الجمعة 24 من رجب 1438 هــ 21 أبريل 2017 السنة 141 العدد 47618

رئيس مجلس الادارة

هشام لطفي سلام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

وزير الثقافة التونسي الأسبق ووزير التعليم وأحد مؤسسي المناهج التربوية الحديثة..أحمد خالد: التنظير المتطرف يهدف لضرب العقل والفكر العربى
حوار أجراه في تونس: أسامة الرحيمي
يمكنني القول باطمئنان، أنه واحد من جيل عظيم، نشأ وسط مصاعب وطنية واجتماعية جمَّة، أوجعها الاستعمار الفرنسي لبلاده، وأجلها السعي نحو استقلال تونس. لكن أبناء ذلك الجيل امتلكوا شغفا هائلا للمعرفة والعلم، وتمتعوا بدأب كبير في حياة شاقة ندرت فيها وسائل الراحة،وخلت من كل وسائط التكنولوجيا الحالية، لكن هممهم العالية، وطموحهم اللامحدود أعانهم على تجاوز كافة المشاق، وتحققوا في الفكر والأدب والثقافة، وأفاءوا بما حققوه من منجزات على مجتمعهم، والدكتور «أحمد خالد» نموذج مضىء لهذا الجيل كله، وبجان.

اعتقلته سلطة الاحتلال لمطالبته بالاستقلال ، وقضى فترة في السجن مع رفاق النضال، خرج منها أكثر إقبالا على العلم، وما أن انتهى من دراساته العليا في باريس، عاد ليشارك في نهضة بلاده، بأي مواقع يحقق هذا، من العمل كمدرس، إلى أستاذية الجامعة، فرئيس لبلدية مدينته الكبيرة «سوسة»، ثم وزيرا لحقيبتين متتاليتين، التعليم والثقافة، وسفيرا لبلاده في المملكة المغربية، وموسكو في ايام الاتحاد السوفييتي الأخيرة، وطوال مشواره لم يكف عن البحث والتنقيب، في التاريخ والتراث، واللغة، والفكر، وحفظ الشعر، فقدم من الإبداعات ما يجعله يزهو بنفسه، لكنه يحوز من التواضع العفوي ما يكفيه للبقاء في بيته بسوسة، بُغية القراءة والكتابة والبحث بعيدا عن صخب الواقع، والاستمتاع بمجالسة «ابن خلدون»، و«التوحيدي»، و«الحصري القيرواني»، و«طه حسين»، و«أبو القاسم الشابي»، وغيرهم من مصابيح الحضارة.

> كيف كانت بداياتك مع الثّقافة؟

ظهرت بوادر اهتمامي بالثّقافة منذ مرحلة التّعليم الثّانوي، خاصّة عند احتكاكي بالشّاعر الكبير والمترجم القدير المتمكّن من اللّغتين العربيّة والفرنسيّة أستاذي المرحوم «الصّادق مازيغ» في المعهد الكلاسيكي بسوسة، في شعبة التّعليم الصّادقي حيث كان تكويننا عربيّا وفرنسيّا مزدوجا متوازنا. وكان يدرّسنا الأدب الجاهلي والشّكّ المنهجي في نقد الشّعر كما نظّره ودوّنه عميد الأدب العربي «طه حسين». وكان «الصّادق مازيغ» يبهرنا بدقّة وروعة ترجمة النّصوص من وإلى العربيّة والفرنسيّة. وكانت دروسه تنقلب إلى مجالس أدبيّة. وكان معروفا بحديث أبي حيّان الذي تذاع حلقاته الأدبيّة عبر الأثير في برنامج أسبوعي مساء كلّ خميس. وكان يختمه بمسابقة فكريّة وأدبيّة، ويشجّعني على مراسلة برنامجه لنيل جوائز رمزيّة تمثّلت في كتب قصصيّة ونقديّة. وكانت أحاديثه ترقى ببنيتها ودلالاتها وأسلوبها إلى مستوى عال يضاهي أسمار الأديب الإنساني «أبي حيّان التّوحيدي» في مجالس «الإمتاع والمؤانسة» بحضرة الوزير «ابن سعدان البويهي». وكانت المنظومة التّربويّة آنذاك تشجّع على توسيع آفاق الخيال وحث روح الإبداع والكتابة بمطالعة الكتب والقصص الرّوائيّة بالعربيّة والفرنسيّة والمقتبسة من الآداب العالميّة كالأدب الرّوسي ورموزه دستويفسكي وتولستوي وبوشكين وغيرهم، كما كنّا نقبل على قراءة الأدباء وفلاسفة عصر النّورن مثل مونتسكيو وروسو وديدرو وفولتير، بجانب كتب ودواوين أعلام الإبداع الأوروبي المعاصر مث مالرو وسارتر وبودلير ومالرمي وفاليري وجبرائيل مرسال وغيرهم. وكنّا نترصّد كلّ جديد من إبداعات كبار الأدباء، طه حسين والعقّاد ومحمود تيمور وأحمد أمين وتوفيق الحكيم وحسن الزيات من خلال مجلة الرسالة، وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران، والشعراء حافظ إبراهيم وأحمد شوقي وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي وإيليا أبو ماضي وغيرهم كثر، ومن الأحاديث الإذاعية عرفنا رموزنا الأدبيّة مثل عليّ الدّعاجي، وأبي القاسم الشّابي وسعيد أبي بكر، وزين العابدين السّنوسي، ومحمود بورقيبة وغيرهم.



وزاد اهتمامي بالأدب التّونسي في مرحلة الجامعة بدار المعلّمين العليا أواسط خمسينات القرن الماضي، وكانت تلك المؤسّسة نُواة الجامعة التّونسيّة قبل إنشائها، وانتميت إلى مجلّة الفكر في بدايتها، وكان مؤسّسها ومديرها المرحوم الأستاذ «محمد مزالي»، ولازمت جلسات أسرة الفكر مساء كلّ سبت حيث ترد المراسلات الأدبيّة والفكريّة من تونس وخارجها، فنقرؤها ونقيّمها قبل نشرها في حوارات مفتوحة بين أعضاء هيئتنا التّي جمعت جيلين أو ثلاثة متواصلة. فمنهم من رافق أبا القاسم الشّابي كالشّاعر الكبير «مصطفى خريّف» صاحب «شوق وذوق» وغيره من الدّواوين، و«زين العابدين السّنوسي» مؤلّف كتاب «الأدب التّونسي في القرن الرّابع عشر» وناشر «الخيال الشّعري عند العرب» لـ «أبي القاسم الشّابي» الذي أثار ضجّة كبرى سنة 1929 عندما ألقاه محاضرة في نادي قدماء الصّادقيّة، ولأن تكوينه زّيتوني أصولي تقليدي، كانت محاضرته صادمة للبحر الراكد، وأثارت في الأوساط الأدبيّة ردود فعل عديدة لنقده التّصوّر والمخيال العربي، خاصّة من نعتهم بالأنصاب الخشبيّة من شعراء التّقليد. ونادى ببعث «أدب قويّ عميق يؤدّي رسالة الدّنيا ويجيش بما في أعماقنا من حياة وأمل وشعور...». وبدأت منذ أواسط الخمسينات نشر مقالاتي الأدبيّة النّقديّة في مجلّة الفكر طوال عقود ثلاثة هي عمر المجلّة التي أسهمت فيها أقلام من نخبة الأدباء التّونسيّين والمغاربيّين عموما وكذلك من أشقّائنا في المشرق العربي وغيرهم. وجمعت قسما من مقالاتي ودراساتي المنشورة بمجلة الفكر في كتاب «شخصيّات وتيّارات» الصادر عن دار العربيّة للكتاب.

> يبدو أن التّعليم الأولى كان سببا في اتجاهك للثقافة؟

تعلّمت القرآن مثل أترابي في الكتّاب، وكان سيّدنا المؤدّب «الجمّالي» في المدينة العتيقة مقعدا. وكانت له عصا قصيرة، وأخرى طويلة يهشّ بهما على المستعصين عليه من الصّبيان كمعلّم الجاحظ في رسالة المعلّمين، وإضافة إلى ذلك طبل وبوق وصولجان وكرة لها قصّة رواها الجاحظ. وشأن «سيّدنا» معلّم الصبيّ «طه حسين» كما صوّره في سيرته الذّاتية «كتاب الأيّام». فحفظت نصيبا من القرآن الكريم. ومن أجواء الكتّاب نقلني خالي معلّم اللّغة الفرنسيّة إلى أجواء المدرسة الابتدائيّة العربيّة الفرنسيّة وقضّيت بها سنة كاملة. ثم فوجئنا بهجمة الحلفاء على بلادنا التي كانت تحت غزو المحور الألماني/ الإيطالي المندحر من معركة الصّحراء الليبيّة بالعلمين، فتعرّضت مدينة سوسة وميناؤها البحري لقصف من الطائرات ديسمبر 1942، فسقط العديد من القتلى وانهارت المباني، فغادرنا المدينة تحت القصف ناجين بأرواحنا، وانقطع التّعليم لمدّة أكثر من سنة. ولمّا عدنا إلى ديارنا رسّمني والدي في المدرسة القرآنيّة التّقليديّة «التريكيّة» فقضّيت سنة وعزفت عن أجوائها التّرهيبيّة في تربيّة النّاشئة، إذ كان العقاب البدني بالعصا الغليظة، وربّما هذا الذّي دفعني في مرحلة التّعليم الجامعي إلى الاهتمام بأساليب ومناهج التّربيّة، وفي ديبلوم الدّراسات العليا أعدت تحقيق وترجمة المخطوط الوحيد المتواجد في أرصدة المكتبة الوطنيّة بباريس لأبي الحسن علي القابسي القيرواني من القرن الرابع الهجري والمدرسة المالكية القيروانيّة، بعنوان «الرّسالة المفصّلة لأحوال المعلّمين وأحكام المعلّمين والمتعلّمين». ونشرتها بنصّها العربيّ المحقّق وترجمتها إلى اللّغة الفرنسيّة في الستّينات. ولعلّ ما يميّز تلك الرسالة رؤية القابسي القيرواني الثّاقبة للعقوبة إذ شدّد على مستعمليها ومتّخذيها طريقة في التّربيّة. وأنهيت دراستي بالمدرسة العربيّة الفرنسيّة، ونجحت في مناظرة الالتحاق بالتّعليم الثّانوي العصري الصادقّي. وفي تلك المرحلة الثّانية اندلعت الثّورة التّحريريّة بقيادة المرحوم الزّعيم «الحبيب بورقيبة». وانخرطنا في النّضال الوطني ضد الغطرسة الاستعمارّية في المعهد الكلاسيكي الذي كان يديره «ماتايي» أحد رموز الاستعمار، وأُلقي القبض عليّ وبعض أترابي في الانتفاضة الطّلابيّة في أبريل 1952، وذقنا معاناة الاعتقال، وفي السّجن فقدنا أحد رفاقنا الذي سقط شهيدا في يناير 1952 بسوسة. وفصلنا من التّعليم سنة، ثم عدنا بشفاعة لنواصل الدّروس إلى أن نلت البكالوريوس بجزئيها وديبلوم ختم دروس التّعليم الصّادقي. ثم التحقت بدار المعلّمين العليا في بداياتها شعبة اللّغة العربيّة وآدابها، المطعّمة بشهادة الأدب الفرنسي، و باشرت عند تخرّجي التّدريس في المعاهد الثّانويّة بالعاصمة ثمّ مدينة سوسة لسنتين. وبعدها أُرسلت من قبل إدارة النّواة الأولى للجامعة التّونسيّة إلى باريس لأختصّ في فنّ المكتبات والتّوثيق، لكنّي سجّلت رسالة لنيل دبلوم الدّراسات العليا تحت إشراف المستشرق الكبير «روبار برنشفيك» في المعهد العالي للدّراسات الإسلامّية بباريس، وتحصّلت عليه سنة 1965. وكنت صاحب المرتبة الأولى في مناظرة شهادة التبريز 1967 المؤهّلة للأستاذية في التّعليم العالي من جامعة باريس.

> لك ديوان عن «بيت بيريا» وزير داخليّة ستالين حيث سكنته وأنت سفير في موسكو.. فما حكايته؟ وما الذي دفعك لكتابته؟

- نعم هو كتابي «الأزاهير في جحيم بيت بيريا» ــــ لوحات من أدب السّفير ــــ وهي من حيث طريقة كتابتها وجماليّة أشكالها فنّ التّشجير(Calligramme) الموقّع والمنغّم بالحسّ والغريزة. ودفعني إليه وجع باطني ناتج عن مدّة سفارتي بموسكو (1992-1996) فوجدتّني أنساق انسياقا إلى إبداعها، فتفرّعت لوحاتها كأغصان الشّجرة، وتداخلت كالدّمى الرّوسيّة، وتولدت صورا مشحونة بقساوة تحكي مصارع المبدعين من أهل الفن والثقافة الأحرار الذين عُذّبوا وتمت تّصفيتهم جسديا ضمن حملات الرّعب القمعيّة المتعاقبة بالاتحاد السّوفيتي قبل انهياره، وفي جحيم بيت «لافرنتي بيريا» وزير الداخلية والمشرف على أجهزة المخابرات. جاءت لوحاتي مراوحة بين تصوّري لمشاهد تعذيب أزاهير الفكر الحرّ من جهة وأهازيج الحرّية من جهة اخرى.

ترددت كثيرا - وأنا أرجّح العقل دائما - قبل الإفصاح عن ظاهرة عجيبة قد تثير الدّهشة والاستغراب. ولا شكّ أنها توضّح الإشارات في لوحاتي إلى الأطياف، أعني الاستشعار بحضورها في حالات استثنائية عشتها سواء بين يقظة ومنام أو في يقظة واعية وبإحساس غريب وانفعال وتوتّر عند الانصات مثلا في الظلام إلى طنين باب خزانة يُفتح، وإلى وقع خُطى متثاقلة تخترق غرفة النّوم المتواجدة تحت الغرفة السعيرية المصفّحة بحوضيها حيث كانت تذوّب الأزاهير الفكريّة والأدبيّة بمواد كبريتية حارقة، واستشعرنا هذا ذات ليلة أنا وزوجتي ولم تكن هلوسة. والمهمّ عندي ليس ظاهرة «أرواح مُعذّبة وموتى بلا قبور» دخلوا بيت بيريا راجلين وتم تذوّيبهم بالحارق الكبريتي، وما أحسست به وجرّبته أثناء إقامتي في بيت بيريا أفادني أدباً وفكراً على غير توقع، حيث ألهمني كتابة فنيّة جديدة في عملي الإبداعي ولّدتها المعاناة. وجدّدت قريحتي، وجنّح بي المخيال وطاوعتني اللّغة للتّعبير عن واقع عشته وشاهدت آثاره ومعالمه الباقية تحت سّقف وفي أنفاق ذلك البيت وفخاخه. ولعلّ الأشباح العائدة إلى أماكن امتحانها وعذابها في بيت بيريا ومنها المنتمية – حسب شعوري القويّ بها – إلى أهل الفكر والفنّ المشاكسين للنّظام البلشفي القهري، وهم مُهج الشّعب الروسي وضميره الواعي وروحه الحرّة، استأنست بي، وربما كانت تلاحق رجل الفكر، فتثيرني لأثأر من جلاّدها بفكري الحرّ وقلمي، فأعيد إلى الذّاكرة الجماعية ذكراها، وأنقل بفنّ غير مألوف من قبل في كتاباتي تلك الظروف المأسوية لمصائر المبدعين الذين غُيّبوا في أنفاق بيت بيريا وذُوبوا لمحق آثارهم، غير أنّ آثارهم باقية. فسالت شآبيب الكلام على فكري كما في هذه اللوحة:

من ينشد إسعاد إنسان

أيستبيح عجن فنان؟

في الحوض جثة غرقى

تذوّب وتُقلى

وحذوها ذبيح مُلقى

يُطبخ جسمه ويُغلى

كلاهما يَصلَى نارا

وهو يموت اختيارا

لينبت الحرف زهره

ويثمر الفكر ثمره

فتطلع في الأفق نجمه

وتهتك بالنّور عتمه ...

> ولك دراسة مهمّة عن الطاهر الحداد وما يميزه عن الرائد «قاسم أمين»؟

- «الطّاهر الحدّاد» من أهمّ بناة الفكر الإصلاحي التنويري في علاقته بحقوق العمال والمرأة والمهمّشين في مجتمعاتنا العربية، ومنها التّونسية آنذاك، بجانب إسهاماته في الحركة الوطنية حيث كلّف بالدعاية للحزب الحر الدستوري التونسي الذي قاده عام 1920 الزّعيم الشيخ «عبد العزيز الثّعالبي». وامتاز الحّداد بقلمه الرّاقي في مقالاته وأشعاره وكتابيه «العمال التّونسيّون وظهور الحركة النّقابية» التي شارك قيادتها بجانب رائدها «محمد علي الحامي» (1924/1925)، وكتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» الذي أثار ضّجة كبرى وقت صدوره، وتجاوز صداه تونس إلى الجزائر والمغرب والمشرق العربي. وأصدر الحداد «مجلّة الأحوال الشّخصية» الرائدة عربيا وإسلاميا. وكان اهتمامي كبيرا بالحركة الإصلاحية التنويرية في تونس منذ ظهورها مع كوكبة المفكّرين المحيطة بالوزير الأكبر «خير الدين باشا». ما قادني إلى الاهتمام بالطّاهر الحدّاد. وفتحت سبيل بمقاربة شخصيته وأعماله مقاربة علمية جامعية اجتذبت النخب التونسيّة، وخرجت أعماله إلى النور مجددا بعدما أصدرت كتابي «الطاهر الحداد والبيئة التونسية في الثلث الأول من القرن العشرين سنة 1967 ». وحقّقت بعده أعماله الفكريّة الكاملة. ولعلّ كتابه «امرأتنا في الشّريعة والمجتمع» الذي بنى قسمه التّشريعي على مبدأ التّدرّج في تشريع الأحكام المتعلّقة بالأحوال الشّخصيّة مراعاة لسُنّة التطور في المجتمع الإسلامي، ففتح باب الاجتهاد انطلاقا من مقاصد الشّريعة الإسلامية ذات البعد الإنساني، معتبرا الثابت غير قابل للتجاوز، وهو أصول العقيدة وأركان الإسلام. وغير ذلك كله يدخل في باب الاجتهاد. وبهذا فتح الحداد أوسع مجال لترقية المرأة وتمكينها من حقوقها وتعليمها وتحريرها ضمن مشروع إصلاحيّ يقوم على «التّعمير» بمفهوم العمران البشري عند «ابن خلدون» في مقاربته للحضارة على أساس إصلاح الحكم (الدّولة) ومؤسساتها والكسب (الاقتصاد) والصنائع والعلوم والآداب والفنون.

نعم، لم يكن الحدّاد الأسبق في الاهتمام بقضية المرأة العربيّة إذ اهتمّ بها الشّيخ الإمام محمد عبده في دروسه القرآنية بالأزهر 1899 /1905، واهتم بهذه القضية أيضا تلميذه محمد رشيد رضا في مقالاته (تفسير القرآن الحكيم) كما صدرت تلك المقالات له ولأستاذه عبده تباعا في مجلة المنار. وفي الآن نفسه اهتم قاسم أمين بقضية المرأة في الفصول الثلاثة من كتابه باللغة الفرنسية «المصريونLes Egyptiens 1894» في ردّه على الدّوق «دي هاركور»، فعالج منزلة المرأة في المجتمع وتعدّد الزّوجات والطّلاق في كتابه «تحرير المرأة 1899»، وفي فصول من كتاب «أسباب ونتائج وأخلاق ومواعظ 1913»، سابقا بذلك التّونسيّ «الطّاهر الحدّاد» الذي بدأ اهتمامه بالمرأة في جريدة «الصّواب 1928»،ثمّ كتابه «امرأتنا في الشّريعة والمجتمع 1930»، لكنه لم يكن مقلّدا لأفكار من سبقوه، ولا لطرقهم في معالجة ترقية المرأة ومساواتها بالرّجل، وتعدّد الزّوجات، وموقف الإسلام من الطّلاق، والمرأة في الحياة العامة، وتعليمها، وغير ذلك. فقد عالج تلك القضايا في إطار تفكير متماسك منهجي ومن عدة زوايا ومقاربات طريفة متنوعة الاختصاصات ضمن رؤية إصلاحيّة تربويّة لتصوّر شامل للنّهضة ومفهوم الحداثة. وهي رؤية يتميز بها عن السّلفية دون قطع لأصول الفكر الإسلامي.

فالطّاهر الحدّاد باحث اجتماعيّ يلاحظ بدقة ويصف بطرافة وضعية المرأة ومشاكل الأسرة في بيئته، ويحلّل مواطن ضعفها وقوّتها. وهو خبير نفسانيّ في تجلّياته الاجتماعيّة، ذو نظرات ثاقبة في السّياسة والاقتصاد رغم تكوينه الزّيتوني التّقليديّ الذّي تجاوزه بالمطالعة والتّرجمة والاحتكاك بأعلام من المثقّفين ذوي الثّقافتين العربيّة والفرنسيّة. وهو إعلاميّ عارف بأهميّة فنّ الاستمارة عندما يستجوب فقهاء عصره وقضاته في مسائل تهمّ المرأة المسلمة والزواج ليعرف حسب قوله «أين المجتمع التونسي ممّا يلزم اجراؤه في القضاء لفائدة العدالة ونهوض المرأة». وهو العارف بأهميّة الإحصاء Statistique في الدراسات الاجتماعية. وهذا الإحصاء الضّروري لم يجده الحدّاد في دور القضاء الشرعي حيث ينظر في شؤون الطّلاق.

> ما سرّ شغفك بابن خلدون؟

سر إعجابي به أنّه عقل كبير أشعّ على البشرية قاطبة بعلمين جديدين هما «فلسفة التّاريخ» و«علم العمران البشري»، وومقاربته الصّحيحة لأسس الحضارة، وفهمه لغايات التّربية والتعليم. وللأسف هذا العقل الكبير جُوبه بالرّفض والمقاومة من القائمين على إدارة شؤون الجامعة الزّيتونية في زمانه، من المتشدّدين السّلفيّين. وفي مقدّمتهم شيخ الزيتونة الإمام «ابن عرفة» الذي اعتبر مع جماعته أنّ ما أبدعه الفكر الخلدوني في المقدمة «بدعة حرام»، وبظنّهم صاحب كل بدعة في النّار، فضايقوا ابن خلدون وأجبروه على مغادرة تونس إلى مصر التي احتضنته لا بصفته عالما مبدعا لعلوم جديدة بل كقاضي قضاة المالكية في بلاد الشّافعية. والعجيب أن من اكتشف عبقرية ابن خلدون هو الملك الإسباني «بيدرو دي ألفونشو» ملك قشتيليا الذي أراد الاحتفاظ بابن خلدون ورغّبه بإعادة أملاك أجداده الذين أقاموا بالأندلس، شريطة أن ينضم إلى بلاطه ليستفيد من علمه. وحدث ذلك أثناء السّفارة التي أوفده فيها «محمّد الخامس ابن الأحمر» ملك غرناطة إلى ملك قشتيليا لكنّ ابن خلدون تملّص من الدّعوة وعاد. لأن ذلك كان في ظروف صّراع أواخر ملوك الطّوائف وإسبانيا المسيحيّة. ومن الغرائب أيضا أنّ القائد التّتاري «تيمور لنك» اكتشف عبقريّة «ابن خلدون» وأراد الاستفادة بفيض علومه العقلانيّة وقت محاصرته دمشق وكان ابن خلدون متواجدا فيها مبعوثا من قبل حاكم مصر في مهمّة إلى المحاصرين فأُلقي القبض عليه حين حاول ابن خلدون النّزول بالحبال من أسوار دمشق متسلّلا وهو في شيخوخته، فلمّا جِيء به إلى خيمة «تيمور لنك» بملابسه المغاربية وأنصت إليه «قائد التتار» أعجب بخطابه وعقله ورغّبه بأن يصبح من حاشيته وأن يرسم له أحوال وأجناس وخرائط أقاليم المغرب العربي فتعلل ابن خلدون بأنه لا يستطيع الاستغناء عن كتبه ومكتبته فاستأذنه أن يعود إلى القاهرة لجلب مخطوطاته فعاد إلى القاهرة دون الرجوع إليه.

ولو استنار أهل عصره في تونس ومصر والأقطار العربية بفكره العقلاني الإبداعي حينما أفلت الحضارة العربية الإسلامية لاستعاد العرب مجدهم، وسلمت فئات كثيرة من التطرف والانغلاق والتوحش.

> بماذا أفادتك تجربتك بمنصبي وزير الثقافة ووزير التّعليم وسفير لتونس في المغرب وموسكو أيّام الاتحاد السوفياتي؟ ما العلاقة بتقديرك بين الثّقافة والسّياسة، وكيف صالحت بينهما؟

لم تبعدني السّياسة عن اهتماماتي ومشاغلي واختصاصاتي التّربوية كأستاذ ومتفقّد عام للتربية وحامل قلم وفكر عند الإشراف على كتابة الدّولة للتّربية، وكوكيل وزارة الثقافة وقبل ذلك (رئيس ديوان) ثم وزيرا للثقافة، إذ وجدت نفسي بين أهلي ورفاقي من رجال التّربية والآداب والفنون، وكنت استحضر بيت الّشاعر «الحصري القيرواني : «يا أهل ودّي لا والله من انتكثت عــندي عهود ولا ضاعت مودّات»

وأزعم أنّي أسهمت في تطوير الكتاب المدرسي بتقديم أنموذج عصري لأوّل مرّة بجهاز علمي، وتحليّته بالصور التي جلبت بعضها من متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وكانت نصوصه ممنهجة متعلقة بالشخصيات الأدبية المدرجة في برامج الصّف الخامس من التّعليم الثّانوي بكتاب سميته «الممتع في الأدب» بمجلّديه الأول المتعلق بالأدب التونسي والثّاني بالأدب المشرقي، في مطلع سبعينات القرن الماضي عندما كنت متفقدا للمعاهد الثانوية. وشرفت بإرساء المدرسة الأساسية بسنواتها التسع في فترة اشرافي على كتابة الدولة للتربية فطورت برامج التّعليم وطهّرت ما تسلّل إليها من محاولات التعبئة والعسكرة بدل التربية والتعليم حينما خلّصت مناهج وكتب التّربية الإسلاميّة من شوائب الحملة الشرسة على الفكر الحرّ النّقدي الذي كان يراد منها غلق باب الاجتهاد ورفض المجتهدين.

والمؤسف حقّا أنّ دسّ التنظير الإسلاموي الزّارع للفكر التكفيري في برامج التربية الإسلامية بمعاهدنا في ثمانينات القرن الماضي إلى عام 1988 قبل مراجعتها أساء إلى تكوين ناشئتنا قبيل التحاقهم بالجامعة إذ استهدف التنظير المُندس ضرب العقل والعقلانية والفكر النقدي لأن المتطرفين الذين تسلل بعضهم إلى مناهجنا التربوية عبر بعض المشرفين على وضع برامج التربية الإسلامية وكتبها لصفوف المرحلة الثانية من التعليم الثانوي أدركوا خطورة مناقشة مسلماتهم أو التّوقف للتثبت في منطلقاتهم النظرية الدّجمائية أو التّصدي لها بالنقد إذ اعتمدت أنظارهم المتطرفة أسلوب الإلحاح والتّقرير والتّوكيد ، دونما تدليل أو نقاش أو نقد أو شك في المشكوك فيه.

واستغل أولائك المتطرفون باسم الدين برنامج التربية الإسلامية بالصّف السادس من التعليم الثانوي لشن هجمة شرسة على الأزهري والأكاديمي «طه حسين» عميد الأدب العربي الحديث والمستوعب للعلوم الإسلامية والمتعمّق في تاريخ فجر الإسلام كما في كتبه «الوعد الحقّ» و«على هامش السيرة»، ووصفوه بالمغترب العلماني لأنه اتبع الأسلوب العلمي القائم على مناقشة المعطيات قبل التسليم بها وأدخل الشك المنهجي في نقد الشعر الجاهلي، فرفض الشّعر المنحول والقصائد المنسوبة إلى شعراء من اليمن وأقاصي جنوب الجزيرة العربية الذين كانت لغتهم في الجاهلية قبل الإسلام هي اللغة الحميرية المسمارية المختلفة عن لغة قريش ولم يسلم من أذى واضعي تلك المناهج الرسمية لمادة التربية الإسلامية، وفي غير اختصاصهم، قادة الفكر العالمي من فلاسفة الغرب وأصحاب النظريات العلمية كالفيلسوف الألماني «هيجل»(Hegel) المبتكر لعلم «الفينومينولوجيا» أي علم الظواهر كما تبدو بصرف النظر عما ورائها من حقائق، وغيره، وأرادوا بذلك تطويق عقول الناشئة وهم على أبواب دراسة الفلسفة التي تعلمهم التوقف للتثبت، أي الفكر النقدي الجدلي، كما أرادوا غلق نوافذ المعرفة الصادرة عن الغرب لتنحبس عقول الناشئة التونسية حينما تهجموا على الترجمة من اللغات الأجنبية إذ اعتبروها تغريبا. كما بينت كل ذلك بشواهد موثقة في كتابي «كيف زرع الفكر التكفيري في ثمانينات القون العشرين بتونس» وبتفاصيل أخرى في الكتاب تصب في نفس الاتجاه التّعبوي المتطّرف لا التّربوي الانفتاحي، وقد قمت بتطهير المنظومة التربوية من تلك الشوائب.

وحينما أشرفت على وزارة الثقافة سيّرت جلسات الحوار الاستشارية مع رجال الأدب والفنون لوضع المشروع الثقافي وتوسيع دائرته وتركيز مؤسسات التكوين والتنشيط. وكانت السّفارة آخر المطاف لتتويج مسيرتي حينما كلفت بالإشراف على سفارة تونس بالرّباط ثم بموسكو في ظروف تفكّك الاتحاد السوفيتي وقصف «الدوما» بقذائف الدّبابات فكنت حاملا للواء بلدي مدافعا عن مصالحه وخادما لسوق السّياحة الرّوسية الواعدة بتونس بعد أن بدأت الأمور تستقر في روسيا الفيدرالية وما إلى ذلك من تبادل المصالح الاقتصادية والثقافية ورعاية البعثات الطلابية بالجامعات الرّوسية. وفي ذلك كله تواصل لخصوصية تكويني وعملي الفكري الأدبي من منطلق أنّ العمل السياسي هو خدمة شؤون الناس الذين ائتمنوك على مصالحهم وليس سعيا إلى الانتهازية وركوب الكراسي والبحث عن الوجاهة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق