الأثنين 13 من ذي الحجة 1438 هــ 4 سبتمبر 2017 السنة 142 العدد 47754

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نصيحة بوتين والفشل الإسرائيلى

الحرب فى سوريا تقترب من النهاية، هكذا قال ديميستورا مبعوث الأمم المتحدة الخاص بالأزمة السورية. المصادر الروسية تؤكد الأمر وتقول إن المسألة تحتاج شهرين أو ثلاثة، بل الأكثر من ذلك المصادر ذاتها تستبق بعض التصرفات التى قد تلجأ إليها إسرائيل أو الولايات المتحدة أو حتى تركيا لاعتراض التقدم السورى فى جبهات القتال المتعددة، فضلا عن تثبيت الهدوء فى مناطق خفض التوتر. ربما المعضلة الأكبر الآن تتعلق بمحافظة إدلب التى تسيطر عليها جبهة النصرة وهى فرع القاعدة فى بلاد الشام بعد أن تخلصت من الجماعات المعارضة الأخرى من الإخوان والسلفيين والمرتزقة الذين دعمتهم تركيا وقطر من قبل.

هذه التطورات فى الأزمة السورية إضافة إلى ما يحدث فى العراق، من قبيل الانفتاح العراقى السعودى المتبادل، وفتح المعابر الحدودية بين الأردن وكل من سوريا والعراق بعد إغلاق دام أربع سنوات، يكشف بعض التحولات الجارية فى المشرق العربى، ويطرح على الجميع، سواء كانوا أطراف الأزمة المباشرين أو هؤلاء الذين يراقبون التطورات وحسب، أو يتدخلون فيها بحساب ولكن دون ضجيج، يطرح أسئلة مصيرية حول المستقبل القريب، وكيف ستكون تفاعلات النظام العربى والإقليمى، وكيف سترد القوى الإقليمية التى باتت فى حكم المهزومة، كإسرائيل فى المقال الأول،وتليها تركيا رغم تحالفها التكتيكى مع روسيا صاحبة الكلمة الأولى والمسموعة ولا ترد فى الشأن السورى، ناهيك عن الولايات المتحدة.

إسرائيل حاولت فى أثناء الأزمة أن يكون لها دور فى توجيه أحداثها، وراهنت كآخرين على سقوط النظام السورى فى مدى زمنى قصير، ومع طول زمن الأزمة وانغماس إيران ثم حزب الله فى الدفاع عن النظام السورى، ثم التدخل العسكرى الروسى، تغيرت المعادلات كثيرا أمام إسرائيل، ولكنها راهنت على أن الولايات المتحدة لن تسمح بانتصار حاسم أو شبه حاسم لدمشق وموسكو وطهران، وعلى أن موسكو ولاسيما زعيمها بوتين سيضع فى الحسبان الهواجس أو المطالب الأمنية الإسرائيلية. ولفترة من الزمن، خاصة مع بداية التدخل العسكرى الروسى وضبابية الموقف على الأرض، وقبل أن يتمكن الروس من ضبط المواجهات العسكرية ما بين الجيش السورى وجماعات المسلحين والإرهابيين، وتحقيق حماية قصوى للمواقع العسكرية الروسية لاسيما مطار حميميم الذى كان نواة لقاعدة جوية روسية، كانت إسرائيل لديها تفاهمات مع موسكو سمحت لها القيام بغارات جوية زادت عن مائة حسب المصادر الإسرائيلية لضرب مواقع للجيش السورى أو المجموعات الإيرانية الحليفة له، أو قوافل أسلحة فى عمق الأراضى السورية بزعم أنها أسلحة إيرانية كانت متجهة الى حزب الله، الذى يمثل لإسرائيل صداعا يزداد حدة وعمقا كل يوم تقريبا.

المرجح أن هذه التفاهمات قد ذهبت الآن أدراج الرياح وما كان ممكنا أمام الطائرات الإسرائيلية المغيرة لم يعد متاحا بعد الآن. ووفقا لما تم تسريبه فى الصحافة الإسرائيلية والروسية حول نتائج المباحثات التى أجراها نيتانياهو مؤخرا فى سوتشى مع الرئيس بوتين، فقد كانت مخيببة لأمال نيتانياهو بل مزعجة فى الواقع.فقد أراد نيتانياهو الحصول على تعهدات روسية بأن تلتزم بأمن إسرائيل وإبعاد كل ما له صلة بإيران وحزب الله عن الحدود السورية الاسرائيلية، وأن تستمر موسكو بالسماح للطائرات الإسرائيلية للقيام بغارات ضد أهداف سورية وقتما ترى تل أبيب ضرورة لذلك، وأن تقوم موسكو بمنع طهران من إقامة مصانع أسلحة وصواريخ فى الأراضى السورية حسب زعمه. وهو ما رفضه الرئيس بوتين، وحين هدد نيتانياهو بأنه سيقوم بضرب القصر الرئاسى فى دمشق، نصحه بوتين، حسب رواية البرافدا، بألا يفعل لأنه سيواجه برد كارثى للغاية، حيث ستنطلق عليه آلاف الصواريخ السورية والإيرانية ومن حزب الله فى آن واحد، ولن يستطيع أن يفعل شيئا.

لم تكن نصيحة الرئيس بوتين مجرد نصيحة وحسب لمسئول إسرائيلى لم يفهم بعد حقيقة التطورات الجارية فى الأزمة السورية، وأن ما كان قبل الأزمة ليس هو ما بعد انتهائها، بل الإطار العام الذى أوضحه بوتين لنيتانياهو كان حاسما بدرجة جعلت التحليلات الإسرائيلية ترى نتائج الرحلة فشلا ذريعا مما يستدعى استعدادا اسرائيليا لأيام سوداء بمعنى الكلمة، أو بعبارة أخرى الاستعداد لمواجهة مع إيران التى أصبحت قريبة جدا من فلسطين المحتلة. هذا الإطار لخصه بوتين بأن إيران التى أراد نيتانياهو من موسكو أن تقيد حركتها وأن تدفعها خارج الأراضى السورية خدمة لإسرائيل المدللة أمريكيا وأوروبيا، هى حليف استراتيجى لروسيا، بينما إسرائيل ليست سوى صديق. والتعبيران يلخصان مدى حرص بوتين على علاقاته العميقة مع طهران، وأن لها الأولوية على اعتبارات الصداقة مع تل أبيب. بعض التحليلات الإسرائيلية رأت الأمر تجسيدا لرؤية موسكو فى تدعيم تحالف رباعى مع كل من دمشق وطهران وحزب الله ضد التحالف الذى تقوده الولايات المتحدة ومعها إسرائيل والذى فشل فى إسقاط روسيا فى المستنقع السورى، وبات يطرح مواجهة سنية شيعية بديلة للهزيمة فى سوريا.

نصيحة بوتين لم تكن مجرد كلمات، بل رافقتها خطوة ذات مغزى، وهى توحيد نظام الدفاع الجوى فى كل الأراضى السورية، بحيث تصبح نظم الدفاع الجوى الروسية المتطورة للغاية والعاملة فى الأراضى السورية مسئولة عن حماية سوريا بالكامل، ولما كان مدى تلك النظم يصل إلى قطر ذى مدى 600 كم، فهذا معناه عدم قدرة إسرائيل أو السفن الأمريكية القيام بغارات أو إطلاق صواريخ بعيدة المدى على سوريا. وهو ما يتكامل مع باقى عناصر التعاون العسكرى بين البلدين، والذى أقرته معاهدة تسمح بقيام قاعدة جوية روسية وأخرى بحرية فى طرطوس لمدة نصف قرن.

ولادة سوريا الجديدة باتت قريبة، مازالت هناك خطوتان؛ الأولى إتمام الإجهاز على مسلحى داعش فيما تبقى فى الرقة وبعض أجزاء دير الزور وقريبا من الحدود مع العراق، والثانية معالجة الوضع جذريا فى إدلب، والمتصور أن يكون خيارا بين أمرين لا ثالث لهما، أن يخرج مسلحو النصرة بدون أسلحة إلى حيث أتوا عبر الأراضى التركية وبعلم سلطاتها، أو أن يتحملوا ثمن مواجهة محسومة لمصلحة الجيش السورى وحلفائه. وعندها سيكون التفاوض فى جنيف على أسس تعكس الواقع الجديد وليس مجرد الأمنيات.

لمزيد من مقالات د. حسن أبوطالب

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة