدرسة الحوار فى التليفزيون العربي، وابتدعت طريقة لطيفة لإلقاء الأسئلة على الضيوف، جذبت إليك جمهور الفن والثقافة، وضمنت لبرامجك أوسع مشاهدة، فكيف ترى الفارق بين برامجك، والبرامج الحوارية اليوم؟.

فى الماضى كان للتليفزيون العربي، الذى تحول اسمه إلى التليفزيون المصري، رسالة  ثقافية وأدبية واجتماعية وتربوية ودينية، يحرص المسئولون على توصيلها للمشاهد، وتعتمد تلك الرسالة على المحافظة على القيم والتقاليد العريقة فى المجتمع المصري، بل نقلها وانتشارها فى المجتمعات العربية. الإذاعة المصرية أيضا كانت قبلة المستمعين فى أرجاء المنطقة العربية. أما يومنا هذا فقد كثرت وتعددت الفضائيات والإذاعات، وتنوعت برامجها، فضعف تأثير إعلامنا عن فترة ما بعد السبعينيات.

شاركت فى برنامج «ركن الطفل» فى إذاعة البرنامج الأوروبي..كيف كانت البداية؟.

الصدفة وحدها وراء عملى فى برنامج «ركن الطفل»، وأنا فى سن التاسعة، انتقل عمل والدى من مدينة الإسكندرية إلى القاهرة، وأقمنا فى عمارة تزخر بنجوم الفن فى ذلك الوقت، بينهم فريد شوقى ومديحة يسرى، وهدى سلطان، وعبدالحليم حافظ، ومصور السينما وحيد فريد، فأشعلت تلك الكوكبة عشقى للفن ورغبتى فى احترافه. وحدث أن اصطحبنى الفنان عبدالحليم حافظ لزيارة عبدالحميد الحديدى مدير الإذاعة المصرية فى ذلك الوقت، ورشحنى حليم للفنانة «لبنى عبدالعزيز»، التى كانت تقدم برنامج ركن الطفل فى إذاعة البرنامج الأوروبي، فوافقت وكنت بعد نحو ربع ساعة أشاركها فى تقديم البرنامج الذى ما زالت تقدمه إلى يومنا هذا. وأذكر أنه بعد انتهاء عملى حصلت على مبلغ خمسين قرشا عن مشاركتى فى البرنامج.

يردد الناس أنك تجيد 7 لغات عالمية، فكم لغة تجيد؟.

بحكم نشأتى فى مدينة الاسكندرية واختلاطى بالجاليات الأجنبية، أجدت اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والعربية، فعدد اللغات أربع وليست سبعا. خلال فترة عملى فى الإذاعة عملت مترجما للأخبار من وإلى الانجليزية، وقرأت نشرة الأخبار فى إذاعة البرنامج الأوروبي، وقدمت برنامج «ما يطلبه المستمعون» باللغة الانجليزية.

فمتى وكيف تم اختيارك لتقديم برنامج «النادى الدولي»؟.

كانت الإعلامية الراحلة «آمال فهمي» ترأس إذاعة الشرق الأوسط، وكانت هذه الإذاعة تعتمد على اللهجة العامية فى برامجها المتنوعة، ورشحتنى لتقديم البرنامج عبر أثير الشرق الأوسط. وأوصتنى وقتها بعدة وصايا لضمان النجاح، فقالت: «لا تضيع الوقت، واحرص على تقديم معلومات جديدة تفيد المستمعين، وخلال الحوار مع الضيف لا تسأله سؤالا إلا حين ينتهى من الإجابة بشكل كامل عن السؤال السابق، وعليك احترام الضيف سواء كان وزيرا أو غفيرا، وخلق جو من الألفة والمودة. وتحولت تلك الوصايا إلى منهاج عمل حرصت عليه فى كل برامجى التى قدمتها عبر الإذاعة والتليفزيون. 

عاصرت كبار المذيعين فى تلك الفترة مثل طاهر أبو زيد ومأمون أبو شوشة وجلال معوض، ولمست دورهم المهم فى الإذاعة.حدثنا عن تلك الفترة ؟. 

جلال معوض كان يزور عبدالحليم حافظ فى منزله بشكل دائم، ومعوض من أشهر مقدمى حفلات «أضواء المدينة» واصطحبنى معه فى تلك الحفلات، وكان قادرا على الجمع بين عبدالحليم وشادية ووردة وفايزة أحمد فى حفلة واحدة. وأتذكر توجيهاته للفنانة شادية وهو يحدد لها وقت بقائها على المسرح وعدد الأغانى المسموح بتقديمها. وكان معوض وراء نجاح حفلات «أضواء المدينة» لدرجة أن المطربين كانوا يحرصون على المشاركة فيها دون أجر، لتتحقق لهم الشهرة والنجومية فى الوطن العربي. وجاءت حفلات ليالى التليفزيون امتدادا لأضواء المدينة لكنها ليست بشهرتها ولا انتشارها. وشجعنى معوض على الصعود إلى المسرح وتقديم المطربين بطريقة تدفع الجمهور للترحيب بالمطربين وفرقهم الموسيقية. جلال معوض أول من علمنى كيفية مواجهة الجمهور.

لكن استعدادك الشخصى وتعدد مواهبك أسهم فى نجاحك وتميزك كمقدم برامج ومحاور وممثل ومغن ومنتج؟.

أرجع الفضل لمستوى تعليمى فى مدرسة فيكتوريا كوليدج، وقسم اللغة الإنجليزية، وتعلمت خلال سنوات دراستى أهمية الكتاب فى حياتي، وكانت مكتبة والدى رافدا مهما أسهم بشكل كبير فى تنوع مصادر المعرفة.

مستوى إعداد «النادى الدولي» و«هذا المساء» يؤكد إلمامك واهتمامك بالقضايا التى كانت تهم المشاهد أولا بأول.. فمن هم فريق الإعداد؟.. وما هى السياسة المتبعة لظهور البرامج بشكل متكامل؟.

أفراد فريق الإعداد كانوا مساعدين أساسيين، واختيارهم كان يتم على أساس تنوع التخصصات السياسية والعسكرية والاجتماعية والرياضية، والفريق كان يتكون من عماد أديب ومفيد فوزى وعباس لبيب وعبده مباشر، كل منهم يتولى مسئولية إعداد ملف عن القضايا الآنية المهمة، ونشترك جميعا فى اختيار الضيوف لمناقشة تلك القضايا.


لك حلقات مع الكاتب الراحل «أنيس منصور» حول بروتوكولات صهيون، ما تفاصيلها؟.

«النادى الدولي» كان البرنامج الوحيد الذى تقرر استمرار إذاعته منذ شهر أكتوبر إلى 23 ديسمبر 1973، بقرار من الدكتور «عبدالقادر حاتم»، وزير الإعلام فى تلك الفترة العصيبة، وكلفنى بتسجيل عدة حلقات من البرنامج مع الكاتب «أنيس منصور» حول كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، وسجلت 8 حلقات معه هنا فى مبنى الأهرام، مدة كل حلقة40 دقيقة. 

هل أذيعت تلك الحلقات، أم تم إلغاؤها بعد نشوب الحرب؟.

قبل عبور قواتنا خط بارليف بيوم، استدعانى دكتور حاتم وكلفنى بإعداد حلقة البرنامج، وحدد يوم الأحد 8 أكتوبر لإذاعتها، وطلب إذاعة حلقة الأستاذ أنيس منصور، وشدد على أن تكون خالية من الأغاني، وقصرها على كلام الأستاذ أنيس، وفوجئت بنشوب الحرب يوم السبت قبل إذاعتها بيوم .

ومن أهم الشخصيات السياسية التى استضفتها فى برنامجك؟.

سجلت مع السلطان قابوس حاكم سلطنة عمان فى أول زيارة قام بها إلى مصر، ومع المرحوم الشيخ زايد آل نهيان  رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.، ومع وزير خارجية إنجلترا، ورئيس وزراء مالطة فى ذلك الوقت.

ولقاؤك الشهير مع الملاكم العالمى «محمد على كلاي» كان أشبه بمغامرة.. كيف فعلتها؟.

كانت كافتيريا فندق هيلتون النيل المكان المفضل لكبار الأدباء والمفكرين والفنانين، مثل الأخوين «كامل ومأمون الشناوي»، وعبدالحليم حافظ، وغيرهم، وفى ليلة سمعت فى الكافتيريا أن «محمد على كلاي» يقيم بالفندق، وكان يرفض بشدة إجراء حوارات صحفية أو تليفزيونية، فذهبت فى اليوم التالي، وطلبت «بابيون» من جرسون، ووضعت فوطة على يدي، وصعدت إلى غرفة «محمد على كلاي» وفتح لى شقيقه، فقدمت نفسى كفرد من «خدمة الغرف»، وأننى مسلم واسمى محمد علي، وأتمنى التقاط صورة مع بطل الملاكمة العالمي، فوافق كلاي، وكان واقفا فى بلكونة الفندق وفى أثناء حديثى معه سمعنا أذان العصر، فعرضت عليه الصلاة جماعة، فتوضأ وصليت إماما لكلاى وشقيقه، وترك هذا الموقف أثرا طيباً لديهما، وأخبرته بأن لى أخا توأما يعمل مصورا فى التليفزيون ويوجد فى الفندق، وأتمنى السماح له بتصويره وتوجيه كلمة للتليفزيون المصري، وهذا سيترك أثرا طيبا عند معجبيه ومحبيه.. فوافق.

وكنت مستعدا تقنيا لهذا الأمر ؟.

كانت إدارة التليفزيون تخصص لى سيارة تصوير، وخمسة فنيين، تصاحبنى فى أى مكان، والفريق كان متأهبا لتصوير اللقاء، وخلال دقائق كنا جميعا بالكاميرا فى غرفة كلاى وتم إجراء الحوار معه.

ومثله كنت الوحيد الذى سجل مع الملكة فريدة عقب عودتها إلى البلاد، وأول من أجرى حوارا مع الكاتب مصطفى أمين بعد خروجه من السجن.

ألم يعترض المسئولون على هذا الحوار ؟.

عرضت الأمر على الدكتور عبدالقادر حاتم، فرحّب، مع عدم الإشارة إلى الأسباب التى سجن بسببها، وقدمت الأخوين مصطفى وعلى أمين مع بعضهما فى مشهد نادر .

فى حوارك مع الست أم كلثوم سألتها ماذا كانت تتمنى أن تكون لو لم تكن مطربة، فقالت «حارس مرمي».. فماذا كانت تقصد؟.

هو كان آخر حوار للراحلة الكبيرة «أم كلثوم» فى «النادى الدولي» قبل سفرها للعلاج، وبعد عودتها من الخارج كانت فى مستشفى القوات المسلحة، إلى أن وافتها المنيّة 3 فبراير 1975، وأذكر أننى سألتها فى المطار عن أمنيتها لو لم تكن أم كلثوم المطربة، فأجابت سريعا «أكون حارس مرمى فى النادى الأهلي»، واستغربت إجابتها، فقالت: «حارس المرمى دوره الأساسى الدفاع عن المرمي، وأنا فلاحة واجبى الدفاع عن الأرض والعرض والأهل».

وكم مرة استضفت الموسيقار «محمد عبدالوهاب»؟.

أجريت معه العديد من الحوارات، ومشاركاته أثرت البرنامج بثقافته ولباقته وهدوئه المعتاد فى تناول الأمور، وعبدالوهاب كان من المتابعين الجيدين للبرنامج، وجرت العادة أن أتلقى منه اتصالا تليفونيا عقب إذاعة الحلقة بعد منتصف الليل، وكان يشيد عادة بما قدمته ويبدى وجهة نظره فيما أذعته.

الأجور فى تلك الفترة لا تقارن بما يحدث الآن، فالفارق لا يصدق، فكم كان أجرك عن الحلقة الواحدة من برنامج «النادى الدولي»؟.

أجر إعداد الحلقة كان10 جنيهات، أى أن المعد كان يحصل على 40 جنيها شهريا. والأجور فى تلك الفترة كانت بعيدة عن المبالغة، فلك أن تتخيل تواضع الأجور فى السينما نفسها، فأجر فاتن حمامة كان 5000 وفريد شوقي4000، وعبدالحليم فى فيلم «أبى فوق الشجرة» كان يعد الأعلى سعرا،12000 جنيه، لأنه غنَّى فى الفيلم.

كيف نجحت فى التعامل مع الطبقة المتوسطة الواعية، المكونة من فئات متعلمة ومثقفة وقتها، وكانت لديها قدرة على امتلاك جهاز التليفزيون حينها؟.

تعلمت من أساتذتى فى الإذاعة والتليفزيون، كيفية التعامل مع  طبقات المجتمع الثلاث المكونة للأسر المصرية، تلك الطبقات كانت تتمسك بالأعراف والتقاليد والدين. والطبقة المتوسطة كانت عظيمة الشأن تمثل نحو 80% من المجتمع، تحافظ على مستوى معقول من التعليم والثقافة والتدين، وطبقة الأثرياء كانت تحافظ على علاقة طيبة بالطبقتين، ولعبت الطبقة المتوسطة دورا مهما فى عدم انحدار طبقة الفقراء وضمنت لهم مستوى من الحياة يليق بهم من خلال الاستعانة بهم فى المهن المختلفة، وكان الصغير يحترم الكبير، والموظف يُقدّر المدير، والتلميذ يُعظّم الناظر. ولأننى نشأت فى أسرة متوسطة، كنت أمتلك الوعى الكافى لمخاطبة تلك الطبقة، وعقب كل حلقة كنت أتلقى آلاف الخطابات التى كانت تسهم فى استمرار وتطوير البرامج. ولم يكن هناك فهلوة ولا شطارة، فهذه الأشياء لم أشاهدها إلا فى السنوات الأخيرة. 

وتميزت بـ «تكتيك» خاص، يعتمد على اختيار ضيف مرتبط بحدث مهم، فعندما «صفَّر» عبدالحليم وجمهوره فى إحدى الحفلات نجحت فى استضافته فورا، وأصلحت علاقته بجمهوره.. فما تفاصيل تلك الحلقة؟. 

كان «مرض عبدالحليم» يتطلب تناوله الدواء قبل الغناء على المسرح، تجنبا للنزيف المفاجئ، والواقعة حدثت خلال حفلته قبل الأخيرة فى نادى الترسانة خلال أغنية «قارئة الفنجان»، عندما توتر وتعصّب على الجمهور، مما أدى لحدوث أزمة خطيرة بينه وبين جمهوره، وأتذكر أنه رفض بعدها الغناء لمدة شهرين، وفهمت منه أن الأغنية التى غناها تتطلب الهدوء، وناقشت الأزمة مع مجدى العمروسى وعصام بصيلة وكمال الملاخ ووجدى الحكيم وإيناس جوهر، واتفقنا على تنظيم حفلة فى نادى الجزيرة يقدم خلالها فقرتين الأولى من تقديم نور الشريف ويؤدى خلالها أغنية طويلة، والفقرة الثانية من تقديمى وتشمل أغانيه القديمة القصيرة، وأن تكون الفرقة الموسيقية من 8 موسيقيين بينهم عمر خيرت وهانى شنودة وعزت أبو عوف. وقبل موعد الحفلة تلقيت اتصالا تليفونيا من عبدالحليم حيث كان يخضع للعلاج فى لندن وطلب ظهوره فى البرنامج بصحبة الفنانة نيللي، وخلال البرنامج طلب فنجان قهوة طلب من نيللى شرب القهوة، وقلب الفنجان وتناوله منها وأخذ يردد كلمات الأغنية، ليؤكد ضرورة الهدوء فى أثناء غنائها.

واستضفت فى برامجك الراحلة صباح, وأجريت حوارا مع عمر الشريف، وقدمته بطريقة تناسب تاريخه ومشواره الفني. فما سبب حرصك على إعادة الأضواء لنجوم الماضي؟. 

الأجيال الجديدة لم تشاهد هؤلاء النجوم فى عصرهم الذهبي، فتحملت مسئولية إعادة تقديمهم إلى الشباب، ليعلموا مدى عظمة جيل من الفنانين أثروا الحياة ليس فى مصر فقط بل فى منطقتنا العربية والعالم. فعندما التحقت بالتليفزيون، شاهدت مدى حرص المذيعتين ليلى رستم وأمانى ناشد فى تعريف المشاهدين بزكريا الحجاوى ومنيرة المهدية وسيد درويش. 

وببساطة شديدة أشركت «سلمى الشماع» و«فريدة الزمر» فى تقديم برنامجك، كيف؟

المذيعتان كانتا على قدر كبير من الثقافة، سلمى تعكس الملامح والثقافة الغربية، وفريدة بجمالها المصري، وقد أضافتا الكثير للبرنامج. وهذا التطوير أشرف عليه محمد سالم مدير المنوعات، والتليفزيون فى تلك الفترة كانت له إدارات مختلفة مثل إدارة الدراما برئاسة نور الدمرداش، وهذا تنوع نفتقده اليوم كثيرا .

وثم تم استبدال «النادى الدولي» ببرنامج «هذا المساء».. هل هى سنّة التغيير فقط أم لأسباب لا نعرفها؟.

البرنامج استمر نحو 8 سنوات فى عهد الرئيس السادات، وصدرت أوامر بإيقافه، وبعد فترة عاد بعنوان «هذا المساء»، وحقق نجاحا كبيرا أيضا، وكنت أبحث عن القضايا التى تهم الأسر المصرية وأعرضها على المتخصصين والمسئولين لمناقشتها، وبالفعل جذب البرنامج الأسر المصرية، وكانت الشوارع تخلو تقريبا من المارة وقت إذاعة البرنامج.

تردد العالم المصرى الراحل د. أحمد زويل فى الظهور معك فى «هذا المساء».. هل كانت لديه أسباب؟.

بعدما سجلت معه الإعلامية الراحلة «آمال فهمي» فى برنامجها «على الناصية»، أبلغتنى بنيّتها زيارتى بصحبة العالم الراحل د. أحمد زويل، واتفقنا على تسجيل اللقاء فى أحد الفنادق المطلة على النيل، وكان بين ضيوف البرنامج أحمد عدوية وأحمد شوبير وسميحة أيوب وسمية الخشاب، وعندما شاهدهم د. زويل اعترض على تسجيل الحلقة، معللا رفضه بعجز الضيوف عن استيعاب موضوع «الفمتوثانية»، وأقنعته بأهمية دور الضيوف فى تعريف متابعيهم بموضوعه العلمي، فوافق وبدأنا التصوير، وعندما انتهى من كلامه حول «الفمتوثانية» سألت الضيوف عن مدى وضوح كلامه، فأنكروا استيعابهم، فطلبت من الدكتور تبسيط موضوعه ليفهم الضيوف، وبعد فترة من سفره، أذيعت الحلقة وتلقيت اتصالا من د.زويل يشكرنى لانتشار تعريفه المبسط للفمتوثانية.

قدمت أيضا برنامج «مشوار».. وكان توثيقيا بخلاف برامجك السابقة؟.

نعم.. كان وثائقيا، وكان يتم تصويره بأسلوب سينمائي، مع الشخصيات وفى أماكن عملهم أو منازلهم. صورنا 15 حلقة مع يوسف وهبي، وفاتن حمامة، ويوسف السباعي، وتوفيق الحكيم، ومع فكرى أباظة فى دار الهلال ومجلس النواب.

وماذا عن محاولاتك لتفسير لغز وفاة السندريلا «سعاد حسني».. ماذا كنت تستهدف من تلك الحلقات؟.

حاولت من خلال البرنامج بحث سر وفاتها، إثر سقوطها من شرفة شقتها فى الدور السادس من مبنى «ستيوارت تاور» فى لندن، وحينها قلت:«أنا أتحقق ولا أحقق» وأثارت حادثة وفاتها جدلاً لم يهدأ حتى الآن، ومن خلال البحث أستبعد انتحارها.

عقب نكسة 1967انتشرت الأعمال الإذاعية والسينمائية الساخرة، مثل تمثيلية «شنبو فى المصيدة» التى تحول فيما بعد إلى فيلم سينمائي. فهل كانت ظاهرة الكوميديا الهزلية هذه مقصودة؟. 

عقب النكسة، ألقيت مهمة رفع مستوى معنويات المجتمع على الإذاعة والسينما والمسرح، والاتجاه العام للشعب كان السخرية من الاتحاد الاشتراكي، وكانت تمثيلية «شنبو فى المصيدة» مثالا للظاهرة، تأليف الكاتب الساخر «أحمد رجب»، وقام ببطولتها فؤاد المهندس وشويكار ويوسف وهبي. وعندما تحول العمل إلى فيلم سينمائى شاركت فيه وكان أجرى60 جنيها، لكن التمثيل مع «يوسف وهبي» كان أهم من الأجر، وأتذكر أننى أدخلت تعديلات على سيناريو الفيلم، بإدخال كلمات إنجليزية وطريقة نطق بعض الكلمات، وهذا يرجع لانتشار ظاهرة «الخنافس» ونالت طريقتى تلك إعجاب الفنان يوسف وهبى وطالبنى بالمزيد من هذا الأداء التمثيلي. وكانت هناك أعمال أخرى كثيرة تسخر من الوضع العام فى البلاد مثل فيلم « ميرامار» ومسرحية «يحيا الوفد» التى عرضت على مسرح تحية كاريوكا.

شاركت فى العديد من التمثيليات الإذاعية منها «أرجوك لا تفهمنى بسرعة» فلأى مدى يختلف التمثيل الإذاعى عن التليفزيونى والسينمائى بتقديرك؟.

مازلت أعشق وأفضل ميكروفون الإذاعة، فالأداء خلف الميكروفون يتطلب مهارة عالية وإحساسا مرهفا لنقل تفاصيل الموقف إلى المستمع وكأنه يشاهده، ولهذا السبب لعبت الإذاعة المصرية دورا مهما فى تشكيل وجدان المستمع المصرى والعربي.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    ابو العز
    2018/06/19 10:15
    0-
    0+

    كنت اشاهد سمير صبري في بعض الحفلات في الأسكندرية زمان ..
    وكان نجما خفيف الظل عايز يقول حاجة حلوة ..
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق