الثلاثاء 22 من جمادي الآخرة 1438 هــ 21 مارس 2017 السنة 141 العدد 47587

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

ضحى عاصى: نساء روايتى «104 القاهرة» يتحايلن على الحياة حتى لا ينكسرن
حوار ــ أسامة الرحيمى
ضحى عاصى
احترت كثيرا حين أعطتنى الكاتبة «ضحى عاصى » روايتها الأخيرة «104 القاهرة». فربما أُضطر لمجاملتها بعض الشيء. لكن الرواية كانت مفاجأة، أعجبنى مستواها، وموضوعها، واستوقفنى البناء الناضج لشخصياتها، والأفكار الإنسانية العميقة السمحة، وأحسست بتقصير، لأنى أهملت الأديبة بشبهة تخوفى من مجاملة الصديقة.

وبادرت من فورى لمحاورتها للتكفير عن تسرُّعي، وعدم تقديرى موهبتها المتحققة، وقدراتها الخلّاقة، فقط، لمجرد وجودها فى الجوار. وأيقنت أن أخطائى ستظل تعلمنى فضيلة تدارك الأمور، وتصويبها فى وقت مناسب.

«انشراح», بطلة الرواية, شخصية مدهشة. معجونة بتفاصيل الواقع المحبط، حرمتها الحياة من طموحها، وحبها مبكرا، لكنها بعكس المنطق، لم تتحطم، وامتلكت روحاً فيَّاضة، تُغدق إيجابية على كل من يحيطون بها، من نساء مهيضات، ورجال يبحثون عن حلول لمعضلاتهم، وضاعف من قوتها قدراتها الروحية على رؤية الأحداث قبل وقوعها، فى المنام، أو بحدسها الصادق. فباتت فى حياتهم غيمة حانية يستظلون بها، ويستمدون منها القدرة على الصمود، والنهوض، تساندهم ضد كل الضغوط الاجتماعية والنفسية المُحيقة بهم، من دون التورط فى الهجوم على الرجال، أو اتهامهم، لأنهم فى النهاية ضحايا لذات الظروف.

روايتك «104 القاهرة» نسائية، وأغلب أبطالها نساء مهيضات وآلامهن واضحة، لكنك لم تولولى عليهن باعتبارهن مظلومات، وتفاديت النسوية بدرجة لافتة، كونهن مقاومات لا ضحايا؟

تفادى النسوية هذا ربما حصل فى اللاوعى وكانت مفاجاة لي، وفوجئت بعدد كبير ناقشوا الرواية من زاوية: نسوية أم غير نسوية، لأنى لا أصدق أن ثمة معركة بين الرجل والمرأة؛ فالأزمات التى يعيشها الناس إنسانية ولا علاقة لها بالنوع، وممكن جدا أبدل اسم «انشراح» وأضع مكانها اسم «محمد» مثلاً، سيتألم مثلها لأنه لم يكمل تعليمه، ولأن الفتاة التى أحبها تزوجت آخر، ولأنه متزوج من امرأة لا تهتم به، وسيشعر بفراغ عاطفي، وسيبحث عن مخرج يملأ به حياته. فكل أزمات انشراح وروحها الإيجابية تنطبق على أى رجل يعيش نفس الظروف. والنساء عندى يحببن الرجال، وأزماتهن مع الرجال لأنهم لم يعطوهن ما يردن،والفرق هو بين الشخصية الإنسانية التى تحاول تجاوز أزمتها، والشخصية الانتقامية، وهذا وارد فى الحياة، ومعظم شخصياتى كانت مدركة الأسباب الموضوعية التى أفشلت العلاقات، وهذا إدراك لدورهم فى اختياراتهم غير المناسبة، وإدراك لأزمة ثقافة المجتمع التى تفرض على الرجال هذه التصرفات، ولو فعل عكس هذا سيلومه المجتمع. وإبراهيم الذى ترك انشراح وسافر فى بعثة تعليمية، لو قال لأمه إنه يريد الزواج من انشراح التى سجن والدها لأنه تاجر مخدرات، سترفض أمه المرأة بشدة، وأقاربه وجيرانه سيرفضون. فتركه لانشراح متسق مع المجتمع، وكذلك عادل هدرا المسيحى لو غير دينه ليتجوز غادة كان المجتمع سيطاردهما ويرفضهما.

فى نفس السياق.. لم تهاجمى الرجل باعتباره عدوا للمرأة، وظالما وفق التشدد النسوى السائد، بل اعتبرتِه يعانى مثل المرأة؟ هل يعود هذا للوعى السياسي.. أم لطبيعتك المتسامحة؟

الاثنان واحد، نتاج رؤيتى للعالم، والتجارب الشخصية جزء من الوعي، أحيانا الكاتب يستطيع تجاوزها بقراءاته، وأحيانا يقع أسيرا لها، وأنا لم أعان قهرا من الرجال، وربما شفت صعوبة ظروفهم الموضوعية، ومحاصرتهم ضمن أفكار اجتماعية ضد مشاعرهم وتكوينهم، وفكرة الرجل الشجاع الذى يكسر القواعد ويغالب المجتمع نادرة، وغالبا يُتهمون بالجنون أو العبث أو الاستهتار، وقوة انشراح الحقيقية أن الناس عندها يعيشون راحتهم الحقيقية، وليسوا مضطرين لوضع أقنعة على وجوههم، لأنها لا تمثل لهم خطرا، كلهم يشعرون بأنها تحت يدهم، ومن فرط إحساسهم بأنهم أعلى منها لا يخشون الانكشاف أمامها، وربما يفسرعلاقتهم بها أنها تمتلك مساحات إنسانية إيجابية كبيرة، وتمنحهم مساحات أمان، فباحوا لها بأدق أسرارهم، والعالم يعج بنماذج مشابهة لهذا، فيمكن أن تجد ممثلة كبيرة، اللبيسة تدير كل حياتها، أو سكرتيرة فى يدها مفاتيح حياة مديرها، وهكذا.

«انشراح» شخصيتك المحورية، تركيبة عجيبة، لم تكمل تعليمها، الظروف أوقفت طموحها، وكل معطياتها شعبية، وتمتلك روحية غامضة، وشكلَّت ظهيرا قويا لنساء متعلمات مثقفات من طبقات أعلي، من أين استمدت هذه القوة؟

هناك حسابات للعقل وحسابات للروح، حسابات العقل ضيقة، لكن معطيات الروح لا أحد يستطيع تفسيرها، وهذا يمثل التجدد فى الحياة، لو كل شيء بحسابات العقل لن نجد شخصية مثل انشراح، حياتها توقفت بلا تطور مادي، وهنا المفارقة، لم تغتن، ولا عملت بيزنس، وتزوجت رجلا بائسا، ورغم كل هذا الضيق، امتلكت معطيات روحية غنية، هذه الطاقة أو الروح، هى المحرك الأساسى لحياة الناس، وهى ما يفرق بين إنسان وآخر.

كيف لامرأة تعانى صعوبات كثيرة فى الحياة مثلك، أن تتجاوز مواجعها الشخصية، وتنسج امرأة قوية ومقاومة بدرجة انشراح؟

لا أريد أن أتحدث عن نفسي، لكن السيدات المصريات يعشن أزمات طوال الوقت، أمي، وقريباتي، وجاراتي، لكنى لم أر المرأة المنهارة، المرأة عامة مقاومة، الإنسان عموما يقاوم، الحياة لا تعطى للناس، انشراح قالت فى الرواية: «الحياة عايزة اللى يحايلها» وهذه روح نساء الرواية، يحايلن الحياة، فأين يذهب إذا انكسرن.

الجانب الروحى لانشراح، المتداخل بشكل كبير فى واقعها، وتفسيرها للواقع، عبر الزائر الليلي، والرؤى والأحلام؟

بحكم عملى كمرشدة سياحية لمدة 22 سنة قابلت ناسا من أنحاء العالم، كثيرون منهم جاءوا ليبحثوا عن الروحانيات فى المعابد المصرية القديمة، مع أن شكلهم كان يوحى بالقوة، لكن فى لحظات ضعفهم الشديدة، قطعوا مسافات طويلة بحثا عما يساعدهم على تجاوز أزماتهم، ومن وقتها أدركت أن الانسان على اختلاف جنسيته وأوضاعه وثقافته عنده جزء خفى يتلمس فيه القدرات الخاصة أو الغيبية، هو ليس أسلوب حياتهم، لأنهم يعملون أساتذة جامعة مثلا، فى مجتمع متحضر جدا من وجهة نظرنا، لكن هناك لحظة ما فى حياة الناس، يبحثون فيها عن الدفء أو السند أو المدد، فى الواقع أو فى الغيبيات.

كيف لانشراح بنت تاجر المخدرات، بواقعها المحبط والبائس، أن تكون ملاذا لأناس من مجتمعات سليمة؟

أحيانا يولد الإنسان فى عوالم ضيقة، لكنه يصادف أفكارا إيجابية، حتى المجرمين يمكن أن تجد لديهم أشياء إيجابية، الشخصيات أحادية الجوانب ليست موجودة فى العالم، وجملة واحدة يسمعها الإنسان مصادفة يمكن أن تغير حياته كاملة إيجابيا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق