الأثنين 13 من ذي الحجة 1438 هــ 4 سبتمبر 2017 السنة 142 العدد 47754

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشباب لا يحبون كبار السن فى مصر

لا أحد يفهم ما جرى فى مصر من شقاق بين الشباب وكبار السن مثل من يمر عليها زائرا. عندما تغيب عن بلد ما وتعاود الرجوع إليه من وقت لآخر تصبح لديك نظرة مختلفة لتفاعلات المجتمع وخباياه. لا مفر إذا مررت بمصر هذه الأيام من أن تستوقفك لغتان مختلفتان يتحدث بهما شعب واحد. نصف الشعب الأول لا يفهم اللغة التى يتحدث بها النصف الثاني، والنصف الثانى حاله ليست أفضل فى فهم لغة النصف الأول.

ثمة طاقة زائدة فى عقل الشباب المصري. قضايا مثل ثوابت الدين والأصول الاجتماعية والعادات الراسخة والعلاقات الزوجية صارت كلها محل نقاش. هذا النقاش لا يدخر شيئا. ليس ثمة عيب أو حرام أو يصح أو لا يصح. عندما تجلس مع أصدقاء شباب فى مصر تشعر أن البلد يتغير بسرعة.

إذا حاولت فى نفس الوقت الاستماع إلى الجيل الأكبر سنا، ستتيقن أنك تركت البلد وذهبت إلى بلد آخر. هناك نزعة عصبية للتمسك بكل ما تربى عليه جيل الخمسينيات والستينيات، تقف وراءها رغبة فى الصدام. فى السابق كان الأمر يتمحور حول رؤية الشاب باعتباره شخصا مندفعا يمكن نصحه وسيهدأ. هذا السلوك شاع أكثر أيام ثورة يناير 2011. الثورة فى حد ذاتها كانت سلوكا غير مريح لكبار السن. الثورة تعنى التغيير، والتغيير لا يتناسب كثيرا مع طبيعة هذه السن.

لم يتوقف الأمر هنا كما كان يتوقع الكبار. مع الوقت اتسعت دائرة النقاش وضمت أعدادا أكبر من الشباب. لا يقتصر الأمر على شباب المدن الذين يحظون بفرص تعليم أفضل من شباب القرية. طريقة النظرة للأمور تبدو موحدة أكثر من أى وقت مضى، وتصل إلى موضوعات أعمق كثيرا تهز ثوابت الثقافة المصرية فى أساسها. الظاهرة ليست حكرا على مصر. فى بريطانيا مثلا مصير البلد بأثره تعلق بأبعاد هذا الصراع الفكرى بين الجيلين خلال التصويت فى استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي. كبار السن صوتوا لصالح الخروج وانغلاق البلد على نفسه من أجل استعادة «الإمبراطورية» الغابرة مرة أخرى. الشباب كانوا يميلون إلى شراكة مع أوروبا تقوم على التعددية والانفتاح والقبول بالمهاجرين والتعايش معهم.

منطلقات كل جيل تتماشى مع مبادئ وقيم عصره. القيم اليسارية والليبرالية دائما تجدها بين الشباب غير الملوث بأعباء الخبرة وكلفتها. الكهل، الذى حنكته الحياة، يتصرف بطريقة معكوسة، نابعة من معرفة واقعية بالطبيعة البشرية التى لا علاقة لها بمثالية يميل إليها الشباب بفطرته. هذه الاختلافات العميقة معتادة طوال تاريخ البشرية، لكن ما نعيشه اليوم هو شيء آخر.

العالم كله يموج بصراع هادئ. الشباب فاجأ الكهول بطريقة تفكيره الصادمة والمغامرة، واستعداده للدفاع عنها. كبار السن ارتكبوا خطأ عندما استُدرِجوا لخوض هذه المعركة الفكرية دون أن يكون لديهم الأدوات الضرورية لهاأولا.

سبب هذه المعضلة هو ثورة التكنولوجيا. مواقع التواصل الاجتماعى وظهور الهواتف الذكية غيرت المعادلة، وخلقت فجوة هائلة بين جيل لم يعاصر هذه الثقافة الجديدة، وجيل نشأ وفقا لمفاهيمها. ظهور التكنولوجيا هو الثورة الثالثة، بعد الثورتين الزراعية والصناعية. قيام هاتين الثورتين السابقتين قلب العالم رأسا على عقب، وغيرأوجه الحياة اليومية للبشر، وأنهى مراحل سابقة من تطور الجنس البشري، وبدأ مرحلتين جديدتين تماما.

الثورة التكنولوجية تقوم بالشيء نفسه الآن. هذه المرة الاختلافات بين الأجيال جذرية، ولا يبدو أنها ستقف عند هذا الحد. فى السابق بقى الصراع هادئا تحت السطح طوال الوقت، واعتاد أن يظهر كلما حدثت ظاهرة جديدة، لكن فى حدود.

خذ مثلا عصر التليفزيون. الجيل الذى عاش على الراديو لم يتمكن من التأقلم على الفور مع التليفزيون، على عكس الجيل الذى لم يكن لديه وقت كى يكوّن علاقة وثيقة مع الراديو. التليفزيون خلق فجوة بين الجيلين، لكن سرعان ما انتهت. قيم الأسرة الصارمة، والتشدد فى فرض الاحترام لم يكونا ليسمحا بظهور بوادر تمرد فكرى داخل الأسرة. قوانين أسرة السيد أحمد عبدالجواد (سى السيد) فى ثلاثية نجيب محفوظ لم تكن لتترك مساحة أخذ ورد كافية لحدوث «تفاوض» ثقافى بين الأجيال.

بعد قليل اتحد الجيلان فى مسار فكرى واحد. جميعنا كان ينتظر مسلسل الثامنة مساء، وأخبار التاسعة و«حديث الروح»، ثم فيلم العاشرة مساء، أو «تاكسى السهرة» كل أسبوع. بعد «أحداث 24 ساعة» كنت مجبرا على الذهاب إلى النوم، لأن مصر كلها كان لديها موعد نوم موحد.

الفرق هنا أن التليفزيون عمليا لم يقدم جديدا. كل ما كان يحدث فى الراديو تم نقله بالصورة على شاشة التليفزيون، هذا كل ما فى الأمر. المسار الفكرى المتحكم به عن بعد سار نفسه، دون أى تغيير. هذا لم يعد مفهوم الحياة اليوم. اتصال الأجيال الجديدة بالعالم الخارجى جعلها تدرك أن ثمة طرقا أخرى للتفكير، وأنه لم يعد هناك شيء اسمه ثوابت. المبالغة بـ«الأصول» والثوابت تتعارض مع طبيعة الفكر الإنسانى المتغير بطبعه.

الشباب صاروا مستعدين لإعادة النظر فى كل ما كانوا يعتقدون أنه الصواب. صار هناك نكهة تحد لهذا «الصواب» المفترض. الكثير من الصغار باتوا قادرين على إحراج آبائهم وأمهاتهم. فى أى نقاش لن يستغرق الأمر طويلا قبل أن يكتشف الكبار أنهم فقدوا كل حجة أمام هذا الاندفاع المسلح بالمنطق.

كثيرون بين الكبار فى حالة عصبية اليوم لأنهم يشعرون فى دواخلهم بالعجز عن مجاراة هذه الرغبة القوية والجارفة فى تغيير كل شيء. رغم ذلك ثمة إعجاب مدفون فى اللاوعى الجمعى لدى كبار السن بهذا الجيل المقدام والمختلف. من بين هؤلاء أمي، التى حظيت بمستوى تعليم وثقافة رفيعين مقارنة بكثير من بنات جيلها. هذه الأيام باتت تسمينا «الكائنات الفضائية» التى ظهرت على كوكبنا فى لحظة غفلة من الزمن. تقول «لا نعرف من أين جئتم. استثمرنا فى تعليمكم، ورغم هذا الصداع الذى تتسببون لنا فيه كل يوم، يبدو أن استثمارنا ناجح.»

لعل أمى تحظى ببعض المرونة فى التجاوب والاعتراف بنزعاتنا للتغيير، لكن هذه المرونة تبقى غائبة عن أغلب من ولدوا فى عصر عبدالناصر وما قبله، وتربوا على أفكاره القومية التى أصابها الجمود منذ زمن.

ثورة 25 يناير لم تنجح سياسيا، لكن يبدو أنها تركت مجتمعا يغلي. مصر خلال عقد من الآن لن تكون مصر التى نعرفها. على الدولة والمجتمع ورجال الدين والمثقفين والشباب والكبار أن يستعدوا لذلك.

لمزيد من مقالات أحمد أبودوح

رابط دائم: