الجمعة 24 من رجب 1438 هــ 21 أبريل 2017 السنة 141 العدد 47618

رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

حكمة القضاء والبرلمان

تسارعت فى الآونة الأخيرة أحداث بوادر أزمة ـ أراها غير مبررة ـ بين القضاء والبرلمان(السلطتين القضائية والتشريعية )، بمناسبة مشروع قانون تقدم به أحد نواب البرلمان، مفاده ـ فى صيغته النهائية التى أقرها مجلس النواب - سلطة رئيس الجمهورية فى تعيين رؤساء الجهات والهيئات القضائية (وهى محكمة النقض ومجلس الدولة والنيابة الإدارية وقضايا الدولة) من بين ثلاثة من نوابهم، يرشحهم المجلس الأعلى لكل منها من بين أقدم سبعة نواب، وذلك لمدة 4 سنوات او المدة الباقية حتى بلوغه سن التقاعد أيهما أقرب ولمرة واحدة طوال مدة عمله، وأنه يجب إبلاغ رئيس الجمهورية بأسماء المرشحين قبل نهاية مدة الرئيس (الحالي) بستين يوما على الأقل، وفى حالة تعدم تسمية المرشحين قبل انتهاء الأجل المذكور، أو ترشيح عدد يقل عن ثلاثة، أو ترشيح من لا تنطبق عليه الضوابط المذكورة فى الفقرة الأولى يعين رئيس الجمهورية، رئيس الجهة أو الهيئة من بين أقدم سبعة من النواب.

وتتابعت الإجراءات الدستورية بشأن هذا الاقتراح، فقد استند مقدم الاقتراح إلى المادة (122) من الدستور التى منحت لكل عضو فى مجلس النواب الحق فى اقتراح القوانين وألزمت المادة (185) منه البرلمان بأخذ رأى كل جهة أو هيئة قضائية فى مشروعات القوانين المنظمة لشئونها، ومن ثم، أرسل مجلس النواب المشروع بقانون (فى صيغته المبدئية) للمجالس العليا لتلك الجهات والهيئات القضائية، ووردت بعض الآراء من تلك المجالس على تفصيل فى ذلك ليس هذا مقامه، ووفقا للمادة (190) من الدستور أحال مجلس النواب لمجلس الدولة هذا المشروع لمراجعته.

وقد أعد قسم التشريع بمجلس الدولة تقريرا، ترأس اجتماعات جلساته رئيس المجلس، بشأن مشروع القانون، صدّره بعبارات بليغة لحكم تاريخى للمحكمة الدستورية العليا جاء فيه أن: الرقابة على الشرعية الدستورية يجب بالضرورة أن تكون رقابة متوازنة لا تميل اندفاعا ، بما يؤذن بانفلاتها من كوابحها، ولا تتراخى تخاذلا بما يخرجها عن الأغراض التى تتوخاها ، ليظل أمرها دوما مقيدا بما يصون موجباتها ، ويرعى حقائقها ، وبما لا يعزلها عن جوهر مراميها كأداة تكفل فى آن واحد سيادة القانون، ومباشرة السلطتين التشريعية والقضائية لاختصاصاتهما الدستورية وقد نعت التقرير مشروع القانون بعيب عدم الدستورية لمخالفته نص المادة (185) سالف الإشارة إليها ، لأن المشروع لم يعرض على تلك المجالس فى صيغته النهائية التى أقرها مجلس النواب ، وأوضح وجوه الاختلاف بين المشروع الذى أرسله مجلس النواب للمجالس القضائية وبين ذلك الذى وافق عليه وأرسله لمجلس الدولة لمراجعته ، كما وصف تقرير مجلس الدولة مشروع القانون بمخالفة مبدأ الفصل بين السلطات المقرر فى المادة (5) من الدستور لأنه يجعل من رئيس الجمهورية وهو رئيس السلطة التنفيذية بموجب المادة (139) من الدستور سلطة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية ، فإنه بذلك يسلط السلطة التنفيذية على السلطة القضائية ، ويهدر مبدأ الفصل بين السلطات ، كذلك فإن التقرير وصم المشروع بمخالفة مبدأ استقلال القضاء.

وقد ثارت بشأن تلك الأحداث و الإجراءات ، ثلاثة تساؤلات جوهرية، يمكن إيجازها فيما يلى:

أولا :هل يشكك أحد فى نبل الغاية التى يتوخاها هذا المشروع والتى أفصحت عنها المذكرة الإيضاحية أن سريان مبدأ الأقدمية بصفة مطلقة وما أدى إليه ـ بعد أن أصبح سن التقاعد للقضاة سبعين عاما ـ عدم قدرة بعض من تم تعيينهم على أداء الرسالة المنوطة، مؤكدا أن هذا التعديل سيعطى فرصة أوسع لترشيح الهيئات القضائية لثلاثة من النواى يختار رئيس الجمهورية احدهم لتعيينه رئيسا لكل هيئة وأضافت المذكرة الإيضاحية أن: هذه الطريقة الجديدة فى اختيار رؤساء هذه الهيئات أعطت للهيئات حق الترشيح لثلاثة من نوابها وحصر دور رئيس الجمهورية فى اختيار احدهم كما تم رفض تعديل سلطة المجالس الخاصة من مجرد أخذ الرأى الذى لرئيس الجمهورية مخالفته ، وتعيين من يرى من النواب ، إلى قاعدة الترشيح وانحسار سلطة رئيس الجمهورية فقط فى إطار من ترشحهم مجالسهم الخاصة، وهذا دليل قاطع على دعم استقلال تلك الجهات والهيئات القضائية طبقا لما نص عليه الدستور الحالي.

ثانيا: هل يشكك أحد فى نبل الغاية التى دعت القضاة أن تتواصل اجتماعاتهم ولقاءاتهم فى مجالسهم ونواديهم ، ويصدروا بيانات تعلن رفضهم هذا المشروع ، ومنها بيان نادى قضاة مصر الأخير ، والذى جاء فيه أنه اكان الأجدر بالمشرع وأقوم السعى صوب إعداد مشروع قانون كامل متكامل للسلطة القضائية، يكفل الاستقلال التام للقضاء- طالما كانت النوايا والأنفس تصبو لذلك- لاسيما فى ظل قيام نادى القضاة بإعداد مشروع متكامل يكفل ذلك أن نادى القضاة وإزاء تلك المجريات والأحداث- يذكّر مجلس النواب- دون التدخل فى اختصاصه الأصلى بالتشريع -بضرورة احترام رغبة جموع القضاة، برفض ذلك التعديل على نحو ما قد أوضحنا، وذلك كله التزاما منه بأحكام الدستور والثوابت القضائية وإنه على ثقة من أنه لن يهدر أحكام الدستور أو ينتهك استقلال القضاء فى هذا الوطن الذى يخطو بخطى ثابتة نحو التقدم والازدهار فى ظل سعى كل مؤسسات الدولة وحرصها على تحقيق ذلك.

ثالثا: هل يتشكك أحد فيما يمكن أن تجره تلك الأزمة بين السلطتين القضائية والتشريعية فى النسيج الوطنى للمجتمع، الذى يسعى الجميع إلى رأب الصدع الذى يمكن أن يفت فى عضده، أو ينال من قدسية كل من هاتين السلطتين فى كيان الدولة. يقينا الإجابة فى جميع تلك التساؤلات بكلمة واحدة وهى (لا)..

وأشهد من واقع تجربتى العملية الواقعية لعشرات السنوات سواء على منصات القضاء أو قاعات البرلمان، أن كلا السلطتين القضائية والتشريعية تعمل من أجل صالح كل منهما للآخر، فى إطار الأهداف القومية العليا للبلاد والتزاما بأحكام الدستور ؛ فالسلطة التشريعية مهمتها سن تشريعات تلبى احتياجات السلطة القضائية وتعكس إرادتها، والسلطة القضائية مهمتها تطبيق تلك التشريعات التى تسنها السلطة التشريعية، وفق مقتضيات العدل والحق .

وقد تجلت حكمة كل من القضاء والبرلمان فى تداعيات تلك الأزمة ، فى الدعوة أخيرا إلى ملتقى يجمع رؤساء الجهات والهيئات القضائية ومجالسها العليا وممثلى أنديتها مع رئيس مجلس النواب ووكيليه ورؤساء وأعضاء اللجان المعنيين بهذا المشروع ، للاتفاق على كلمة سواء تكون أنموذجا يحتذى، وتأريخا للأجيال المقبلة. وأعتقد أنه فى إرجاء نظر مشروع القانون لحين إعداد مشروع متكامل للسلطة القضائية ، ما يمكن أن يحقق هذا التوازن والتعاون المبتغى دون ضرر ولا ضرار ، وبإرادات متكاملة ، وفى سرعة بغير تسرع ، وعجلة بغير استعجال.


لمزيد من مقالات د. خالد القاضى ;

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة