الجمعة 6 من شوال 1438 هــ 30 يونيو 2017 السنة 141 العدد 47688

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى التصوف الإسلامى

محمد هزاع
يمثل التصوف الإسلامي تجربة روحية خالصة في الفكر الاسلامي، نما وتطور عبر الزمن، وسجل أكابر الصوفية مواجيدهم وأذواقهم عبر أسفارهم. وتبرز مشكلة الموت من المشكلات التي شغلت الضمير البشري منذ القدم.

لذلك كانت رحلة التصوف الاسلامي من أخصب الرحلات في حضارتنا الاسلامية، إذ يمثل التصوف جانب الروح والذوق والوجدان في أسمي معانيه. ويوضح لنا الباحث والمفكر الاسلامي د. جمال رجب سيدبي أستاذ الفلسفة الاسلامية جامعة السويس في كتابه «في التصوف الاسلامي ـ دراسة ونقد»، أن التجربة الصوفية، تجربة فريدة، تجربة مبدعة خلاقة، مبينا تعريف الموت في المصطلح والدين، حيث يذهب الصوفية في تعريفهم للموت بأنه: قمع هوي النفس، فإذا ماتت النفس عن هواها بقمعه انصرف القلب بالطبع والمحبة الأصلية إلي عالمه، عالم القدس والنور والحياة الذاتية التي لا تقبل الموت أصلا. وأشار أفلاطون إلي هذا الموت بقوله: «مت بالارادة تحيا بالطبيعة». والقرآن قرن الموت بالحياة.. يقول تعالي: «الذي خلق الموت والحياة» والموت يشمل الموت السابق علي الحياة، والموت اللاحق لها. والحياة تشمل الحياة الأولي والحياة الآخرة، وكلها من خلق الله كما تقرر في الآية التي تنشئ هذه الحقيقة في التصور الإنساني. ويذهب الكاتب إلي أن قضية الموت عند الصوفية تمثل حجر الزاوية في الطريق الصوفي، فهم في حركاتهم وسكناتهم لا يريدون إلا وجه الله، فالموت هو إكسير الحياة بالنسبة لهم، فالحياة الحقيقية هي الامتلاء بنور الجمال والجلال، والموت هو الفناء عن الوجود إلي دار السعادة والخلود. انهم قوم هامت نفوسهم بحب الله وذابت قلوبهم تحرقا وشوقا للقاء الله. وقد قيل لبعضهم أتحب الموت؟! فقال: القدوم علي من يرجي خيره، خير من البقاء مع من لا يؤمن شره. وروي عن ابن ماجه عن ابن عمر أنه قال: كنت جالسا مع رسول الله (صلي الله عليه وسلم) فجاء رجل من الأنصار فسلم علي النبي (صلي الله عليه وسلم)فقال يا رسول الله: أي المؤمنين أفضل؟ قال: أحسنهم أخلاقا قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الأكياس». وقد روي عن النبي (صلي الله عليه وسلم) الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت». ويشير الكاتب إلي أن الصوفية قد ربطوا بين المحبة والمعرفة والموت في رباط وثيق، وهذا إن دل علي شيء، فإنما يدل علي أن مشكلة الموت قد ارتبطت بالنسق العام عند الصوفية. وليس ثمة شك في أن موقف الصوفية من الدنيا، يرتبط بشكل أو بآخر بمشكلة الموت، فقد ربط الصوفية بين الدنيا والآخرة في رباط وثيق، وجاءت الآيات القرآنية لتحذر الناس من الانغماس في شهوات الدنيا، ولكن فرق كبير بين أن نعيش للدنيا وأن نعيش في الدنيا من أجل الآخرة. ويذكرنا الباحث الاسلامي د. جمال رجب سيدبي أن العاقل هو الذي يتوب قبل الموت توبة طاهرة عن الذنوب والخطايا، والامام الغزالي يحذرنا من الغفلة ويوضح موقف الناس من ذكر الموت ويصنفهم إلي ثلاثة.. إما منهمك، وإما تائب مبتدئ، وإما عارف منته.

فالمنهمك في الدنيا المكب علي غرورها المحب لشهواتها، يغفل قلبه عن ذكر الله، وإذا ذُكر به كرهه ونفر منه أولئك هم الذين قال الله فيهم «قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلي عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون» (الجمعة: 8)

والتائب فإنه يكثر من ذكر الموت لينبعث به من قلبه الخوف والخشية. أما العارف من فوض أمره إلي الله فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة.

وينتقل الكاتب للحديث عن موقف الوجوديين من مشكلة الموت حيث اهتمت الفلسفة الوجودية بقضية الانسان بشكل عام ومشكلة الموت بشكل خاص، وقد أضحت مشكلة الانسان هي أهم سمات الفكر المعاصر ويحتل موضوع الموت مكانا بارزا في كتابات الوجوديين.

ويطرح الكتاب لاشكالية الموت في زمن طغت فيه القيم المادية علي القيم الروحية، ونظرا لهذه الموجة المادية العاتية فنحن أحوج ما نكون في حياتنا المعاصرة إلي محاولة الترقي بالنفس الانسانية في المجال الأخلاقي وتربية النفس والضمير والتذكير بالموت، وهي غاية أخلاقية كان يهدف الصوفية من ورائها تصحيح سلوك المسلم. وتوصل الكاتب إلي عمق الصلة بين المحبة والمعرفة وتصفية القلب، فلا محبة إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بمحبة صادقة ولا محبة صادقة إلا بعد تصفية القلب من أكدار الشهوات. الكتاب فيه إثراء للمكتبة الإسلامية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق