الثلاثاء 22 من جمادي الآخرة 1438 هــ 21 مارس 2017 السنة 141 العدد 47587

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الجامعة خارج العاصمة .. الفيوم نموذجا

بعيدا عن صخب العاصمة بكل تفاصيله، زحام السير، وبرودة التواصل، ومركزية الحياة التى تفتت العلاقات، تغدو كل رحلة إلى مصر الأقاليم، محاولة لتنسم عبق الوطن الذى كان، والزهر الذى تفتح مع وعى الصبا.

كانت الرحلة صوب الفيوم الجامعة، وكان العنوان «افتتاح معرض الكتاب الأول بالجامعة»، وكان الهاجس هو المجهول الذى يمكن أن ينتظرنى فى محافظة يصنفها التنظيم الإخوانى «محافظة أ» أو درجة أولي، حيث الانتشار التنظيمى والنشاط النوعى الإرهابي، وأكبر عدد من ضحايا التنظيم الذين قدمهم قرابين لحلم تمكينه فى تجمع رابعة العدوية المسلح، وكان السؤال الذى يفرض نفسه (كيف يمكن مواجهة طلاب التنظيم القادرين حشداً واحتشاداً على إفساد أى فعالية؟).

ودقت ساعة الوصول فانفتحت بوابة الجامعة فى وجه عربتها التى تقلني، وبدأت التفاصيل فى التكشف، يوم دراسى جامعى زاخر بالحركة والنشاط، وبالقرب من مقر إدارة الجامعة، كانت الخيام تنصب، والأوتاد تدق، وأحبال الجوالة تمتد سوراً يطوق مقر معسكر النشاط، والطلاب والطالبات فى تناغم المتعايشين منهمكين فى إعداد معسكرهم. وكانت قبلة التوجه الأولى نحو مكتب الدكتور أشرف عبد الحفيظ نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، لينسف واقع المكتب هواجس الاستقبال الرسمي، حيث جلست أتابع اجتماعاً ضم لجنة من وزارة التعليم العالى تستمع لتجربة تعايش أخرى تحتضنها الجامعة، من الطلاب ذوى الاحتياجات الخاصة (مكفوفين وصم)، الطلاب هم نجوم الحالة بينما نائب رئيس الجامعة يتابع عن بُعد وهو يباشر تقديم واجبات الضيافة، وحين انتهى اللقاء الأول قام الطلاب المكفوفون ليلتقطوا صورة تذكارية مع اللجنة لينادى أحدهم من طاولة الاجتماعات على نائب رئيس الجامعة مازحاً (مش هتيجى تتصور معايا يا دكتور، دا أنا اللى هاصور بنفسي)!

تدافعت الأسئلة موجات فى رأس العبد لله، حول سر هذه الحالة التى تسرى حياة مختلفة عن كل صور الواقع القاتم الذى يفرضه علينا الإعلام والتصريحات الرسمية وارتباكات الأداءات؟، حتى كان أن قصدنا مقر (معرض الكتاب) ورحت أفتش بين المستقبلين عن رئيس الجامعة، بينما كان وعيى محملاً بذكريات نمطية عن رئيس الجامعة (زى ما بيقول الكتاب)، أشيب يرتدى نضارة سميكة ولا مانع من وجود (كِرش) أياً ما كان حجمه، ويحيطه سكرتارية ومدير مكتبه وبعض رجال الأمن لحمايته من المتطفلين الافتراضيين، ولم أجد بين الحضور من تنطبق عليه المواصفات، حتى كان أن صافحنى أصغر الأساتذة سناً معرفاً بنفسه (دكتور خالد إسماعيل حمزة رئيس الجامعة)، ثم تحول ليرد تحية بعض الطلاب وعاملى دور النشر المشاركة فى المعرض والذين بدأوا التقاطر، وحين سألت عن عمر رئيس الجامعة اكتشفت أنه تسعة وأربعون سنة، وهنا بدأت أدرك أن حالة الجامعة التى فاجأتنى تفتح أمامى باب الأمل فى بدء السير نحو البعث الثانى للجمهورية الجديدة مصر بعد جولتى الثورة.

فى الندوة التى أعقبت افتتاح المعرض، كانت القاعة أنثوية بامتياز، حيث غلب عليها كما هو فى الجامعة عموماً (70% طالبات)، يسود الحجاب ثم النقاب وبعض غير المحجبات، الجميع يجلسون أملاً فى انتظار تفعيل الطاقات، نفوس فتية تحملها أبدان شابة، تحمل طزاجة حلمها مثالى الندي، قادرة على أن تعالج تجاعيد عصور الفساد والإفساد التى علت وجه مصر، غير عابئة بمعارك الإعلام التى يخوضها البث المباشر يومياً على الفضائيات، ولا يجيدون فنون التصفيق كلما تحدث مسئول كبير حتى لو كان رئيس الجامعة أو أحد نوابه، ينتظرون من يؤمن بقدرتهم على حمل راية الأوطان فيؤمن لهم مسارات التفعيل بغير عراقيل الإدارة وبيروقراطية الموظفين. إن مصر خارج إطار العاصمة، تحمل من مبشرات الأمل أكبر بكثير مما يحاول الإعلام حصرها فيه، وتملك من مقومات النهوض ما ينوء عن حمله إعلام أدمن المتاجرة بالوجع والتسويق للتفاهة، وتواجه بقوة اليقين فى الوطن كل معاول الاستهداف الرامية إلى هدم كل صروح الانتماء التى يسكنها المصريون جيلاً بعد جيل، ولنا فى جامعة الفيوم نموذج يجب على الدولة أن ترعاه، ليتحول إلى خميرة وطنية قادرة على مواجهة كل متطرف أو متآمر، فكيف لمحافظة مثل الفيوم أن تصبح معقلاً للتطرف، وهى تمتلك من جذور الوعى ما يحصنها، فقد تعاشق على أعمدة تاريخها الحضارات (فرعونية ورومانية ويوناينة ومسيحية وإسلامية)، وتقاطر على صفحتها أعلام فى الدين (الإمام الأكبر السادس إبراهيم بن موسى الفيومى شيخ الجامع الأزهر)، وفى السياسة والثورة (حمد باشا الباسل أحد أعضاء الوفد زعماء ثورة 1919)، وفى الفن (الشيخ الملحن زكريا أحمد، والقدير يوسف بك وهبي) أسئلة تبادلتها مع الدكتور أحمد جابر شديد نائب رئيس الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث وانتهت إجابتها إلى حتمية استرداد دور الجامعة فى بناء الوعى وصناعة الشخصية كونه الضامن الرئيس لأن تقوم مصر وتقاوم بناءً فى وجه من يهدم.

لمزيد من مقالات عبد الجليل الشرنوبى;

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة