الثلاثاء 22 من جمادي الآخرة 1438 هــ 21 مارس 2017 السنة 141 العدد 47587

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

أسئلة السيد يسين الأخيرة والمبهرة

أنا قارئ محترف.. هكذا كان يحلو للأستاذ السيد يسين أن يصف نفسه، لم يشأ أن يعتبر نفسه باحثاً رائداً أو كاتباً محترفاً، وهو أكثر.. وأكبر من ذلك، أو هو على الأقل، كما وصفه صديقى الدكتور عبد العليم محمد «سلطان الباحثين». لم يكن الأستاذ مجرد باحث محترف، ولكنه كان عاشقاً لهذه المهنة، وكان عاشقاً أكثر للقراءة التى كادت تكون متعته الحقيقية وربما الوحيدة، وأعتقد أن هذا هو الدرس الذى أراد أن يعلمنا إياه.

فى بداية مشوارى العلمى معه الذى بدأ بالنسبة لى فى أولى مراحل تعلمى البحثى عقب تخرجى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وحتى رحيله أمس الأول فى رحلة تجاوزت ثلاثة وأربعين عاماً ابتداءً من «هيئة الخبراء» بوزارة الإعلام ثم مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ثم المركز العربى للبحوث لم أعرفه مشغولاً بشىء خارج نطاق البحث العلمي، وتعقب كل ما هو جديد فى فروع المعرفة. لم يتحدث يوماً فى أسفاره العديدة بعواصم العالم المختلفة خارج إطار أحدث الكتب وأبرعها.

كان الأستاذ، بالنسبة لى ولزملائى سواء فى مركز الأهرام للدراسات، السياسية والإستراتيجية الذى عملنا معه وهو مديرنا منذ تأسيس المركز عام 1975 وحتى عام 1994 وبعدها عندما أصبح مستشاراً للمركز، أو فى أحدث مواقعه كمدير للمركز العربى للبحوث والدراسات هو أبرع من يطرح الأسئلة المدهشة والجديرة بالتفكير العميق خاصة ما يتعلق منها بمجالين شديدى الأهمية: مجال النهضة وسؤال النهوض الوطنى والقومي، ومجال بحوث المستقبل، لدرجة أن أطلق عليه الزملاء اسم «حارس المستقبل»، والمستقبل هو يشمل مستقبل مصر، ومستقبل عالمنا العربى بل وأيضاً مستقبل العالم. كنا نلهث دائماً وراءه وعبثاً حاولنا مجاراته.فى العامين الأخيرين كان مشغولاً بحزمة من الأسئلة من أهمها: سؤال مستقبل النظام العربى فى علاقته بالنظام الإقليمى للشرق الأوسط. كان الأستاذ السيد يسين يلحظ مدى انحسار دور النظام العربى فى إدارة وحل الأزمات العربية، ومدى تغول أدوار القوى الإقليمية الكبرى المتصارعة: إسرائيل وإيران وتركيا على أدوار النظام العربى بعد أن انشغلت القوى العربية الكبرى فى مواجهة أزماتها الداخلية أو انشغلت بإدارة الحرب فى دول عربية شقيقة وتركت المستقبل العربى فى أيدى من يريدون اقتناصه لمصلحتهم.

كان مشغولاً أيضاً بسؤال نهوض مصر ومشروعها الوطنى بعد ثورة 25 يناير 2011. كان يدرك أن الشعب قام بثورة، لكن القوى الثورية التى شاركت فى إسقاط نظام الفساد والاستبداد ومعها الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى لم تستطع تقديم مشروع بديل أفضل للنهوض بمصر، مشروع يليق بشعب عظيم قام بثورة عظيمة، وكان كتاب «الدولة التنموية» الذى أشرف عليه هو باكورة الإجابة عن سؤال «ما هو المشروع النهضوى الجديد لمصر»، لكنه كان مشغولاً أكثر بالإستراتيجية المصرية الشاملة الخاصة بمصر حتى عام 2030. كانت هناك أسئلة كثيرة بهذا الخصوص تشغل العقل البحثى عند الأستاذ السيد يسين فى مقدمتها كيف يمكن تأسيس «عقل إستراتيجى لمصر» يكون قادراً على صياغة رؤاها الإستراتيجية فى البناء والتنمية وإدارة السياسات والأزمات.

ظل الأستاذ مشغولاً بهذه الأسئلة الكبيرة ورحل قبل أن يصل إلى إجابات محسومة لها على نحو ما استطاع أن يطرحه من أسئلة أخرى سابقة لا تقل أهمية من نوع التحديات التى فجرتها «موجة العولمة» وبالذات انشغاله بالبحث عن «الطريق الثالث» بين الاشتراكية والرأسمالية عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، وهو هنا كان يتنبأ بسقوط مماثل للرأسمالية رغم ما كتب فى الغرب عن «نهاية التاريخ» بعد سقوط الاشتراكية والترويج لمقولة «الانتصار النهائى للرأسمالية».

لم يأت تنبؤ الأستاذ السيد يسين بسقوط الرأسمالية من فراغ وهو الأمر الذى لم يجد له أصداء حتى الآن داخل مصر التى مازالت تعيش وُهمَ «المشروع الرأسمالي»، فقد درس بجدية أزمات النظام الرأسمالى وتنبأ بسقوط الرأسمالية قبل أن يتحدث عنه عالم الاقتصاد الفرنسى ميشال بيكيتى الذى أفاض فى تشريح أزمات النظام الرأسمالى خاصة اتساع الفجوة بشكل هائل بين الأغنياء والفقراء وبسببها تحولت الليبرالية الرأسمالية إلى «حكم أوليجاركي» أى حكم الأقلية، وبالتحديد الأقلية المالكة للثروة بما يجرد الليبرالية من مرتكزاتها الديمقراطية، وكذلك انتشار البطالة بشكل مخيف فى أوساط الشباب خاصة الشباب المتعلم الأمر الذى أخذ يأخذ بالمجتمعات الغربية لتصبح «مجتمعات خطر» أى مجتمعات مفعمة بالخطر، على نحو ما أفاض فيه الأستاذ السيد يسين فى مؤلفه بعنوان «أزمة العولمة وانهيار الرأسمالية» الصادر عام 2009 والذى أهداه إلى صديق عمره الأستاذ الدكتور على الدين هلال. مثل هذه الاهتمامات لدى الأستاذ السيد يسين كان عنوانها الأساسى هو ما يمكن أن نسميه «حالة العالم» ومنها انطلق للبحث فى «حال الأمة» و«حال مصر» اعتماداً على وعى إستراتيجى مفاده أنه لا يمكن أبداً الفصل بين حال العالم وحال الأمة وحال مصر، ومن هنا كانت حالة الذعر التى سيطرت عليه فى العامين الأخيرين وهو يرى أن العالم، مع انتشار الإرهاب والتعصب وكثافة الصراعات بدأ يغرق فى الاضطراب. كان خوفه على مصر بلا حدود من «عصر الاضطراب العالمي» الذى أخذ يفرض نفسه بقسوة على العالم وكان جُل خوفه أن يمتد هذا الاضطراب إلى الداخل المصرى وكان سؤاله هو: كيف يمكننا أن نجب مصر ويلات هذا الاضطراب؟. وسط هذا كله يرحل الأستاذ السيد يسين دون أن يكمل إجابات أسئلته، ودون أن يواصل طرح الأسئلة المدهشة المثيرة للتأمل والفكر والتدبر، لكنى أحسب أن الفارق شاسع بين رحيل الجسد ورحيل الأثر. فإذا كان الجسد قد رحل بالأستاذ السيد يسين فإن الأثر لم يرحل، وأزعم أنه لن يرحل ليس فقط لمكتبته الغنية والثرية بمؤلفاته، ولكن رهانى يعتمد على جيل الخبراء والباحثين الذين ربَّاهم وعلمهم هذا الأستاذ خاصة فى مدرسة مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.. فهم أعظم مؤلفاته وهم من عليهم إكمال مشوار البحث عن إجابات لأسئلته المدهشة والمبهرة التى كانت أعظم وأهم إبداعاته والتى بها لن نعرف رحيلاً للسيد يسين.

لمزيد من مقالات د‏.‏ محمد السعيد إدريس;

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة