الجمعة 1 من شوال 1439 هــ 15 يونيو 2018 السنة 142 العدد 48038

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة- يكتبه: أحمد البرى
القوقعة الفارغة!

أكتب إليك حكايتى، وكلى أمل فى أن تجد لى حلا يخلصنى من العذاب الذى أحال حياتى إلى جحيم، فأنا أنتمى إلى أسرة صعيدية، ولى ثلاثة أشقاء «ولدان وبنت»، وترتيبى بينهم قبل الأخير، وأبى يكبر أمى بعشر سنوات، ومنذ زواجهما وهى تكرهه برغم صلة القرابة بينهما، وهذا الشعور البغيض، نتيجة طبيعية للكره المتبادل بين عائلتيهما، وليست له أسباب واضحة، وقد عرفت بمرور الأيام أنه عندما تقدم لخطبتها، اعترضت عليه، وتمسكت بموقفها عامين كاملين، رافضة قبول الشبكة التى قدمها لها، لكنه لم ييأس، ومارس أهلها ضغوطا شديدة عليها، ولم تجد بدا من أن تستجيب لأوامر أبيها الذى أجبرها على قبوله، التزاما بعادات أهل الصعيد التى لا تتيح للبنت أن تبدى رأيها فيمن يتقدم للإرتباط بها، وقد تزوجته وفى قرارة نفسها أن هذا الزواج لن يستمر طويلا، أو بمعنى آخر أنه زواج محكوم عليه بالفشل، ولم يمض وقت طويل حتى انتقلا  إلى إحدى محافظات الوجه البحرى طلبا للعمل ولقمة العيش، وعاشا قصة كراهية شديدة الوطأة، وأفظع صور البغض بينهما، ومع ذلك توالى إنجابنا، فبعد عامين رزقا بشقيقنا الأكبر، وكم يؤلمنى أن أقول لك إنه لم يترك حراما إلا فعله ابتداء من النصب على الناس وسرقة وهتك أعراض الآخرين حتى أقرب الناس إليه، وقد بلغ هذه الحالة نتيجة تدليله الزائد عن الحد، ومشاهدته سلوك أبويه، فمنذ أن وعيت الحياة، وأنا أراهما دائما فى شجار ومعايرات واتهامات.. هل تتخيل أنه اتهمها بأنها على علاقات غير شرعية بآخرين، وأننا لسنا أولاده، أما هى فاتهمته بأن شقيقاته هن اللائى يسلكن هذا السلوك، وكل هذا الكلام غير اللائق على مرأى ومسمع منا جميعا منذ طفولتنا، مما جعل شقيقنا الأكبر يتجرأ عليهما، فكلما أراد توبيخهما عايرهما بما سبق أن عاير كل منهما الآخر به، ولم يسلم منه أحد منا قط، ونشأنا على هذه الحال من الكراهية والبغض المتبادل من جميع الأطراف إلى أن تخرجنا من الكليات، وبدأ كل منا طريقه فى الحياة بعيدا عن الأسرة التى تجمعت فيها الخصال السيئة من كراهية وضغينة واتهامات فى الشرف والأعراض، وهكذا أصبت بأزمة نفسية حادة، وقد بلغت سن السابعة والثلاثين، ولم أتزوج، وليس لى أصدقاء أو معارف وأمتهن الأعمال الحرة.. أما شقيقى الأكبر فقد سافر منذ عدة أعوام، وقطع صلته بمصر ومن فيها، وكذلك شقيقتى الوحيدة التى تشبهه فى تصرفاتها، فلقد تزوجت، واستقلت بحياتها، ولا أعرف عنها أى شىء، بل ولا أريد أن أسمع أى أخبار بشأنها.

وأتوقف هنا للحديث عن الطريقة التى يعاملنى بها الأهل باعتبارى الولد الثانى بعد الإبن الأكبر والبنت، حيث أننى لم ألق أى تقدير أو احترام لشعورى أو وجهة نظرى حتى ولو فى أمورى الخاصة، ففرضوا علىّ إملاءاتهم فى كل ما يتعلق بى، ووصل الأمر إلى تدخلهم فى اختيار ملابسى، وطعامى وتعليمى، ولم يبالوا برغباتى، ولم يلبوا لى يوما ما أريده، وفرض شقيقى الأكبر سطوته علينا جميعا بالضرب والإهانة، وللأسف بمباركة والدينا لكسب وده وتجنب إهاناته المتكررة للجميع، وكان طبيعيا أن يترك صنيعهم أثرا سلبيا وجرحا عميقا داخلى، وأن يؤثر فى تكوين شخصيتى، ولقد كرهتهم جميعا، ولم أعد أطيق التعامل معهم، أو رؤيتهم، ولذلك انفصلت عنهم تماما، وأشق طريقى فى الحياة وحدى، وأرتاح لبعدى عن تلك الأسرة التى لم أعش فيها يوما واحدا فى هدوء، 

أما ما دفعنى إلى الكتابة إليك، فهو أن هناك فتاة فاضلة ومحترمة جدا رأيتها أكثر من مرة، وهى ذاهبة إلى عملها، وأصدقك القول أننى انجذبت إليها لجمالها وأخلاقها البادية على ملامحها الهادئة، وملابسها المحتشمة، وقد تعلقت بها لدرجة الجنون بعد أن شغلت كل حياتى وقلبى وعقلى، لكنى لم أسمح لنفسى أن أستوقفها أو أحاول الحديث معها، أو أن ألفت نظرها لى بأى شكل، وظل حبى لها مكتوما داخلى، وقررت أن أحافظ عليها من كل شىء حتى من نفسى، ولأنى أريد أن أدخل البيت من بابه، فقد انتظرتها أمام مقر عملها، إلى أن أنهت يومها العادى، وخرجت فى طريق عودتها إلى المنزل، فتتبعتها دون أن تشعر، وعرفت مكان بيتها وبعض التفاصيل عن عائلتها، وحانت اللحظة التى راودتنى فى أحلامى، ويقظتى بأن أطرق بابهم، وأطلب يدها من والدها، لكنى لا أريد أن أصطحب معى أى واحد ممن يطلق عليهم «أهلى»، ولا أريد ولو مجرد إعلامهم بأننى سوف أخطو هذه الخطوة نهائيا، ولا أخبرهم بأى شىء عنى أو عن حياتى.

إننى أرغب فى أن أدخل البيت من بابه، وأن أجلس مع والدها، وأشرح له ظروفى ووضعى مع هذه الأسرة المشئومة التى لا ذنب لى فى تكوينها «الذميم»، القائم على الكراهية والتصرفات اللا أخلاقية، وأريد أن أبنى أسرة جديدة على الحب والاحترام والمودة، ولكن ماذا أفعل، وقد ظهرت هذه «الأشكال» فى طريقى؟.. إن كل ما أخشاه أن يقابل طلبى بالرفض بسبب وضعى مع أهلى الذى لا ذنب لى فيه، وبالطبع فإن الكل يعلمون أنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يختار أهله أو يتحكم فى طباعهم وأخلاقهم، وأخشى ما أخشاه، هو أن تتم محاسبتى على شىء لم أختره ولم أرتكبه، وليس لى ذنب فيه.. أريد أن أذهب إليهم فى الزيارة الأولى بمفردى لتقديم نفسى وتوضيح ظروفى، ولا أخدعهم أو أغشهم فى أى شىء، فهدفى تكوين أسرة على أساس من الصراحة والوضوح بلا تزوير أو تزييف للحقائق، وإذا قبلونى ولو بصورة مبدئية، فسوف يذهب معى بعض معارفى ممن بينى وبينهم ود واحترام، وهم على استعداد لذلك.

وأرجو ألا تسألنى: أين أعمامك وأخوالك؟، فنحن أسرة متقطعة الأوصال، ولا يوجد أى تعامل أو ود بيننا، وبين أى طرف قريب، بسبب «الكراهية المتبادلة» بين أبى وأمى، وكل خوفى أن يحاسبنى أهل فتاتى على ذنب لم أرتكبه، ووضع لم أختره أو أصنعه بيدى.. إن هدفى تكوين أسرة صغيرة على تقوى الله والحب والود والاحترام، وأهلى بئس الأهل والناس، وبئس الحياة معهم.. وأنتظر أن ترشدنى إلى حل يريحنى، ويضمن موافقة أهل فتاتى على ارتباطى بها، إذ أتطلع بلهفة إلى اللحظة التى يجمعنا الله فيها على خير، ولك منى التحية والسلام.

< ولكاتب هذه الرسالة أقول:

تقوم الحياة الزوجية على التعاون، وروح المسئولية والتضحية، وبدون هذه العوامل لا يتحقق لها النجاح، لكن ذلك لا يعنى خلوها من بعض المشكلات التى قد يتمكن أفرادها من حلها، فقد يسودها الصراع والشقاق، ويعكر صفوها ويعرضها للتصدع والانهيار، وعلى النحو الذى ذكرته، فإن أسرتك تندرج تحت مفهوم «الأسر المحطمة» نتيجة الشجار الدائم، وتبادل الإتهامات حتى فيما يمس الشرف، ولا أدرى، كيف أن والديك مستمران معا فى الحياة الزوجية، وهما يتهمان بعضهما بالخيانة، بل وكيف يعيشان معا، وأبوك يشكك فى نسبكم منه، فاتهام واحد من هذا النوع كفيل بهدم الأسرة؟.. لقد كانت النتيجة الحتمية لوضع كهذا هى ما أنتم عليه الآن من تفكك وتشرذم، حتى صارت أسرتكم مثل «القوقعة الفارغة»، بفشلكم فى إقامة علاقات طيبة فيما بينكم، والحقيقة أننى توقعت منذ البداية أن تفشل أسرتكم فى الحياة، وألا تكتمل لها عناصر النجاح المتعارف عليها، فضغط أهل والدتك عليها للزواج من أبيك بدعوى العادات والتقاليد، أمر لا يقره الدين، ولا المنطق السليم للأمور، وما كان لهم أن ينزلقوا إليه، إذ لم يتحقق فيه «الرضا الزواجى»، إن صح التعبير.

ومما لا شك فيه أن حسن الاختيار له دور حاسم فى مستقبل الحياة الزوجية واستقرارها وأمن الأسرة وسلامة النسل، لكن الممارسات الواقعية فى كثير من الأسر، تشير إلى أن اختيار الزوجة لا يبنى، فى أغلب الأحوال، على الأسس الشرعية من حيث اعتماد معيار الدين أساسًا فى الاختيار، بل تحول هدف معظم المقبلين على الــزواج إلى المـعــاييــر الأخــرى كجــمــال المــرأة والمكــاســب المــادية والاجتماعية التى ستحققها المصاهرة، فصار الزواج مشروعًا ماديًا دون الغاية الأسمى، وهى تكوين الذرية الصالحة والتحصين من المفاسد، ويحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من اختيار الزوجة على أساس آخر غير الدين بقوله: “من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقرًا، ومن تزوج إمرأة لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج إمرأة ليغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه، بارك الله له فيها وبارك فيه»، وفيما يتعلق باختيار الزوج، يجب اختيار الزوج ذى الدين والخلق، فلقد قال رجل للحسن بن على: «إن لى بنتًا، فمن ترى أن أزوجها له؟ فــقــال: زوجـــهـا مـمـــن اتقى الله، فإن أحبــها أكــرمها وإن أبغــضها لــم يظلمها».

لقد لعب الشجار المتكرر بين أبويكم دورا رئيسًيا فيما آلت إليه أحوالكم من تفكك، إذ ترك بصماته على شخصياتكم جميعا، وكان تأثيره عليك عظيما، فهربت من جو الأسرة المضطرب المشحون بالخوف والقلق والصراع، وعدم الاستقرار، باحثا عن بديل يلبى رغباتك وتجد فيه ضالتك المنشودة، مما انعكس على تكوينك النفسي، وتسببّ فى حالة العصيان والتمرد التى أنت عليها الآن، وشعورك بالكراهية الشديدة لأبويك، ولست وحدك الذى يكن لأسرته هذا البغض، فكل من ينحدرون من أسر متصدعة لا يحبون آباءهم ولا يثقون بهم، ولا يشعرون بالارتياح معهم، ويتمـنون لو كانوا أبنــاء لأسر أخـرى، كما أنهم يشعرون بعدم الرضا عن أنفسهم وبالفشل والإحباط واليأس والضياع والعصبية، نتيجة لما تعرضوا له من أساليب المعاملة الخاطئة.

إن فشل الوالدين فى التنشئة الأسرية السليمة لأبنائهم ينعكس سلبًا على صحتهم النفسية والاجتماعية، وهو ما حدث مع شقيقك الذى صار نسخة من أبيك، حتى إن أذاه انعكس عليه شخصيا!، وقد حان وقت المراجعة، إذ يجب أن يراجع أهلك موقفهم من بعضهم، ويمكن بما تملكه من رجاحة عقلك أن تدعوهم إلى «جلسة مصارحة» تعترفون فيها بأخطائكم، وبالنتائج السلبية التى ترتبت عليها، سواء فى علاقتكم ببعضكم، أو علاقتكم بالآخرين، ومن ثم تبدأون صفحة جديدة، فهذه هى نقطة البداية لتعديل مساركم فى الحياة الأسرية والإجتماعية، وعندئذ سيكون الصحيح أن تتقدم لفتاتك بصحبة أهلك، وتكون العلاقة بين الطرفين واضحة، فلا يعقل أن تصطحب واحدا من معارفك لخطبة فتاتك، إذ من الطبيعى أن والدها سوف يسألك عن أهلك، ولو شرحت له ما عشته معهم من شكوك واتهامات بالخيانة وخلافه، فلن يوافق على زواجك من ابنته مهما تذرعت بأسباب قد تبدو لك عادية، لكنها فى الحقيقة ترعب كل من يسمعها، وسوف تنتابه الشكوك فيك أيضا، وإذا أخفيت أسبابك عنهم، فسوف يبحثون عنها إلى أن تتكشف الحقيقة يوما ما، وحينها ستصبح حياتك الزوجية مهددة بالإنهيار.. هذا هو المنطقى والطبيعى فى مثل هذه الأمور، والحل الأفضل لك هو أن تفاتح أباها مباشرة فى رغبتك الإرتباط بابنته، وأن تطلب منه أن يتيح لكما الفرصة للحديث معا لمعرفة مدى قبول كل منكما للآخر، وبعد عقد جلسة المراجعة مع أهلك، إعرض على أبيك الأمر، ومن هنا سوف تسير الأمور عادية، وبعد الزواج سيكون طبيعيا أن تستقل بحياتك، ولا يحق لأحد التدخل فيها، وتحتفظ فى الوقت نفسه بعلاقات طيبة مع الجميع.

إن المثل العامى يقول: «اللى ملوش كبير يشترى له كبير»، فمن له شخص يحتمى به، ويكون سنده فى الحياة، يخافه الناس، ويعملون له ألف حساب، فمن سيكون كبيرك إذا رافقك واحد من معارفك لخطبة فتاتك، وليس أبوك، فمجتمعنا يرسخ دور الكبير، ويعظّم شأنه، والكبير فى الأسرة هو الأب مادام موجودا على قيد الحياة، وتلجأ إليه الأسرة فى كل كبيرة وصغيرة، ويعتمد الرجوع إليه على مبدأ احترام الكبير والثقة فيه، وهذه المنظومة الاجتماعية تساعد على الترابط الاجتماعي، وتحد من المشكلات فى ساحات القضاء، وتسهم فى تقليل حالات الطلاق، وتقلل من المشكلات الأسرية، فليكن أبوك هو كبيرك، ولكن عليه أن يمتثل لصوت العقل، وأن يتدارك ما فات من أخطاء، وكذلك أخوك الأكبر، وهكذا تتحسن الأوضاع وتتقارب المسافات، وأدعوكم جميعا إلى صوت العقل والحكمة بعيدا عن المشاحنات والمهاترات، وفقكك الله وسدد خطاك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق