الجمعة 26 من ذي القعدة 1438 هــ 18 أغسطس 2017 السنة 142 العدد 47737

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كاتب شاب يصدر 9 كتب فى 9 سنوات
محمد توفيق.. طاقة محبة وفرح وإحباط!

محمد شعير
هذه سطور تستلزم أولا المصارحة.. هى كتابة عسيرة.. مُجهدة.. لابد أن يتردد الكاتب قبلها.. إذ ليس من السهل أن تكتب عن كاتب أو كتابة.. خاصة عندما يكون المكتوب عنه له خصوصيته.. وروحه.. ومذاقه.. فكيف تعبر عنه؟.. كيف تعرضه؟..

بل كيف - بكتابتك عنه- تنافسه؟.. نعم إن فى الأمر بالطبع جانبا خفيا من المنافسة.. كيف لا؟.. «الكار» واحد وأسرار الصنعة يحفظها «الصنايعية» عن ظهر قلب.. فما العمل؟.. لكن الغيرة - بحب- من المبدع دافعة نحو الإبداع.. واستلهام أسباب النجاح لدى النابه هو رافعةٌ تقود إلى النجاح.. ولأن أولى سمات التميز فى الكاتب المكتوب عنه هنا؛ محمد توفيق، هو السهل الممتنع.. لذا فلندخل مباشرة إلى صلب الموضوع دون فلسفة.

محمد توفيق، هو صحفي. كان يمكن أن يكون صحفيا عاديا، لكنه لم يكن. وهو شاب، أستطيع بالطبع أن أصفه بالشباب، حتى لو بدا أن عمره ألف عام. كم وددت أن أسأله عن عمره، لكننى لم أفعل. خفتُ أن يردّ: «اللهم لا حسد».. فهو أصدر حتى الآن 9 كتب!.. والمسألة ليست بالعدد.. فكم من كاتب مصاب بداء الاستسهال - مشيها «الاستسهال»- فى هذا المجال.. لكن محمد توفيق - بكتبه- ليس كذلك أبدا. من عناوين كتبه، تستطيع أن تعرف ببساطة همُّه. هو مهمومٌ بالكتابة، عاشقٌ لها، متيمٌ بها، وبأباطرتها.. هذه عناوين كتبه.. «أيام صلاح جاهين» 2009.. «مصر بتلعب.. كيف تحول الشعب المصرى إلى جمهور؟» 2010.. «أحمد رجب ضحكة مصر» 2011.. «الغباء السياسي.. كيف يصل الغبى لكرسى الحكم؟» 2012.. «الخال» عن سيرة عبدالرحمن البنودى 2013.. «أولياء الكتابة الصالحون» 2014.. «النحس» 2015.. «صناع البهجة» 2016.. «الملك والكتابة» 2017.. الكتابة والإبداع عموما إذن هما عشقه.. ولأجل ذلك فقد جاء الإهداء الأول فى كتابه الأخير: «إلى حبى الأول، مَن تغار منها زوجتي.. صاحبة الجلالة». التنقيب فى سطور التاريخ بدأب وإصرار، هو وسيلته فى مسعاه نحو التوثيق والتأريخ، ليقدم لنا فى النهاية «نصوصا» بسيطة، ذات مذاق خاص، يتشربها القارئ بذات سهولة تناول الماء، لكنه بعد أن ينتهى يُفاجَأ بأنه قد بقى داخله «طَعم» الشعور الذى أراده له بالضبط محمد توفيق.. الشجن.. الحزن.. المحبة.. البهجة.. الألم.. أيا ما كان الشعور.. أو الفكرة التى يسعى الكاتب إلى ترسيخها بعمق، عبر عشرات القصص التاريخية والحواديت المروية، دون أن يكتب لك هو رأيا قاطعا محددا، حيث يعلم أنه سيقودك إلى ما يريد قوله ربما دون أن يقوله!.

فى كتابه قبل الأخير؛ «صناع البهجة»، يمنحنا محمد توفيق طاقة محبة هائلة، حتى تكاد ترى ابتسامته الشخصية الهادئة بين السطور، وهى تنقل لك كل ذلك القدر من التسامح، والقدرة على النظر فقط إلى مواطَن الجمال لدى البشر، دون تقييم لهم. فهو يقدم للقارئ 50 شخصية من الشخصيات التى أثرت وجداننا وأثّرت فيه فى مختلف المجالات، مركِّزا عدسة عينه الفاحصة على ما يحبه هو فى كل شخصية. لذلك فإننا نجده فى مقدمة الكتاب، التى جاءت تحت عنوان «ابحث عمّن تحب»، يقول كلاما قد يبدو لمعتادى الانحياز الكامل؛ مع أو ضد، كلاما غريبا متناقضا، لكنها على ما يبدو طاقة المحبة التى اتسعت للجميع.

يقول لنا توفيق مثلا إنه يحب «جبروت أم كلثوم.. ومكر عبدالحليم.. وصوت فيروز.. وموسيقى محمد فوزي.. وشباب عمرو دياب.. وتحليق منير.. وحنجرة الحجار.. ونغم أنغام.. وجدعنة تحية كاريوكا.. وسينما عاطف الطيب.. وشجن فريد الأطرش.. وضحكة هند رستم.. وفصاحة عبدالفتاح القصري.. وتدين الإمام محمد عبده.. وألق الشيخ رفعت.. ووهج الشيخ عبدالباسط.. وتبسيط الشعراوي.. وتلخيص رفاعة الطهطاوي.. وصحافة مصطفى وعلى أمين.. وأستاذية هيكل.. ومدرسة ابراهيم عيسي.. وذكاء عادل إمام.. وإتقان أحمد زكي.. و«بهجة» محمود عبدالعزيز.. ووعى نور الشريف.. ودهاء أبوتريكة.. وتواضع حازم إمام.. وحرفنة محمد بركات.. ومهارة شيكابالا».

خمسون شخصية، يقدمها لنا بـ «حرفنة»، محمد توفيق «صانع البهجة»، لينقل لنا طاقة من الفرح، بمن نحب، لكن الأمر لا يخلو أيضا من الألم، الذى يقود إلى استلهام الدروس والعبر!.

وهو يقدم لنا قصصا وحكايات، يلتقطها بنظرة «عين الطائر» الذى يحلِّق فى أجواء التاريخ، ثم ما يلبث أن يهبط لينقضّ على الهدف، ليجمع لنا من الوقائع التاريخية ما يرسم مسارا للعلاقة بين السلطة والصحافة فى مصر عبر التاريخ، أو بين الملك والكتابة، دون أن يُعلِّق كثيرا، لكنه يحدد - من البداية- المسار الذى خلص إليه بحثه، واضحا قاطعا بحسم. يقول الكاتب الشاب فى المقدمة، تحت عنوان «عذابها كان غراما!»، إن «العلاقة بين الكاتب والرئيس - أو بين الملك والكتابة- بالغة التعقيد والغرابة!.. الرئيس يريد تصفيقا حادا، وتهليلا مبالغا فيه، واتفاقا على طول الخط، وشيكا على بياض، وانصياعا تاما، ودفاعا مستميتا، وطاعة عمياء.... وبالتالى فالخلاف بين الكاتب والرئيس شبه محتّم مادام الكاتب حرا، ومبدعا، وخلاقا، وصاحب موقف، ولديه رأي، ويملك رؤية».

ويوضح أن الكاتب يدفع الثمن عادة إذا ما احتد هذا الخلاف، «وكأن هذا هو قدَر الكاتب الحق، والثمن الذى لا بد أن يدفعه ليبقى حرا، وهذا هو قدر الصحفيين، وعذاب الصحافة؛ لكن عذابها كان غراما!». والحق أن التاريخ لا بد أن يُقرأ، حتى نعرف الحقيقة ونفهم الواقع، لعلنا نمضى فى سبيل مستقبل أفضل، فى ظل عالم متغير. لذا فإن قارئ «الملك والكتابة» سوف يجد نفسه مستمتعا حقا، سعيدا بالمعرفة، وبالأسلوب البسيط السلس فى تقديمها، ذلك الأسلوب السهل الممتنع، لكنه أيضا لن يستطيع أن يغفل شعورا عميقا بالإحباط والمرارة، بسبب ضياع سنوات طويلة، سادها الرأى الواحد والرؤية الوحيدة، بما قادنا إلى التأخر والتدهور.

وقد تزيد طاقة الإحباط لدى البعض منا فتجده يسأل: أحقا يمكن أن نتغير؟!.

بالنسبة لي، لا أعرف إجابة قاطعة، سوى أننا لا بد أن نواصل - جميعا- السعى نحو التغيير، والتغير، عبر المقاومة بالكلمة، والتنوير بالمعرفة، والبدء بذواتنا، بأن نغيّر ما بأنفسنا، وبثقافتنا، وبأن نواصل الحلم والإبداع، والاحتفاء بالحالمين، والمبدعين، الذين يمنحوننا طاقات الفرح والأمل والمحبة، والذين يعد الكاتب المبدع محمد توفيق واحدا منهم دون شك، لذا فإننا لا نملك فى الختام إلا أن نقول له مثلما قال فى إهداء كتابه «صناع البهجة».. «إلى كل مبدع رسم البسمة على شفاه محبيه.. روح يا شيخ ربنا يسعدك»!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق