الثلاثاء 22 من جمادي الآخرة 1438 هــ 21 مارس 2017 السنة 141 العدد 47587

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

المصريون فى اليوم العالمى للسعادة!

طالما اتسم العالم التقليدى بالاطمئنان النفسى فى أحضان السكون، حيث عاش الناس زمانهم وفهموه كإطار للثبات، حيث الأعراف الراسخة، وأنماط العمل الموروثة، والأبنية المجتمعية المحكومة بالقبيلة والعرق، فكان التاريخ ينساب هادئا، ويتحرك رويدا، على هدى حركة الشمس شروقا وغروبا، وإيقاع تغيرات المناخ فصولا وشهورا. كما عاشوا فى أماكنهم التى تصوروها كهوفا تحتوى حياتهم أفرادا وجماعات، فكم من أناس لم يخرجوا من بيوتهم أو محيطهم القريب قط أو ربما لمرة واحدة فى العمر.

لكن ومع بزوغ العالم الحديث توارت صورة هذا العالم، سهل الإدراك والتحكم، فالمكان التقليدى تحطم أمام حركة الكشوف الحغرافية بما مثلته من تكسير حاد وعميق لصورة الغرب الذهنية عن العالم القديم بحدوده المألوفة حينما كشفت عن العالم الجديد الذى أفرز ولا يزال حيوية الغرب المعاصرة «الولايات المتحدة الأمريكية». كما أدى تحطيم صورة المكان الى تفكيك سطوة الزمن وصورته المتعالية الغامضة التى احتوت قصصه وأساطيره الكبرى أو الصغري، ومن ثم هدم أبنيته وتقاليده ورموزه وإلهاماته الموروثة، وإعادة بنائه بشكل مغاير، وبخاصة تاريخه الوسيط الذى ارتبط بتركيبة اجتماعية وسياسية واقتصادية تقوم على نوع من الإقطاع شاركت فيه السلطة السياسية المستبدة والكنيسة الكاثوليكية بادعاء الحق الإلهى المقدس فى حكم الشعوب. ومع تحطم صورة المكان، والزمان، أى الجغرافيا والتاريخ الموروثين من العالم القديم، تولدت فى العقل الغربى درجة أعمق من الثقة والجرأة وروح الاكتشاف والمبادرة: اكتشاف أفكار، ومعارف وتجارب جديدة أخذ يستقيها مباشرة من وجه الطبيعة المنثور أمامه، وليس من كهف التاريخ الضاغط عليه. وفى الأخير تحطمت صورة المجتمع الراسخ الثابت بفعل النزعة التطورية، التى أوحت بإمكانية استيعاب الإنسان فى الطبيعة التى تتعرض لتغير مستمر، مثلما الصراع لأجل البقاء هو قانون الحياة البيولوجية، ومن ثم تنامى النظر إلى المجتمع باعتباره كيانا متغيرا «ديناميكيا» وليس كيانا ثابتا «استاتيكيا»، وعندها غدت ضرورة النمو المستمر وارتقاء الكائن الاجتماعى من البديهيات. وهنا ولدت نزعة إنسانية حديثة، أسس عليها عصر التنوير ملامح المغامرة الكبرى لسيد الأرض، الذى تمكن بعد كفاح تاريخى من التحكم فى عالمه، واستعادة السيطرة على مصيره.

غير أن تلك السيطرة، التى كرستها الثورتان الصناعيتان الأولى والثانية، سرعان ما بدت ظاهرية واهية بفعل الثورة الثالثة (المعرفية) وما انطوت عليه من تقدم تكنولوجي، وتقسيم مفرط للعمل، أدى تدريجيا إلى انكماش قدرة الإنسان على التحكم فى عالمه، ومن ثم شعوره بالقلق النفسي. ولعل أحد المظاهر الفجة لهذا الشعور يتمثل فى البحث عن الثراء بوهم أن المال يصلح بديلا للأمن النفسى. غير أنهم يشعرون بعد ذلك بقدر أكبر من الإحباط والتيه، لأن سباق الثراء وكثرة الإنفاق ليست إلا شراء لبعض الوقت يمكن للإنسان خلالهما أن ينحى وعيه القلق خلف ستائر اللهو، كمن يتعاط مخدرا سرعان ما يفيق منه، من دون أن يحل مشكلته بل الأغلب أن تتفاقم حدتها نتيجة لإضاعة الوقت قبل المواجهة الجدية لها. وعندها لا يكون ثمة حل إلا فى تعاط جديد، ولكن بكمية أكبر تكفى لتخدير إحباط متزايد، وهكذا دواليك، حتى ينته الأمر إما بالموت أو بالجنون. قد يرى كثيرون فى ذلك التصوير للموقف الإنسانى دراما متشائمة أو مبالغة كبيرة، لكن نظرة بالعين المجردة قد تكفى لتبين أن القلق النفسى وليس الحاجة الحقيقية للمال هى سر البحث النهم عنه، لدى كثيرين.

وهنا ينمو ما يطلق عليه فى علم الاجتماع الغربى «أزمة المعنى»، وتعنى شعور الإنسان بالتعاسة والضياع رغم حصوله على مستويات معيشية لم تتحقق فى أى مجتمع إنسانى من قبل، إن على صعيد الملبس والمأكل والمسكن وأشكال الترف، أو الحياة فى مجتمع يسود فيه القانون، وتحكمه المؤسسات التى تضبط كل تفاصيل حياته، إذ يشعر هذا الإنسان بالافتقار إلى معنى كلى لوجوده، فى ظل التغيرات السريعة والتحولات المضنية التى جعلت حياته مجرد مجموعة تفاصيل متتالية ومتناثرة لا قصد لها ولا هدف نهائي، ومن ثم فهى أزمة وجودية تصيب الإنسان على مستوى كينونته، أى باعتباره كائنا إنسانياً وليس باعتباره عنصرا منتجاً أو مستهلكاً. إنساناً يشعر أن جزءاً كبيراً من إمكاناته الروحية لم تتحقق بعد فى المجتمع ما بعد الحديث.

والبادى أن الإنسان المصري، قد بلغ هذه الحال من التأزم الوجودى لا عن طريق الوفرة المتاحة لمجتمع ما بعد حديث، منتج ومتقدم، بل وتلك هى المشكلة، عن طريق الفقر والتخلف، المحيطين بمجتمع متخلف علميا، هش إنتاجيا، تسيطر على أغلبيته العجز عن الإشباع المادي، رغم ما يتغلغل فيه أو يهيمن عليه من ظواهر ما بعد حداثية، ملونة وزاهية ومراوغة، تتمثل خصوصا فى وسائط الاتصال التكنولوجي. ومن ثم صار المصريون الآن فى حالة أشبه بحرب الجميع ضد الجميع، فمن يملك سلعة أو خدمة ينتقم من طلابها، ومن لا يملك ينتقم من الجميع على قدر ما يستطيع، ولو بشكل سلبي، أى بعدم حرصه على نظافة الأماكن العامة، وعدم احترام النظام المطبق، وصولا إلى الجرائم بجميع أشكالها المادية والأخلاقية، ولعل هذا يفسر لماذا غابت الابتسامة عن الوجوه، ولماذا لم يحتفل المصريون مع العالم أمس (الاثنين) باليوم العالمى للسعادة؟.
salahmsalem@hotmail.com
لمزيد من مقالات صلاح سالم;

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة