الجمعة 14 من صفر 1439 هــ 3 نوفمبر 2017 السنة 142 العدد 47814

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى كتاب مراكز البحوث داخل البيت الأبيض لعاطف الغمرى
الباب المباح لصناعة القرار فى الولايات المتحدة..2000 مركز للفكر تقدم إستشاراتها للرئيس الأمريكى

عائشة عبدالغفار
يكتسب كتاب عاطف الغمرى رئيس مكتب الأهرام بواشنطن سابقا أهمية بالغة فى ضوء الإدارة الأمريكية الجديدة والإدارات التى سبقتها حيث يزداد تأثير المراكز الفكرية الأمريكية التى يصل عددها إلى ألفى مركز متخصص يستعين بهم الرؤساء من أجل اتخاذ القرارات المصيرية والاستراتيجية لادراكهم بعلم نفس الشعوب وثقافاتهم وتاريخهم الخ.

.......................

يتناول الكتاب باسهاب وموضوعية دور دوائر ومراكز الفكر فى صناعة القرار السياسى الأمريكى والذى هو إضافة إلى المكتبة العربية فى فهم الغرب والولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى كتب أخرى أسهمت فى تأصيل فهم الغرب مثل «آلام العقل الغربى» للمفكر الأمريكى ريتشارد تارناس ودراسة الايديولوجية الصهيونية والغرب: رحلة التوظيف من الاستشراق إلى الإسلاموفوبيا» وكتاب «كل رجال الشاه» لستيفن لينزرالخ..

ويقول المحلل السياسى عاطف الغمرى عن تجربته خلال ممارسته عمله الصحفى فى واشنطن وبحثه عن المعرفة «فى أمريكا لاقيت أمامى أبوابا عديدة، من بينها بابان معتمدان للسياسة الخارجية وزارة الخارجية والثانى الباب الخلفى المتوارى وتديره المخابرات المركزية ويبقى من أكثرها أهمية الباب المباح دخوله للمهتمين بالعمل السياسى وهو ما يعرف بكلمة think tanks أى مراكز البحوث أو الفكر السياسى والتى أطلق عليها اسم مصانع السياسة الخارجية» وهى قوى شريكة مع الرئيس الأمريكى فى صناعة السياسة الخارجية.

ويصف الكاتب تلك المراكز بأنها مخزون معلومات بالغة الأهمية ويؤكد ان فى أمريكا نحو 2000 مركز بحث، من بينها مائة فى واشنطن وفى هذا الإطار 50 مركزا هى الأكثر نفوذا على سياسة الدولة تضم خبراء شغلوا مراكز قيادية فى عهود رؤساء سابقين كما أن هؤلاء الخبراء موجودون دائما داخل البيت الأبيض.

أهمية هذا الكتاب الذى يعد مرجعا سهل القراءة للدبلوماسيين والمحللين السياسيين والمهتمين بالسياسة الخارجية الأمريكية وتطوراتها أن الكاتب بذل جهدا مشكورا فى مادة بحثه الشيق من خلال الاعتماد على أكثر من أربعين مرجعا أمريكيا وأوروبيا.

ويشرح الكاتب كيف تنتقل أفكار مراكز الفكر السياسى إلى مؤسسات الدولة ليتبنى منها البيت الأبيض السياسة الخارجية للدولة وصلتها أيضا بالإعلام والصحافة بهدف نشرها فى مختلف دول العالم.

ويشير إلى موضوعية مراكز البحوث الأمريكية أحيانا وإلى دراسة البروفيسور جون مير شمير التى تناولت السياسات العالمية حيث أكد أن الدول النامية الصاعدة تمارس دورها فى عالم تحمى فيه سيادتها بنفسها بعد أن ضعفت الثقة فى علاقاتها مع القوى الكبرى بدول العالم الثالث.

ويتناول الكتاب الأكاديمى شبكة فروع المراكز الأمريكية فى العالم ودور النخبة ومراكز البحوث السياسية فى أمريكا والمؤسسات الأكاديمية والأجهزة المخابراتية والتى تعتبر رصيدا استراتيجيا للدولة فى إدارة سياستها الخارجية والتنبؤ بالمستقبل، ولهذا تنفرد الولايات المتحدة بعشرين ألف محلل مخابراتى لتقييم ما يسمونه نظرية الاحتمالات.

ومن بين الوقائع التى خضعت للتحليل ضمن الاحتمالات احتمال خروج اليونان من منطقة اليورو واحتمال حدوث انتفاضات شعبية أو ثورات فى مصر عام 2011 ودول عربية أخرى وهو التحليل الذى كلف به الرئيس أوباما فى أغسطس 2010 فريقا فى مجلس الأمن القومى.. وهناك تحليل وضع فى الثمانينيات حول غزو صدام حسين للكويت عام 1990 واستعدت له العسكرية الأمريكية قبل وقوعه بعشر سنوات بمناورات عسكرية فى صحراء أريزونا واندرجت كل هذه الدراسات تحت مسمى «التنبؤات الكبرى» ويبرز الكاتب السياسى عاطف الغمرى كيف ان المختصين بالسياسة الخارجية فقدوا جانبا من قدراتهم القديمة على المعرفة اليقينية باتجاهات الأحداث فى العالم نتيجة صعود دول كانت صغيرة وأصبح لها تأثير فى مناطقها الاقليمية مما يقلص من تحكم الولايات المتحدة فى توجيه الأحداث، بالإضافة إلى صعود الصين فى آسيا وفى العالم ويهمنا فى هذا الإطار فشل خطط مسبقة لدى أمريكا للسيطرة على «الفوضى الخلاقة» التى صنعتها فى الشرق الأوسط وانفلات زمام الفوضى من يديها وتداعياتها التى حولت ضربات الإرهاب الفوضوى من الإطار المحلى إلى دول الغرب ذاتها.

ويشير الكاتب إلى ان هذه المنظومة التحليلية تعد بمثابة تنبيه للدول الأخرى حتى لا تبقى مجرد متلق لما يصدر عن الدول الكبرى وان تكون هى بدورها صانعة لتوجهات سياسية تخصها وتمكنها من تفادى أى عواقب سياسية..

وأهمية هذا المؤلَّف للكاتب عاطف الغمرى هو أنه ينبه صناع القرار فى العالم الثالث إلى أن الدول التى تقدر على حماية نفسها وشعبها من أى اخطار هى التى تملك تفكيرا علميا وأنظمة متطورة ومراكز نخبة متخصصة تستقى طاقتها من مخزون عقول تفكر وتناقش وتحلل لتنتج رؤية سياسية مكتملة وواعية، وهى التى تمثل فى عالم اليوم بمختلف دوله الكبيرة والصغيرة درع أمان وحائط صد وقدرات على الإنجاز والأمانة.

ويتناول الكتاب وضع مراكز البحوث فى مختلف دول العالم مشيرا إلى أن بريطانيا أول من عرف المراكز البحثية منذ القرن التاسع عشر وإلى تنوع مراكز البحوث فى فرنسا وكيف أن المراكز فى ألمانيا ظاهرة جديدة.

ويشرح الكاتب فى الفصل الثانى من كتابه ما هى حدود استقلال مراكز البحوث وكيف كان جونسون على علم بأن إسرائيل ستهاجم مصر فى يونيو 67 ويكشف كيف أن قطر الدويلة الصغيرة تشترى ضمير مراكز أمريكية شهيرة وكيف أنها تمول حملات تحسين سمعة الإخوان ويشدد الكاتب بالوثائق أن الإرهابيين فى معظمهم ليسوا مسلمين ويشرح كيف أن إدارة ايزنهاور تبنت فكرة الباحث الشاب كيسنجر وكيف أن كارتر قد استلهم فكرة كامب ديفيد من تفكير اثنين من الباحثين بمعهد بروكنجز ويفاجئنا الكاتب بفضح الجانب الخفى لمنظمة هيومان رايتس ووتش وتجاهلها لحقائق عن حقوق الإنسان واردة فى إعلان الأمم المتحدة وعلاقتها مع دولة قطر.

ولاشك أن هذا الكتاب عمل معلوماتى من الطراز الأول حيث يكشف مراكز البحوث التى صنعتها إسرائيل فى الولايات المتحدة لتضليل الحقوق العربية ومن بين هذه المراكز المتحيزة لإسرائيل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

أما المعهد اليهودى للأمن القومى فلقد انشئ فى أعقاب حرب أكتوبر 1973 وتبنى توجهات السياسة الإسرائيلية وكانت مهمته تقديم رؤية تمزج بين الأمن القومى الأمريكى والأمن القومى لإسرائيل، واعتبر قوة ضغط موالية لإسرائيل ويصف نفسه بأنه جماعة الاستخلاص دروس حرب أكتوبر 73 وتضمن تأييد الولايات المتحدة لإسرائيل فى أى نزاع قادم مع دول المنطقة وضم فى عضويته مايكل لادين صاحب مشروع الفوضى الخلاَّقة وتغيير الأنظمة عن طريق العنف وريتشارد بيرك الذى ناقش المشروع القائل إن مصر ستكون الجائزة الكبرى بعد إسقاط الحكم فى العراق ومن بعده السعودية.

ويشرح الكاتب كيف أن أمريكا تتمتع بحالة يقظة سياسية ونشاط غير عادى فى مراكز الفكر السياسى التى يسترشد بأفكارها الرئيس وحكومته، وبالذات ان رئيسة مؤسسة «كارينجى» ترى أن الولايات المتحدة تتعرض لمخاطر جديدة وعلى رأسها انتشار الإرهاب الدولى والانتشار المتسارع لوسائل التكنولوجيا المتاحة لدول ضعيفة أو منظمات إرهابية.. ولذلك فإن هناك اتفاقا على ان بقاء قوة عظمى وحيدة هو أمر من الصعب ان تقبله دول أخرى والخبراء يطرحون حاليا هذا السؤال: ماذا يجب على أمريكا أن تفعله؟ ولذلك قال أوباما واقترح مبدأ جديدا فى السياسة الخارجية الأمريكية وهو أن الولايات المتحدة لم تعد تستطيع أن تتصدى وحدها للتحديات ولا أن تتمكن منفردة فى حل الأزمات والمشاكل الإقليمية فى مناطق العالم وإنها تحتاج إلى شركاء يتعاونون معها ثم يعلن دونالد ترامب بعد ذلك عن ضرورة تحمل الدول التى تساندها أمريكا تكلفة وأعباء هذه المساندة!:

ولذلك حدثت إعادة تفكير فى استراتيجية الأمن القومى الأمريكى تركزت على الداخل أولا وتتصرف خارجيا طبقا لما يخدم مصالحها أولا.

ويحلل الكاتب ببراعة مستعينا بمراكز البحوث اتجاه إدارة ترامب كرئيس جديد حيث هناك مسارات للسياسة الخارجية لأوباما يميل ترامب إلى السير فيها مثل خفض التدخلات العسكرية فى الخارج والالتزام بحماية مصالح وأمن الأصدقاء والحلفاء التقليديين.

ويشرح الكاتب بدء التحول التاريخى فى علاقة أمريكا بالعالم ويستعين بآراء البروفيسور أليوت كوهن بجامعة جون هوبكنز، الذى يرى أن ترامب يميل إلى مزيد من خفض الدور الأمريكى فى العالم والابتعاد عن التحالفات الدفاعية والتوقف عن التأثير فى السياسات الداخلية للدول الأخرى.

ويستطرد الكاتب فى شرح خبايا السياسة الخارجية الأمريكية مما يرشح هذا الكتاب الوثائقى أن يكون مرجعا مهما لخبراء السياسة الخارجية والدبلوماسية فى مصر.

كما يستعين الكاتب بتصريحات روجرت جيتس وزير الدفاع الأسبق الذى قال «إن الولايات المتحدة ليست لديها استراتيجية للشرق الأوسط على الاطلاق» ويحلل آراء «أيان بريمر» أيضا عن غياب الاستراتيجية الفعلية للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط مما يحدد من تفاؤلنا إزاء تطور ملف العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية ومستقبل السلام ويتعرض الكاتب أيضا إلى برامج التعامل مع العالم الإسلامى وإلى مشروع العلاقات مع جماعات الإسلام المعتدل والإخوان حيث استمرت العلاقة والتنسيق معهم من 2005 ثم تكثفت العلاقات فى عام 2010 اثناء حكم أوباما وصولا إلى خطة «اختطاف الثورة» فى 25 يناير.

ويغمرنا الكاتب المحنك بمعلومات وفيرة عن رؤساء أمريكا السابقين وتعاملهم مع الدولة المغتصبة للحقوق العربية والفلسطينية إسرائيل ويؤكد أن اثنين فقط من بينهم لم يتحيزا لإسرائيل هما جيرالد فورد وجورج بوش، ويقدم تقريرا عن الخبراء الموالين لإسرائيل فى الميديا الأمريكية ويحدثنا عن مرحلة غياب الاستراتيجية الأمريكية متبنيا منهجا نقديا وموضوعيا فى آن واحد.

ويقدم لنا فصلا كاملا عن مبدأ ترامب لسياسته الخارجية مشيرا إلى أن ترامب أكثر صراحة من سابقيه وتخلو طريقته فى عرض أفكاره من المواربة وإن جاءت صادمة فى بعض الأحيان واعتقد ان هذا الفصل فى غاية الأهمية فى ضوء أن الرأى العام لم يتعرف على سياسات ترامب حتى الآن لحداثة وجوده فى السلطة ويؤكد الكاتب أن ترامب وجد نفسه مطالبا بإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية لأنه محاط فى الداخل بالملايين الذين انتخبوه وهم رافضون للنهج السياسى التقليدى للسياسة ومن ناحية أخرى بعالم يتغير فى الخارج ولا تستطيع أمريكا الانعزال عنه أو الاصطدام به.

ويجيب الكاتب على عدة أسئلة: هل تعود الحرب الباردة من جديد وهل هناك حرب عالمية ثالثة؟ مما يدعوكم إلى قراءة الكتاب لمعرفة الإجابة على هذين السؤالين الجوهريين إلى جانب سؤال آخر: هل تتغير قواعد الصداقات والتحالفات؟

ويتناول حديث الثلاثة الكبار فى الكونجرس عن الإرهاب وهم كيسنجر وأولبرايت وشولتز والذى يكشف حقائق كثيرة عن الإدارات الأمريكية، ويتناول الكاتب بإسهاب وبالوثائق أدلة المؤامرة على العالم العربى نستطيع أن نستخلص منها كيفية التعامل مع الغرب.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق