الجمعة 24 من رجب 1438 هــ 21 أبريل 2017 السنة 141 العدد 47618

رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«عش النمل» شهادات رموز السياسة والأدب على أحداث نصف قرن
مصطفى سامى
فى أيام الأزمات ما أحوجنا الى ان نعود الى الماضى والى رموزنا فى السياسة والثقافة والأدب والفن لنتعرف على أفكارهم ومراحل حياتهم بانجازاتها وأخطائها ، فربما تقودنا حكاياتهم الى طريق إصلاح ما فسد أو تدفعنا الى أن نستخدم طرق العلاج التى استخدموها . لكن التاريخ اذا كان لايعيد نفسه فعلى الأقل من حقنا أن نتعرف على الجيل الذى عاصر هذه الأحداث فقد غابت حقائق مما جرى بحكم فرض الرقابة أو لغياب الشفافية أولطبيعة نظم مضت لم تؤمن بأن من حق الشعب أن يعرف وأن الحكام يتصورون أن المواطن ليس مؤهلا ليمارس حقه فى المعرفة وإبداء الرأى .

...................................................

‎ كتاب الصحفية والكاتبة سهير حلمى الذى صدر مننذ أشهر بعنوان « عش النمل « من الكتب القليلة التى أرى أن أى مثقف فى أشد الحاجة الى قراءته . إنها تعرض بأسلوب الأديبة والفنانة آراء وحقائق لم تكن متاحة لنا بفعل الرقابة وغياب الشفافية ، فالمعرفة يمكن أن تودى بصاحبها الى السجن خاصة اذا تجاوزت حدودا معينة ! المؤلفة تعود بنا الى الزمن الجميل الذى كان لدينا فيه القدرة على أن نحلم بمصر أخرى يعيش أبناؤها مجتمع الأمان والرفاهية مثل شعوب سبقناها فى التقدم السياسى والثقافى والصناعى لكنهم نجحوا وتراجعنا أو وقفنا ولم نتحرك خطوة الى الأمام . كنا نعيش ببساطة حلم التغيير فى الستينيات الذى تحول الى كابوس فى السبعينيات وانحدار فى الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى .

‎ نجحت سهير حلمى بتقدير ممتاز فى حواراتها مع قادة كبار سياسيين واقتصاديين ومثقفين من صناع القرار واستخرجت منهم - بمهارة المحاور الواعى والمدرك لمهمة الصحفى – أسرارا تذاع لأول مرة ، وتعرفت على حقائق مهمة غيرت كثيرا مما ذكر فى كتب التاريخ ، وإعترفوا بأخطاء كانت سببا فى عثرتنا يمكن أن تكون دروسا هامة ليتلافاها حكامنا فى المستقبل . أجرت حوارات بالغة الأهمية مع من كانوا فى الصف الأول الذين تجرى وراءهم أضواء الاعلام وقدمت لنا هذا الكتاب المهم الذى أوصى أى مثقف بقراءاته بأسلوب رشيق جمع بين الصحافة والأدب .

سهير حلمى فى هذا الكتاب الرابع فى سلسلة مؤلفاتها أرى أنها تفوقت على كل أبناء جيلها فى أدب الحوار الذى حصلت من خلاله على جائزة أستاذنا الراحل مصطفى أمين عام 2005 وجائزة دبى فى الصحافة العربية عن الحوار الصحفى عام 2007 .

‎ عرضت علينا الكاتبة فى 300 صفحة من كتابها بعنوان «عش النمل « 25 من الكبار فى السياسة والاقتصاد ونجوما فى الشعر والأدب والفن ومحترفين « فى كل الفنون « كما أطلقت عليهم، وحكماء وفلاسفة ثم إختارت فى الفصل الأخير عددا من الرموز ممن سمعنا كثيرا عنهم لكننا لم نقترب منهم فقد كانوا لايحفلون كثيرا بالأضواء وقد أطلقت على هذا الفصل الأخير « ظلال الحكايات « . ولأن الكتاب تتعرف عليه من عنوانه فمقدمة الكتاب توحى للقارئ الى حد كبير لأن يتعرف على المؤلفة . السطور الأولى من المقدمة تقول : « رؤى انكشفت ووجوه عايشت، وأحداث انقضت وأرواح غادرت وشجون دفنت وخبرات تراكمت من نفوس غنية يجرى لسانها بالحكمة ... تموت الحكاية اذا رويت بطريقة واحدة كما قال الحكماء ، فالحكى المتنوع ينعشها ويكشف شيئا من أسرارها وظلالها ... «

‎ لماذا «عش النمل « تقول الكاتبة : لم يكن هناك أفضل من هذا العنوان الذى يعكس روح الكتاب وغزارة سرده وهيمنة شخصياته على مجالاتهم بدأب ونظام ومكابدة وكدح فى عقد لم تنفرط حباته أبدا . هوالنمل بقرون استشعاره وعمله فى صمت وحكمة [ لاحظ خيال الكاتبة ] وشجاعته التى غيرت مسار جيش سليمان . هو النمل بعزمه الذى لايستطيع أن يثنيه أى كائن عنه ... حياته هى عمله الى الأزل .

‎ تضمن الجزء الأول من الكتاب حوارات مع شخصيات كانت لها بصماتها التى إنطبعت على الحياة السياسية فى مصر وكانت لها أدوارا بارزة لعبت بقراراتها أدوارا مهمة فى التغيير . فالدكتور عبدالعزيز حجازى الذى رحل عن عالمنا منذ عامين أسندت اليه ووزارة المالية بعد هزيمة 1967 وهو عندما يتحدث عن الجمعيات الأهلية بكل مالها وما عليها يقول إنها بلغت مايقرب من 30 ألف جمعية يجب الاشراف والتنظيم والرقابة عليها ولاتترك سداح مداح كما يريد البعض فنحن مجتمع له طبيعة خاصة تفرضها الظروف الأمنية والقلة القليلة من تلك الجمعيات هى الملتزمة وتشعر بواجبها إزاء الطبقات الفقيرة والألف قرية المعدمة . ويستطرد الدكتور حجازى قائلا : جمعيات حقوق الانسان بصفة خاصة تحاول الانفلات من القانون والاستقواء بالخارج .وقد حصلت هذه الجمعيات فى السنوات الأخيرة على مليار جنيها فى صورة دعم من الخارج ، لكننى سوف أقف لهم بالمرصاد !! وكما تعرض الدكتور حجازى لهجوم ضار من المسئولين عن هذه الجمعيات [ فبعد ثلاثين عاما وقبل شهور من ثورة يناير واجهت السيدة فايزة أبوالنجا وزيرة التعاون الدولى نفس الهجوم عندما كشفت عن خطايا هذه الجمعيات ويواجه الآن المسئولون فى الحكومة نفس الهجوم من رؤساء هذه الجمعيات التى تمول من الخارج وترفض أى رقابة عليها ] .

‎ لم يكن د. حجازى سياسيا بل كان إقتصاديا قديرا وقد كان أول من أدخل محاسبة التكاليف كمادة أساسية فى قسم المحاسبة بكلية تجارة القاهرة بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة برمنجهام فى إنجلترا وعودته الى القاهرة . كان من الأسماء المعروفة التى تحظى بالاحترام ومعروف عنها النزاهة فى المجالات السياسية والاقتصادية والمالية لذلك إختاره الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وزيرا للمالية فى عام 1968 بعد عام من النكسة ليقود الحكومة فى أثناء حرب الاستنزاف. . د.حجازى ينتمى الى الأجيال التى تعتمد على كفاءتها وعقولها فى الصعود الى القمة فأمراض الوساطة والمحسوبية و» إبن فلان وعلان « لم تكن قد أصابت مجتمعنا فى هذا العصر .تدرج فى الوظائف من مأمور ضرائب فى الدرب الأحمر فور تخرجه فى الجامعة عام 1944 حتى إختير وزيرا للمالية جعله يحدث طفرة كبيرة فى النظام الضرائبى فكان أول قرار إتخذه إصدار البطاقات الضريبية التى نعمل بها حتى الآن ، وهو صاحب سياسة الخصم من المنبع االتى يعمل بها حتى الآن بنسبة 15% للمهنين لكنها خفضت بعد ذلك الى 5% فقط . يمتد الحوار مع د. حجازى فيتحدث عن الانجازات التى تحققت فى عهده وفى العهود السابقة وقد بلغت معدلات النمو 4و5 لكنه يؤكد أنه اذا لم ينعكس النمو على حياة المواطن العادى فلا قيمة لهذا النمو . وهو يعارض تحديد الحد الأدنى للأجور . المهم فى رأيه دخل المواطن الذى يوفر له حياة كريمة .

‎ الدكتور حجازى عمل مع الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات فى فترة بالغة الحرج . وسألته الكاتبة عن الذى يميز أسلوب كل منهما : يتحدث عن عبدالناصر رحمه الله فيقول إنه كان إنسانا متواضعا حاد الذكاء ، ولم يكن دكتاتورا كما ردد البعض . وقد فرض ضريبة الجهاد التى جمع منها أموالا طائلة كانت مخصصة للمجهود الحربى وكان أهم ما يميز عمله مع عبدالناصر هو مراعاة الأولويات التى كانت على التوالى : الاعداد للمعركة وضغط الانفاق والتنمية ومراعاة الطبقات الفقيرة .

‎ الانفتاح

‎عمل د. حجازى عامين مع عبدالناصر وخمسة أعوام مع السادات ، وسألته المؤلفة عن كيفية تحويل دفة الاقتصاد من الاشتراكية الى الانفتاح ؟

‎ يرد د. حجازى بأن الانفتاح كان مطروحا وفرضته الظروف الخارجية والسياسات العالمية التى تدير النظام الاقتصادى ، فقد كانت هناك دراسات فى عهد محمد فوزى واستكملتها فى عهد عزيز صدقى وكنت عضوا فى اللجنة التى تشكلت لدراسة الانفتاح من د. القيسونى ونظمى عبدالحميد ود. اسماعيل صبرى عبدالله الذى رغم أنه كان يساريا فإنه كان مقتنعا بالظروف التى استجدت والتى تتطلب التغيير وديناميكية الاقتصاد ، لكن عزيز صدقى كان مخلصا تماما للاشتراكية فتعثرت الدراسة وأنجزتها فى عهدى حينما توليت رئاسة الوزراء عام 1974 . لكن الانفتاح الذى شاركت فى إرسائه كان قانونا وليس سياسة ولست مسئولا عن التجاوز فى الممارسات . إستقال د. حجازى بعد سبعة أشهر من منصيه وقبل الرئيس السادات الاستقالة وسألته المؤلفة عن الأسباب رغم نجاحه فى تحقيق طفرات هائلة فى الاقتصاد ، وجاء رده : « فوجئت بمظاهرات ضدى تجوب الشوارع وتهتف « حجازى بيه كيلواللحمة بقى بجنيه « كان الهدف أن أرضخ لرئيس مجلس الشعب سيد مرعى الذى كان يطالب بمكافآت للعمال من شأنها أن تضع عبئا على الخزينة وإعترضت وأبلغت الرئيس السادات خاصة وأن وزير الداخلية ممدوح سالم كان يتآمر على طمعا فى المنصب ، وقبل السادات إستقالتى وأسند رئاسة الوزراء لممدوح سالم .

‎ الحوار مع د. عبدالعزيز حجازى يستحق مساحة أكبر فهناك أخبار مهمة أخرى تستحق النشر ، لكن هناك أيضا25 شخصية فى الكتاب تستحق الكتابة عنها خاصة ممن كان لهم أدوار بارزة على المسرح السياسى لوطننا وكلها شخصيات مهمة سوف أختار من بينهم ما يتناسب مع المساحة المخصصة لعرض الكتاب .

‎ دنيا السياسة التى تناولت الفصل الأول من الكتاب تضمنت تسع شخصيات كل منها يستحق صفحة كاملة .

‎صلاح دسوقى محافظ القاهرة

‎ضابط الشرطة الذى إقترب من عبدالناصر وكان أصغر محافظ للقاهرة . واحد من أبطال العالم فى الشيش . أى قارئ لهذا الحوار يشعر بالأسى على ما وصل اليه حال القاهرة عروس الشرق الأوسط التى كانت واحدة من أجمل مدن العالم تستحم وتتزين كل مساء بالماء والصابون .

‎عندما تطرق حواره مع سهير حلمى حول عبدالناصر – الذى رشحته الشائعات فى الستينات ليكون زوجا لاحدى بناته – قال لها : عبدالحكيم عامر كان أكبر نقطة ضعف فى حياة عبدالناصر وكان مبعثه إعتزازه بالصداقة القديمة بينهما لكن المشير لم يقدر ذلك وكان ورجاله مشغولون بالسلطة . وقد أسفر عن هذه الصداقة الحميمة والثقة العمياء كارثة 1967 . .

‎ أحمد حمروش

‎أحد رموز اليسار بين الضباط الأحرار ، وأحد قادة الحركة الشيوعية منذ منتصف الأربعينات . قال عن عبدالناصر: أنه كان العقل المدبر لثورة 1952 منذ البداية . لكن الضابط المناضل رغم صداقته وتقديره الشديد للزعيم الراحل جمال عبد الناصر لاتمنعه صداقته من أن ينتقد مواقف كثيرة له تسببت فى بعض السلبيات . تميزت شخصية عبدالناصر بالحذر الشديد نتيجة عمله السرى فى تنظيم الضباط الأحرار فهو لم يبلغ المشير عامر بقرار تأميم قناة السويس الا قبل إعلان القرار ب24 ساعة فقط، كما أنه لم يبلغ صلاح نصر رئيس المخابرات عندما قرر سحب قوات الطوارئ الدولية عام 1966 فقد كان عبدالناصر يخشى دائما حدوث إنقلاب مضاد ضده !!

‎ الروائى الكبير خيرى شلبى الذى لم يأخذ ما يستحقه من تكريم غلب على أسلوب الكاتبة فى الأسئلة وعرض الاجابات الطابع الأدبى الذى تتميز به . فتقدم خيرى شلبى للقراء وتقول : شان الفحم الأصيل القابل للاشتعال بأقل جهد يصوغ الروائى المبدع خيرى شلبى من تجاربه الذاتية وطفولته الشقية عالما سحريا من الحكى . عالم يحفل بالكتابة عن الأرض والفلاح وأصحاب الحرف بلغة طازجة تنتفض مع الأحداث وتراعى مقتضى الحال .

خيرى شلبى مصرى أصيل دائم البحث عن العدل فى الأرض والخلاص فى السماء . صبور يؤمن بتعاقب الليل والنهار لكنه يثور عنمدما يشعر بالاهانة . إنه الفلاح كما صوره أيوب الرواية العربية خيرى شلبى فى أكثر من سبعين رواية ترجمت الى عدة لغات . الكاتبة تنبش بدأب فى عقل محاورها للتعرف منه على أصوله الثقافية والعرقية والطبقية التى إنعكست على كتاباته بالدفاع عن الفقراء والفلاحين وأبناء الطبقة العاملة . فوالده أنجب 17 إبنا ولايملك سوى قطعة أرض بور . فى سن العاشرة إضطر الى الانضمام لعمال التراحيل وسافر معهم فى هذه السن الصغيرة يحمل زاده من الذكريات الغضة البريئة و( زواده) من العيش والقراقيش ومصروف ربع جنيها لمدة 15 يوما ، ويقول أنها كانت تجربة ثرية غيرت مجرى حياته وفتحت له آفاقا جديدة . كان يكتب الخطابات لرفاقه العمال الذين لايقرأون ولايكتبون وأدرك أن الحكى أفضل أداة سحرية للتواصل والالتحام بالبشر. لقد تعلم من هؤلاء الأنفار ما لم يتعلمه من الكتب والمراجع وقد تعلم منهم الفلكلور واللغة الحقيقية المعبرة عن القاع الاجتماعى وبعد أن حصل على الابتدائية التحق بمعهد المعلمين بدمنهور لكنه كره الدراسة لأن المدرسين كانوا منحازين لأبناء البلدة الذين لم يكونوا فقراء مثله . ترك الدراسة نتيجة شعوره بالتفاوت الطبقى الذى كان متجذرا فى المجتمع المصرى . مثل تلك النشأة لانتوقع من صاحبها سوى الدفاع عن الطبقة التى ينتمى اليها وعاش بين أفرادها .

‎ أسئلة كثيرة بالغة الأهمية طرحتها مؤلفة الكتاب و25 شخصية هم القمم فى السياسة والثقافة والأدب والفن كل منهم كشف فى حواره أسرارا ومعلومات مهمة لم تسمح المساحة المحدودة بعرضها ، لكننى أردت بهذا العرض المختصر أن أقدم للقارئ فكرة الكتاب والجهد المضنى الذى بذلته سهير حلمى فى حوارها مع هذه القمم وفى إعداد الأسئلة التى تفك ذكريات كل شخصية وتفتح شهيتها للحديث بحرية .

‎ كتاب «عش النمل « هو واحد من أهم ما صدر من كتب عن دور النشر فى عام 2017 لما يتصمنه من أسرار ومعلومات تهم كل سياسى ومثقف مصرى وعربى من المهمومين بشئون أوطانهم .

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق