الجمعة 1 من محرم 1439 هــ 22 سبتمبر 2017 السنة 142 العدد 47772

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى
الاعتراف الخطير!

أكتب إليك هذه الرسالة بعد أن فاض بى الكيل، ولم أعد قادرا على كتمان مأساتى أكثر من ذلك،

فربما وجدت على يديك حلا يريحنى من العذاب الأليم الذى أعيشه منذ ثلاثين عاما، إذ لم أستطع أن أبوح لأحد بسر متاعبى التى يشاركنى فيها زميل عمرى، فكلانا متورط فيها، وهى تختلف تماما عن المشكلات والأزمات التى يعرضها عليك أصحابها، ومعظمها مشكلات أسرية واجتماعية، وتبدأ حكايتنا بعد انفجار مفاعل تشرنوبيل بأوكرانيا منذ واحد وثلاثين عاما، فلقد انتشرت الذرات النووية وقتها، وغطت أجواء الكثير من الدول الأوروبية، مما تسبب فى تلوث الزراعات التى تتغذى عليها الأبقار، وبالتالى فإن ألبانها تلوثت بالمواد المشعة، ومعظمها تم تحويله إلى ألبان مجففة، وخوفا من أن تتسلل إلى أسواق تلك الدول ألبان مشعة فقد تم تحليلها، وثبت بالفعل أنها ملوثة بالإشعاع، وبلغت نسبة التلوث حدا استحال معه طرح هذه الألبان فى تلك الأسواق، ولم يكن هناك بديل عن التخلص منها، وحاولت الشركات المنتجة لها بيعها إلى دول العالم الثالث، وتغاضت سلطات تلك الدول عن الكارثة من باب أن سكانها لن يتأثروا بها، وإنما سيتم تصدير الأخطار إلى دول أخرى بعيدا عنها، وكنت وزميلى نعمل فى ذلك الوقت فى مجال استيراد المواد الغذائية، فوجدناها فرصة لشراء صفقة ألبان رخيصة، وهى صفقة مربحة تماما، إذ دفعنا فيها مبلغا زهيدا، وأحضرناها إلى مصر، وطرحناها فى السوق المحلية، وحققنا منها مكاسب هائلة، أغرتنا بشراء صفقة أخرى، فطرنا إلى الدولة المنتجة لمعلبات الألبان الملوثة، وفوجئنا بحملة ضخمة من جمعيات حقوق الإنسان، ومظاهرات بطول البلاد وعرضها تندد بالجريمة التى ارتكبتها الشركات هناك ببيع مواد ملوثة نوويا إلى دول العالم الثالث، وطالبت الدولة الأوروبية بالبحث عن أسلوب آمن لدفنها بعيدا عن متناول البشر، ونشرت أبحاثا عن تلك الألبان أكدت أنها تسبب الإصابة بمرض السرطان لمن يتناولها، وحتى لو لم تظهر آثار المرض بعد فترة وجيزة، فالسرطان يطارد كل من تناول مواد غذائية طالها الإشعاع.

وتوسعت المظاهرات فشملت دول العالم كله، ولم يكن أحد فى مصر يدرى وقتها أننا استوردنا هذه الألبان وأنها دخلت مصر وانتشرت فى الأسواق بأنحاء مصر، ولكن مع «عولمة المشكلة»، تدخل المسئولون فى الحكومة، وحققوا فى هذه القضية، وبرغم أن اسمينا أنا وشريكى قد جاء ذكرهما فى أثناء بحث تداعيات دخول هذه الألبان إلى مصر، فإن أحدا لم يتعرض لنا، ولم يذكروا شيئا عنا لعدم وجود أدلة قاطعة على أننا كنا نعلم أن هذه الألبان ملوثة، إذ إن المعلبات التى استوردناها لم يكن مدونا عليها ما يشير من قريب أو بعيد إلى أنها تعرضت للإشعاع!، وهكذا نجحنا فى تفادى أى مشكلات من الممكن أن تعصف بنا، وعشنا حياة مستقرة واستمتعنا بالأموال الطائلة التى جنيناها من «الصفقة الملوثة»، وانعكست هذه الرفاهية على عائلتينا وأولادنا، وبالطبع لم نستخدم أى ألبان من التى استوردناها لأننا كنا نعلم حقيقتها، ومرت سنوات وظهرت أعراض السرطان على كثيرين ممن تناولوها، وبعضهم جيراننا، وكنا نعرفهم عن قرب، وبمرور الوقت مات بعضهم، ومازال يصارع آخرون المرض حتى الآن برغم مرور كل هذه السنوات.. صحيح أن صفقتنا ليست وحدها المسئولة عن السرطان، وإنما أيضا هناك مصانع بير السلم لمنتجات الألبان، والمواد الغذائية المغشوشة التى يتم رصدها من حين إلى آخر.. لكن ما يعنينا هو أننا شاركنا فى قتل الناس بأغذية تعرضت للإشعاع، وقد طاردنا تأنيب الضمير، خصوصا بعد أن تقدمنا فى السن، وأحسسنا بقرب نهايتنا، فلقد زاد انتشار السرطان بشكل وبائى، لدرجة أن المستشفيات التى أقيمت لعلاج هذا المرض لا تستوعب. المترددين عليها، ومعظمهم من البسطاء الذين لا يملكون قوت يومهم، فما بالنا بالعلاج من الأمراض الخطيرة كالسرطان والفشل الكلوى، وتبادلنا الحديث والمناقشات ليل نهار وفكرنا فى أن نقدم عملا نكفر به عن ذنبنا الكبير، فطفنا على العديد من المستشفيات وقدمنا لها مساهمات مالية، ومازلنا حتى اليوم نستقطع أجزاء من مالنا لتزويدها بالأجهزة والأدوية عسى أن نكفر عن جريمتنا فى حق إخوتنا وأبنائنا، لكن ذلك لم يشف صدورنا، ومازلنا نعانى متاعب نفسية تزداد حدتها بمرور الأيام.

لقد طار النوم من أعيننا، ونحيا فى قلق ليلا ونهارا، وتنتابنا كوابيس شديدة الوطأة بأن الله لن يغفر لنا، لأن الذنب الذى اقترفناه ينبغى أن يعفو المضارون منه، وأن يصفحوا عنا، وهذا هو المستحيل بعينه.

إننا نعترف بذنبنا، ونطلب التطهر، والعفو من الله والناس، ونعتذر لكل من أضير بسببنا، وندعو الله بأن يشفى كل من كانت تلك الألبان سببا فى مرضه شفاء لا يغادر سقما، وأن يقبل توبتنا، وليت كل تاجر وصانع يدرك أنه سيحصد صنيعه فى الدنيا قبل الآخرة، وأتذكر قولك دائما فى ردودك البليغة هذه الحكمة القائلة بأن المرء كما يدين يدان فهذا قول حق يعكس حالتنا الآن.. إن ضميرنا موجوع، وحياتنا كئيبة، والنار تغلى فى صدورنا، والقلق والهواجس لا تغادرنا، وهذا هو أشد عقاب نتجرعه الآن ونحن نقترب من نهاية العمر، وأرجو أن تساعدنا بالنصيحة، وأن يعفو قراؤك الذين ربما يكونون قد تعرضوا للمرض بسبب ألباننا عنا، ولله الأمر، ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه وتعالى، ولك منا التحية والسلام.

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

فى الضمير الإنسانى قوة تسمى «الوجدان الأخلاقى» لا تترك المجرم حتى وهو نائم فيستعرض جرائمه ماثلة أمام عينيه بصورة الرؤيا، ويشاهدها بقلق ورعب من هول ما تسبب فيه من أذى للآخرين، ولقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان قاصدا إحدى الغزوات على جواده، فاستوقفه رجل وطلب منه أن يعلمه عملا، فقال له الرسول: «ما أحببت أن يأتيه الناس إليك، فآته إليهم، وما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم»، وقد أوصى على بن أبى طالب رضى الله عنه ابنه الحسن قائلا: «واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم، وأحسن كما تحب أن يُحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك».. فأين أنت وشريكك فى الصفقة المميتة من هذا الضمير الحى الذى يضع صاحبه مكان الآخرين، ويتأمل مردود صنيعه عليهم؟، فلو تخيلت وأنت تجلب «الألبان المسرطنة» أن أحد أبنائك سيصاب بهذا المرض الخبيث لتراجعت بقوة «الوجدان الأخلاقى»، لكن الشيطان زين لك سوء عملك فاستمررت فى جريمتك بمساعدة شريكك إلى أن تحركت جمعيات حقوق الإنسان فى الغرب التى انتفضت فى كل مكان، ولم يهدأ لها بال إلا بعد إعدام كل الألبان والمواد الغذائية التى تلوثت بالإشعاع نتيجة انفجار مفاعل تشرنوبيل الشهير الذى مازالت أصداؤه تهز أركان المعمورة حتى الآن!

والحقيقة أنك لست وشريكك وحدكما المسئولين عن تلك الجريمة البشعة، وإنما يشارككما فيها كل من سهلوا أمر دخول تلك الشحنات المشبوهة إلى مصر فى ذلك الوقت، وهناك أسئلة عديدة تحتاج إلى إجابة ولم يتم الإفصاح عنها عن دور التفتيش الصحى، والطرق التى خرجت بها تلك الألبان من الدولة المنتجة لها، وكيف أنهم منعوا تداولها لديهم، وفى الوقت نفسه سمحوا بتصديرها إلى دول العالم الثالث.. إنها جريمة دولية لا أدرى كيف مرت بلا محاسبة ولا مساءلة؟

وإذا حصرنا الأزمة فيما فعلتماه وحدكما بعيدا عن الآخرين، فإننا نجد أنفسنا أمام جريمة تركت آثارها الصحية على الآلاف، وقد خالفتما وجدانكما مدفوعين بما عاد عليكما من مال وفير، ولولا الضجة التى أثارتها جمعيات حقوق الإنسان لكررتما فعلتكما الخبيثة، وقد كانت النتيجة بمرور الزمن ومع كبر السن أنكما أصبتما باضطرابات روحية واختلالات نفسية سلبتكما راحتكما، وتركتكما فى دوامة لا تنتهى، كما يدخل صنيعكما فى باب الظلم .. ظلم الناس والتغرير بهم بأغذية فاسدة جلبت عليهم الأمراض، وزيّن لكما الشيطان سوء عملكما، فمات قلباكما، ولم تذكرا قدرة الله عليكما إلا بعد فوات الأوان، وتحضرنى قصة سعد بن أبى وقاص عندما دعا على أبى سعدة من بنى عبس حين شهد عليه ظلما فقال: «اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره وأكثر ولده وابتله بالفقر وافتنه»، فرؤى شيخا كبيرا يغمز الجوارى فى الطرق، وهكذا أصبح شيخا كبيرا فقيرا مفتونا بعد أن أصابته دعوة الرجل الصالح سعد.. وهذه هى حالكما الآن بعد الكارثة التى تسببتما فيها، وكلى يقين أنكما لستما وحدكما اللذان تحصدان المرارة، وإنما يحصدها أيضا كل من سهّل لكما دخول تلك الصفقة إلى مصر.

إن أول خطوة على طريق التوبة هى اعترافكما بالذنب بين يدى الله سبحانه وتعالى، ثم تبرعكما بأجزاء كبيرة من الأموال التى عادت عليكما من «الألبان المسرطنة»، وبات ضروريا أن تسخرا ما بقى لكما من عمر فى التكفير عن هذا الإثم الكبير وأن تسألا المولى عز وجل أن يتوب عليكما، وأن تجتهدا فى تخفيف آلام المرضى بتقديم المساعدات فى أماكن علاجهم، وإعالة من تستطيعان تقديم العون المادى لهم، وأن تكونا قريبين من الناس، فتنشأ حالة من الألفة والمودة بينكم، والله أعلم بسرائر عباده، وسوف يعفو عنكما بمشيئته عز وجل لقوله تعالى «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (الزمر 53)، ويقول أيضا «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا»( النساء 48)، وقد ثبت فى صحيح مسلم عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم: إن الله يبدل لعبده التائب بدل كل سيئة حسنة على ظاهر قوله: «إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فأولئك يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا» (الفرقان 70)، فإذا كانت تلك التى تاب منها صارت حسنات، لم يبق فى حقه بعد التوبة سيئة أصلا».. فلتبدآ صفحة جديدة، ولتتقربا إلى الله بالأعمال الصالحة، وأكثرا من الدعاء، فإنه «مخ العبادة»، وأسأله عز وجل أن يرزقكما التوبة الصادقة، فهو العالم بسرائر القلوب، وهو وحده المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق