الثلاثاء 22 من جمادي الآخرة 1438 هــ 21 مارس 2017 السنة 141 العدد 47587

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

التاريخ الاجتماعى للشعب المصرى

وقع فى يدى كتاب ضخم صدر عن الدار المصرية اللبنانية وحاز جائزة زالشيخ حمدس للترجمة والتفاهم الدولى عام 2015حيث صدرت منه عدة طبعات وعنوان الكتاب هو «تاريخ مصر فى العصور الوسطى» من تأليف (ستانلى لين بول) وترجمة وتحقيق وتعليق الأستاذ أحمد سالم سالم ومراجعة وتقديم د. أيمن فؤاد سيد، وقيمة هذا الكتاب أنه موسوعة ترصد التاريخ الاجتماعى للمصريين من خلال التركيز على مصر الفاطمية والمملوكية وما اقترن بهما، وتبدو القيمة الحقيقية لهذا الكتاب أن مؤلفه مستشرق إنجليزى مرموق، ولقد صدرت الطبعة الأولى منه عام 1901 إذ حاول المؤلف أن يضم حقبة زمنية امتدت لتسعمائة عام منذ الفتح الإسلامى لمصر وحتى الفتح العثمانى وهو كتاب محورى يستحق الدراسة المتعمقة والتحليل الرصين لأنه يكشف عن المكونات التاريخية للشخصية المصرية بما لها وماعليها:

أولاً: مرت على مصر منذ الفتح العربى الإسلامى وحتى الفتح التركى العثمانى العديد من الأسرات الحاكمة فلقد ظلت مصر ولاية تابعة لمركز الخلافة الإسلامية سواء فى المدينة أو دمشق أو بغداد ولكن مع تولى القائد التركى أحمد بن طولون حكم مصر عرفت نوعًا من الحكم الذاتى والاستقلال الشكلى عن مركز الخلافة الإسلامية فى بغداد فأنشأ بها أسرة حاكمة نسبت إليه هى الأسرة الطولونية ولكنها لم تستمر طويلا حيث خرب القائد العباسى عاصمتهم (القطائع) ولكن عندما أحس العباسيون بحجم الخطر الذى يمثله الفاطميون الذين نجحوا فى إنشاء دولة فى إفريقيا وتكرار محاولتهم فتح مصر من الغرب عهد العباسيون إلى والى الشام محمد بن طغج الإخشيد لتولى حكم مصر فأسس أسرة حاكمة هى الأسرة الإخشيدية وهو الأمر الذى أدى إلى تأجيل وصول الفاطميين إلى مصر، وعندما نجح الفاطميون (الشيعة الإسماعيلية) فى دخولها على يد قائدهم جوهر الصقلى أصبحت مصر بعد وصول المعز لدين الله مركز الخلافة الإسماعيلية الشيعية مناوئة للخلافة العباسية السنية فى بغداد، وقد نجح الفاطميون فى تأسيس دولة قوية فى مصر عاصمتها القاهرة والتى تأسس فيها الجامع الأزهر ليكون مركزًا للدعوة الشيعية حينذاك، وظل الفاطميون يحكمون مصر أكثر من مائتى عام ورغم فشلهم فى تحقيق حلمهم فى الانفراد بحكم العالم الإسلامى لتمسكهم بانتماءاتهم الإديولوجية التى عزلوا أنفسهم بسببها عن إجماع المسلمين فإنهم نجحوا فى إرساء نظام سياسى وإدارى جديد وبيئة اجتماعية ومناخ ثقافى لم تعرفه مصر الإسلامية من قبل والذى مازالت آثاره واضحة فى طقوس الحياة المصرية حتى اليوم إلى أن جاء القائد الكردى السنى الناصر صلاح الدين الأيوبى الذى قاد انقلابًا سلميا عادت به مصر مرة أخرى إلى حظيرة الدول التى تدعو للخليفة العباسى السنى فى بغداد، وبدأ منذ ذلك التاريخ مذهب أهل مصر وهو (المذهب الأشعري) وقد أسس صلاح الدين فى مصر أسرة حاكمة جديدة هى الأسرة الأيوبية السنية وكأن لم يكن فى مصر شيعى واحد بعد قرنين كاملين من التشيع! وعندما تكاثر المماليك الأتراك ظهرت دولتهم كنظام متفرد فى تاريخ الدول الإسلامية الحاكمة فهم مماليك جرى شراؤهم وترجع أصولهم إلى عناصر تركية مختلفة من القوقاز ثم العنصر الشركسى والمغولى والجورجى وكانوا يجمعون صغارًا ويتم تعليمهم تعليمًا إسلاميًا تقليدًا وتلقينهم اللغة العربية وتدريبهم على استخدام السلاح.

ثانيًا: امتطى الحاكم بالله ركوبته المعتادة تجاه تلال المقطم ذات مساء كما يفعل كل ليلة وفى الصباح أذن لتابعيه بالانصراف، وذهب وحيدًا فى الصحراء كما كان يفعل دائمًا ثم عثر على حماره بعد بضعة أيام مشوهًا على التلال ثم وجدوا سترة الحاكم ذات الألوان السبعة مع علامات تدل على طعنات خنجر ولكن لم يكشف عن جثته أبدًا و ظل اللغز حول اختفاء الخليفة ذى الأطوار الغريبة حتى رفض الناس تصديق خبر موته وانتظروا رجعته بقلق وحتى يومنا هذا يتعبد الدروز للحق الإلهى ويعتقدون أنه سيأتى مرة ثانية ويكشف عن الحقيقة والعدل.

ثالثًا: تمتع النصارى واليهود بالحصانة خلال السنوات العشر الأولى من فترة الحاكم بأمر الله فضلًا عن الامتيازات التى نالوها تحت حكم العزيز من قبل، لكن مع مرور الوقت لقوا نصيبهم من الاضطهاد فقد أجبروا على ارتداء ثياب سوداء كزى مميز كما أجبر النصارى على ارتداء صلبان كبيرة وثقيلة فى حين كان على اليهود ارتداء الأجراس، ثم أصدر الحاكم بأمر الله أمرًا عامًا بتدمير جميع الكنائس فى مصر ومصادرة أراضيها وممتلكاتها وخير النصارى بين الدخول فى الإسلام أو مغادرة البلاد أو ارتداء صلبان ثقيلة كعلامة مميزة حتى قبل العديد منهم دخول الدين الإسلامى سعيًا للهروب من الاضطهاد.

رابعًا: بدأت مجاعة رهيبة فى عصر المستنصر مع انخفاض مستوى النيل عام 1065 واستمرت بشكل متواصل لسبعة أعوام وصلت فيها البلاد إلى أقصى درجات البؤس حتى بيعت كسرة الخبز بخمسة عشر دينارا وأُكلت الخيل والحمير والكلاب والقطط حتى اختفت جميع الحيوانات ثم بدأ الناس يأكلون بعضهم بعضًا حيث كان يجرى انتشالهم من الشوارع بواسطة (كلاليب) مدلاة من النوافذ ومن ثم يتم قتلهم وطبخهم حتى صار اللحم البشرى يباع علانية!

... إن تاريخ مصر حافل بالمآسى والكوارث والنكبات، ولقد عرف هذا الشعب أيامًا سودًا فى ظل حكم الفاطميين والمماليك ولكنه استطاع أن يقهر كل ذلك وأن يبقى متفردًا بين الشعوب متألقًا وسط الأمم.

لمزيد من مقالات د. مصطفى الفقى;

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة