الجمعة 24 من رجب 1438 هــ 21 أبريل 2017 السنة 141 العدد 47618

رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الشاعر رجب الصاوى.. وأعماله الكاملة

صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب الأعمال الشعرية الكاملة لشاعر العامية المبدع رجب الصاوى, الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية فى شعر العامية عام 2001, والذى كان أول من حصل على تلك الجائزة فى هذا الفرع. واحتفاء بهذا الصدور أنتهز الفرصة لتقديم نظرة نقدية تأخرت كثيرا لمجمل إنجاز الشاعر, ببعض التفصيل، مع وضعه فى إطار جيله الذى بدأ النشر فى الثمانينيات، وتأمله من المنظور العام لشعر العامية المصرية. ونظرة كهذه سوف تستغرق أكثر من مقالة بإذن الله وتوفيقه، وقد تمتد إلى رفاق رجب الصاوى ومجايليه إن مد الله لنا فى الوقت والعافية.

والنسق البديهى لمقاربة كهذه هى اتباع التسلسل الزمنى لدواوينه وقراءتها بترتيب صدورها. ولكن قبل هذه النظرات عن قرب, لابد من إطلالة عن بُعد ومن ارتفاع كافٍ يسمح لنا برؤية شعر رجب الصاوى ككل وتكوين فكرة عامة عن الخطوط العريضة لتطوره؛ وهذا ما سنحاوله فى هذه المقالة.

يمكن تلخيص ما نراه فى أن مسيرة الشاعر تطابق تقريبا مسيرة الشعر. فكما لاحظ الشاعر العربى الكبير أدونيس فى مقدمته الضافية لـ «حماسته» الخاصة، أو مختاراته من الشعر العربى الكلاسيكى منذ نشأته الجاهلية إلى القرن التاسع عشر, والتى صدرت فى ثلاثة مجلدات تحت عنوان «ديوان الشعر العربى» ــ أقول: لاحظ أدونيس فى مقدمته أن مسيرة الشعر العربى هى انتقال من الفطرة والسليقة إلى الصنعة والوعى. ويبدو أن تطور العقل الفردى والشاعرية الفردية مواز لتطور العقل الجمعى وما ينتجه من شعر؛ فما لاحظه أدونيس على الشعر العربى فى مُجمله، نلاحظه نحن على شعر رجب الصاوى ومسيرة تطوره:

ففى ديوانه الأول «حزن العنب» (1982) يُطل علينا رجب فتى بريا مطلوقا فى مرج أخضر, فى حى الوراق المطل على النيل, والذى كان فى أواخر السبعينيات ما زال يحتفظ ببعض نضارة الريف وبراءته. وكان رجب الصاوى فى ذلك الوقت فتى لم يبلغ السادسة عشر، مازال يحتفظ بكثير من طفولته، يخرج منه الشعر كما ينمو شعره وأظفاره وكما يزداد جسده طولا ويخشوشن صوته: عملية فطرية، غريزية، تلقائية، هى جزء من الطبيعة؛ النيل والنباتات التى تطلع فى رحابه، والأطفال التى تكبر وتخرج من حجر الأم بحكاياتها وأغانيها الشعبية، وتبطش بها ثورة المراهقة وتهزها حتى الغناء, فيفرز مخها، الذى ينمو بسرعة جنونية كالفطر، شعراًغنائيا متوهجا متمردا وبريئا كصاحبه، وبيئته التى كانت من سنوات قليلة جزءاً من الريف, والتى أصابها التمدن السريع بصدمة ثقافية مبدعة، وبحزن كحزن العنب الأخضر..

الشعر فى هذا الديوان الأول «حزن العنب» برىء ومتمرد على كل نسق؛ اللاوعى فيه غالب على الوعى؛ والسطر الشعرى فيه أهم من مُجمل القصيدة؛ والقصيدة حالة غنائية ومزاج نفسى أكثر منها كلاما مترابطا ونسقا فكريا أو سرديا صارما. هو شعر مدهش، ونابع من دهشة صاحبه, ومثير لدهشة قارئه، أو بالأدق: سامعه؛ لأن طبيعته أقرب للغناء وللتراث السمعى ككل. والشعر فى الدواوين التالية لـ «حزن العنب» انتقال تدريجى من وحدة السطر الشعرى لوحدة القصيدة والترابط العضوى لأبياتها؛ ومن حالة الغناء لحالة الكلام؛ ومن الطفولة للنضج وللحنين للطفولة وبراءتها؛ ومن الاندهاش للغضب أو الشجن الهادئ المتأمل؛ ومن آلة العزف الواحدة والصوت الواحد، الذى هو صوت الشاعر المغنى أو النافخ فى الناى، إلى انفتاح القصيدة بحيث لا يتحدث الشاعر دائماً، بل أحياناً يكون المتحدث شخصا آخر، محددا أو غير محدد الهوية، والحديث «إلى» الشاعر أو معه لا بواسطته فقط.

وفى المقالة المقبلة سوف نستعرض كيف انتقل هذا الشاعر من « أغانى البراءة» إلى « أغانى التجربة» ( إذا سمحنا لأنفسنا باستعارة عنوان ديوانين للشاعر الانجليزى القديم ويليام بليك دون إذن صاحبهما )؛ وفى نفس الوقت كيف ظلت الطفولة وظل «الوراق» القديم يقاوم فأس الفناء والتصحر ومرارة النضج والتجربة، وكيف أصرا على الوجود فى صورة ذكريات تتشبث بالحياة فى وجدان الشاعر ونصوصه، خاصة الأم التى أرضعته عبقرية فلكلور العامية المصرية.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين;

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة