الجمعة 24 من رجب 1438 هــ 21 أبريل 2017 السنة 141 العدد 47618

رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ما قاله الريح للنخيل!

إنها قصة طويلة ومثيرة.. قصة الإنسان المصرى مع النيل.. فصل فى ملحمة صراع البشر مع الطبيعة.. صراع كان فى البداية لمواجهة بطش النهر وثورته.. وأصبح فى النهاية لمواجهة بطش الإنسان بالنهر.

إنها علاقة غريبة.. توقف أمامها طويلا هيرودوت أول مؤرخ فى التاريخ.. حيث قال إنه لم يتمكن من الحصول على أى معلومات عن النهر من الكهان ولا من أى شخص آخر. (لاحظ أن المصريين منذ الأزل لا يحبون إعطاء أى معلومة حتى لو كانت عن النهر حتى لا يتحملون أية مسئولية).. كما أن هيرودوت لم يستطع معرفة السبب الذى يجعل النهر ينساب فى فيضان جارف مائة يوم.

تخيلوا لو أن هيرودوت عاد إلى الحياة مرة أخرى ورأى ما حدث للنهر.. رأى التلوث الذى أصيب به بعد أن تسربت إليه نفايات المصانع ومياه الصرف الصحى والزراعى.. على الرغم من أن هناك قانونا خاصا بحماية النيل من التلوث.. لكن ما فائدة قانون لا يطبق.. فلو طبق هذا القانون لرأينا رؤساء الأحياء وأعضاء المجالس المحلية وأصحاب المصانع فى السجون.

أو تخيلوا أن هيرودوت قرأ الخبر الذى نشر منذ أيام عن الحملة التى شنتها شرطة البيئة والمسطحات المائية.. وأسفرت عن إزالة 433 تعديا على مجرى النهر فى الجيزة فقط. وتخيلوا أنه راح يبحث عن السبب الذى يدفع الإنسان المصرى إلى الاعتداء على النهر الذى يمنحه الحياة والخير.. أو تخيلوا أنه عقد مقارنة كما فعل قديما بين النيل وأنهار أخرى.. حيث اكتشف أن النيل له طبيعة خاصة مغايرة لطبيعة باقى الأنهار.. ترى ماذا سيكتشف الآن؟! أو تخيلوا أنه شاهد المصريين وهم يرشون شوارعهم ويغسلون سياراتهم.. ويروون حدائقهم الخاصة والعامة بمياه الشرب.. ولا يستخدمون نوعا معينا من المياه كما تفعل معظم دول العالم.. أو تخيلوا أنه سمع الخبراء وأصحاب الرؤى المستقبلية وهم يحذرون منذ عقود من أن حروب القرن الحادى والعشرين ستكون المياه أحد أسبابها.. ومع ذلك أصم المصريون آذانهم.. وسابوا مثل أبلة سنية الميه ترخ ترخ من الحنفية. والسؤال الآن.. أين ذهبت توصيات عشرات الندوات التى عقدت خلال الأعوام الأربعين الماضية؟. أين ذهبت توصيات ندوة كبرى عن نهر النيل عقدت عام 1985 وطالب المشاركون فيها بتشكيل لجنة أهلية تتولى حماية وإزالة التعديات عليه.. وتحريك الضمير الوطنى فى شتى القطاعات للحفاظ على النهر كرافد من روافد الحياة فى مصر؟.. الإجابة ببساطة ذهبت هذه التوصيات إلى الرفوف والدواليب.. وهذا هو الفرق بيننا وبين الآخرين.. فبينما نضع نحن التوصيات فى الأدراج يضعونها هم موضع التنفيذ.. كما فعلت ألمانيا.. حين وصل التلوث فى نهر الراين فى سبعينيات القرن الماضى إلى حد أن ملايين من الأسماك كانت تطفو ميتة على سطحه.. حينئذ وضعت الحكومة الألمانية خطة لمدة 12 عاما لتطهير المياه وإعادة الحياة للنهر.. ونجحت فى ذلك لأنها تحركت فى التو واللحظة.. بخطة محكمة وقوانين صارمة لا يستطيع أحد تخطيها. أتذكر أننى والزميل العزيز أحمد نصر الدين أجرينا منذ نحو 23 عاما حوارا مع وزير الرى حينئذ د. محمد عبدالهادى راضى قال خلاله إن مشكلة التلوث إذا لم تعالج بسرعة وبحسم.. فإنها ستصبح مشكلة معقدة وبالغة الخطورة.. وستحتاج إلى مليارات الجنيهات للقضاء عليها.. والغريب أن الأسئلة التى طرحناها مازالت تطرح حتى اليوم.. وكأن الزمن لا يتحرك. ويبقى القول.. إنه فى الزمن القديم كان النهر مسئولية كل مصرى.. وكان الفرعون لكى يصبح حاكما لابد أن يطهر النهر من الشر الكامن فيه بأن يذبح بيديه فرس النهر الذى كان يمثل القحط والشر.. الآن يأتى الشر للنهر من الإنسان.. وإذا كان هناك أشرار يعتدون عليه.. فهناك عشاق وقعوا فى غرامه.. الأدباء منهم ألهمهم كتابة روايات كرباعية النهر لعبدالله الطوخى.. أما الشعراء فقد أشعل خيالهم.. وها هو الشاعر محمود حسن إسماعيل يقول فى قصيدة النهر الخالد: «سمعت فى شطك الجميل.. ما قاله الريح للنخيل».. أما أنا فأستطيع أن أؤكد أن الريح كان يقول للنخيل: انظر ماذا فعل المصريون بالنيل.. أهذا غباء يانخيل.. أم شىء من هذا القبيل؟!


لمزيد من مقالات عايدة رزق;

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة