الجمعة 14 من رمضان 1438 هــ 9 يونيو 2017 السنة 141 العدد 47667

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شاهد من قلب المعركة يبشر بالنصر
قائد المنطقة المركزية في 67 يروي شهادته عن 5 يونيو في أجرأ كتاب بعد 10 رمضان

«ولست أدري إن كان اليوم مناسبا كي أجازف وأقدم هذا الكتاب إلى القراء ونحن نعيش فرحة النصر العظيم الذي حققته قواتنا المسلحة في 6 أكتوبر المجيد»

«إن هزيمة 67 لم تكن إلا كبوة جواد أصيل، ولم تكن ميزانا عادلا يحكم به على أصالة الجندية العربية عموما، والمصرية خاصة، لقد كانت حدثا عارضا، نشازا في التاريخ، وتيارا معاكسا لحتميته، قد يؤخر بلوغ النتائج الطبيعية ولكنه لا يمنعها وعلى هذا الأساس فليس في الأمر مجازفة إذا ما ذكرنا كبوتنا ونحن في قمة أمجادنا».

.......................................................

هذه الكلمات جاءت في مقدمة واحد من أول وأكثر الكتب جدية وأهمية التى صدرت عن حرب 5 يونيو 1967 وهو بقلم الفريق صلاح الدين الحديدي أحد القادة العسكريين الذي تجرعوا مرارة الهزيمة ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب الذي اختار مؤلفه عنوانا بسيطا ومباشرا له وهو «شاهد على حرب 1967».

ورغم أن الفريق الحديدي شرع في كتابة شهادته تلك في النصف الثاني من عام 1968، إلا أن نشر الكتاب عن دار الشروق، تم في عام 1974 بعد نصر أكتوبر الذي محا عار الهزيمة واستعاد المقاتل المصري كرامته بعد أن فاجأ العالم بدحر الجيش الإسرائيلي في وقت اعتقد فيه الكثيرون أن مصر لن تقوم لها قائمة قبل ثلاثين عاما على الأقل وصرح فيه القادة الإسرائيليون بأن الفجوة العلمية بين الجيش الإسرائيلي والجيش المصري لا تقل عن خمسمائة سنة!.

وكأن هذا الكتاب ما قدر له أن يرى النور إلا وأهل مصر فرحين بما أتاهم الله من نصره في العاشر من رمضان، غير أنه في هذا العام 2017 الميلادي وعام 1438 الهجري، حدث ما لم يحدث منذ تاريخ وقوع الهزيمة فإذا بالعاشر من رمضان ذكرى النصر يتوافق مع الخامس من يونيو ذكرى الهزيمة.

الكتاب مقسم إلى ثلاثة وعشرين فصلا في ثلاثة أبواب بعد المقدمة وكلمة من المؤلف يبين فيها لماذا هو «شاهد» على الحرب.

واعتمد الفريق الحديدي منهجا موضوعيا خلا من النبرة الخطابية الحماسية ولم يعمد إلى نسب دور بطولي ما لنفسه مع أنه كان واحدا من كبار القادة ولم يبرئ أو يدين أحدا بعينه، مكتفيا بعرض ما سمح له موقعه كقائد وكمؤرخ لحدث تاريخي عسكري من طراز فريد، بالرغم من تأكيده على أنه ليس مؤرخا وأنه فقط يضع شهادته تحت يد المؤرخين، فهو كتبه بضمير الشاهد فقط الذي يقسم على صحة شهادته أمام التاريخ. الفريق الحديدي تقلب في عدة مواقع قيادية قبل أن يتقاعد بعد حوالي عام من النكسة، ومن بينها أنه كان قائد المنطقة المركزية في تلك الفترة، كما ترأس المحكمة الشهيرة لقادة الطيران بعد الهزيمة. الصفحات التى جاوزت المائتين من القطع الكبير في طبعة الكتاب الأولى، تفيض بالحقائق المريرة والمفاجآت التى تبعث أحيانا على السخرية المرة من طريقة إدارة الأحداث أو القرارات أو المصادفات والعلاقة المريبة ما بين السلاح والسياسة.

ولم ينس المؤلف أنه قائد عسكرى، فإن هناك العديد من الأسرار لا ينبغي له أن يشير إليها ولو من بعيد، منتظرا التوقيت المناسب بعد مضي المدد المقررة، غير أننا لسنا بحاجة شديدة لكشف الأسرار أي كانت، فهذه الأسرار يمكن أن تكون تفاصيل لأحداث أو قرارات ما قد يفيد إطة اللثام عنها المتخصصين من المؤرخين أو العسكريين أو الدارسين,

لكن الحقائق سواء هذه الظاهرة للعيان أو تلك التى يسهل التوصل إليها، والتى لا تخضع لقوانين السرية، من الكثرة بحيث يمكن من خلالها ببعض المجهود للقارئ العادي أن يكون الصورة العامة.

وليست مهمة كشف الحقائق هي لإقامة محافل الندب العويل كما حدث في كثير من الكتب التى تناولت النكسة أو لتصفية حسابات سياسية، فالفريق الحديدي رجل عسكري قح لم يشغل نفسه ولا انشغل في شهادته بمثل هذه الأمور التى تسيطر عادة على الأجواء عند تناول أمر ما سياسيا كان أم غير سياسي.

سيصدمك هذا الكتاب كثيرا وهو يتحدث عن بعض الأوضاع في إدارة وحجم القوات المسلحة قبل الحرب بعدما تكلفه تطويرها من جهود مضنية ومبالغ طائلة، ستتعجب كثيرا عندما تحاول أن تفسر حركة ترقيات وتنقلات الضباط في العام السابق على الحرب وما لازمها من بالتعبير الشعبي «كوسة» عبر عنها الفريق الحديدي بتعبيرات أكثر لياقة ولكنها حقيقية بـ»الولاء أو الكفاءة» وبالطبع انتصر الولاء على الكفاءة كما هو معهود من سماتنا المصرية التاريخية الصميمة. ستتعرف أن عددد الضباط لم يكن كافيا في قطاعات القوات المسلحة سواء من العاملين أو الاحتياط ومع هذا فالإجراءات لم تكن كافية للتغلب على ذلك العجز.

سيتملكك الغضب والشفقة معا على عشرات الألوف من جنود وضباط القوات المصرية في جبال اليمن وهم ينفذون مهام «العملية 9000» الاسم الحركي لحرب اليمن الدائرة على بعد ثلاثة آلاف كيلو متر من سيناء وكيف كانوا يسمعون أنباء الحرب وبأيديهم بنادق ليس في مرماها جندي إسرائيلي واحد وهم لا يملكون إلا الدعاء والضرب بأرجلهم على الأرض غيظا وآذانهم ملتصقة بسماعات الراديوهات وستدهش من وصف جغرافية شبه جزيرة سيناء وكيف أن الجيش المصري يحفظها شبرا شبرا.

ولا أدرى كيف سيكون تفسيرك لخفض ميزانية القوات المسلحة المصرية في العام 1966/1967 مع تخفيض التدريبات والمناورات توفيرا للمصروفات إلى درجة خفض قوات الضربة المضادة الواقعة على أرض سيناء الشرقية وهي أول ما سيلقاه العدون هذه القوات تم تخفيضها بنسبة 30% من المعدات والأفراد، أما القوات الجوية على أهميتها في مواجهة دولة تعتمد على الطيران، فقد أخذت هي الأخرى نصيبها من التخفيض، حيث تم تأجيل إنشاء مطارات كان قد رؤي إنشاؤها لمنع تكدس الطائرات في المطارات المحدودة المتيسرة، كما خفضت ساعات تدريب الطيارين ليصلوا إلى مستوى عال في كفاءاتهم القتالية.

هناك أمر في غاية الأهمية حول التزود بالمعدات القتالية، فقد كان سلاحنا بالكامل يأتى من الاتحاد السوفيتي وكانت معدات القتال تصل على فترات متباعدة وأحينا لا تصل إطلاقاّ.

«وكان هذا بلا شك يرتبط ارتباطا وثيقا بسير العلاقات السياسية بين مصر والاتحاد السوفيتي مريرة «كما لم تكن هناك خطة عامة التسليح للوصول بالقوات المسلحة في تاريخ محدد، مهما طال أمده، إلى موقف يسمح لها بإجراء هجوم عام، بعد وصول أنباء عن حشود إسرائلية لغزو سوريا، لكن هذه المعلومات قد وصلت إلى القيادة السياسية في مصر عن طريق مصادر أخرى أسماها المؤلف بالمصادر السياسية وليس عن طريق المصادر التقليدية المنوط بها الأمر من أجهزة الدولة والتى نفت ما ورد من معلومات عن تلك الحشود لكن القرار كان ووقعت الحرب بناء على هذه المعلومات التى نفتها أجهزة الدولة، حتى ليبدو الأمر مريبا يحمل شبهة التوريط في حرب لم يتم لها الاستعداد الكافي.

ويتساءل الحديدي سؤالا حائرا: «هل ضُللت القيادة السياسية؟!».ولابد أن ستضحك كثيرا ولو بمرارة على المصادفة التى جعلت السماء تمطر في وسط جو ترابي عاصف مما عطل أسراب السيارات التى تحمل القوات حتى تكدست وهي في طريقها إلى الجبهة في «عز حر يونيو» فالعربات غير مزودة بمساحات المطر لأن القائمين على الصيانة لم يتعودوا أن تمطر سماء مصر في مثل هذا الوقت من العام!.

وفي النهاية سيتملكك العجب عندما تستخلص أن القوات المسلحة المصرية كانت قوية رغم كل شيء وكان بوسعها رغم كل شيء أن تخوض معركة ناجحة لو حسن الاستعداد وتحول الدفة لصالحها، فأساطين الحرب يقررون أن «مصير أي حرب يتحدد قبل أن تدوي الطلقة الأولى» ولكن سبق السيف العزل وكان ما كان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق