الجمعة 18 من جمادي الآخرة 1438 هــ 17 مارس 2017 السنة 141 العدد 47583

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«العراب».. فن صناعة الشغف
سـهيـر حلـمــي
« أنا أؤمن بأمريكا .. أمريكا صنعت ثروتي .. أنشأت ابنتي على الطريقة الأمريكية أعطيتها الحرية لكن علمتها أن لا تسيء لعائلتها ، تعرفت على شاب ليس إيطاليا ،أخذها في نزهة مع شاب آخر ، أرغماها على الشرب ثم حاولا الاعتداء عليها ، لكنها قاومت ، حافظت على شرفها ، فضرباها بطريقة وحشية ، ذهبت للشرطة كمواطن أمريكي صالح ودعت المحكمة الشابين ، حكم القاضي عليهما ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ وأطلق سراحهما في نفس اليوم ، صعقت في قاعة المحكمة كالأبله وهما يبتسمان ثم قلت لزوجتي .. من أجل العدالة علينا الذهاب إلى دون كورليوني .. »

في غرفة شبه معتمة يغمر الضوء وجه دون كورليوني وهو يجلس بثقة وشيء من الغموض والكبرياء والزعامة يداعب قطة صغيرة بألفة ومحبة ويصمت مستمعاً ومحدثه تأكله الحيرة في أمر جوابه .. فصمت « دون فيتو كروليوني « هو الأخطر ، لكنه سرعان ما يعاتبه بصوت مبحوح اجش على عدم وده له إلا حينما وقع في مشكلة وجاء يطلب من فيتو (الأب الروحي) العدالة لكي يهدأ غضبه ويقتص لابنته .. إنها فتنة (العراب) الذي يفرض قانونه الخاص على المجتمع .. هو (الكبير) الذي لا يرد سائله لديه من المصداقية ما يوازيها من القوة والسطوة، مشهد يختزل شخصية (الدون) بما تحمله من الألفة والدعة التي لا تختلف عن لطف هذا القط الصغير ، لكن المخالب المستترة هي التي تحسم الأمر عندما تتأزم الأمور.

في افتتاحية من أروع البدايات في تاريخ السينما وأكثرها تشويقاً وتحفيزاً وحشداً .. وعبر مشهد تم ارتجاله أثناء قيام مارلون براندو بإجراء بروفة مبدئية تم تصويرها بواسطة قط كان يتجول صدفة في الاستوديو بمكياج أعطى ملامح « البولدوج « ابتكره براندو أيضاً .. يبدأ فيلم The God Father في سرد هذه الملحمة السينمائية التي بيعت مخطوطاتها التي دون عليها فيتو كروليوني (مارلون براندو) ملاحظاته بأكثر من ثلاثمائة ألف دولار في مزاد كريستيز وحصل على أعلى التقييمات في أفلام العصابات من معهد الفيلم الأمريكي وعلى المركز الثاني في قاعدة بيانات الأفلام الأمريكية على الانترنت ، فيلم العراب من الأعمال الكبرى الخالدة التي تتجاوز أي إطار ، بما تركه من رد فعل جماهيريا غير مسبوق عالمياً.

قصة الفيلم التي كتبها الروائي الايطالي البارع « ماريو بوزو» لم تكن هي أفضل أعماله بل يعترف إنه كتبها من أجل المال لأن رواياته السابقة لم تلق نجاحاً وحاصرته الديون ! ولعبت الأقدار لعبتها حين قررت شركة « بارامونت « شراء القصة التي تدور حول عالم المافيا وكل ما يتعلق به من جرائم وعلاقات وتشابكات وصلات خفية، واقعية القصة واستلهام شخوصها من نماذج حقيقية ساهم في شعبيتها ورواجها حتى بلغت نسخ مبيعاتها 21 مليون نسخة.

شخصيات الرواية رُسمت بإحكام ، حوارات في منتهى القوة ، كل جملة تعد عبارة مأثورة يتجدد معها الوعي .. شلال من الشغف يجتاحك ، وجدان ينتعش بالفكر والتأمل في علاقة الكل بالجزء ، وزعزعة القناعات وخلخلة الطقس الثابت لحياتنا اليومية ، شعور سام بالألم والرهبة .. ودروس مستفادة مستمدة من هذه الحياة السحيقة ، وحِكم تجري بها الألسنة تشي بالنسب الايطالي لكاتب (العراب) مع كاتب (الأمير) ميكافيللي.

هي رواية عائلية أكثر منها رواية عن العصابات ، رواية تتحدث عن « عائلات المافيا « عن الجريمة المنظمة والهجرة إلى أمريكا .. عن العدالة المفقودة وفساد (السلطة) التي وصفها الفيلم في إحدى عباراته « إنها تنتهك من لا يملكها « مخرج الفيلم عبقرية ايطالية الأصل أمريكية الجنسية .. « فرنسيس فورد كوبولا « الذي كان عمره 32 عاماً فقط حين أسندت إليه مهمة إخراج هذا الفيلم الذي ضم من أبناء بلدته اثنين من أعظم ممثلي السينما عبر تاريخها .. آل باتشينو وروبرت دي نيرو .. (اشتركت عائلة كوبولا في الفيلم شقيقته (ابنة فيتو) وابنته ابنة (مايكل كورليوني) ووالده ووالدته في مشاهد عابرة .

تدور أحداث الفيلم في أجزائه الثلاثة ، حول عصابات المافيا وعائلاتها الخمس والتي اعترض بعض أفرادها على تسميتهم في الفيلم بـ « المافيا « وهددوا فريق العمل والمخرج وهو كاتب السيناريو أيضاً بالاشتراك مع المؤلف ، وبالفعل لم تذكر كلمة المافيا مرة واحدة في الفيلم .. ولكن الطريف أنهم أثنوا على أداء مارلون براندو بعد مشاهدتهم للفيلم.






اغتيال البراءة في صقلية

فيتو كروليوني .. كان يعيش في صقلية ينتمي لعائلة اندوليني صحبته أمه بعد تشييع جنازة والده وشقيقه اللذين تم اغتيالهما على يد (دون) في بلدة كورليون .. استعطفته السيدة المتشحة بالحزن والسواد والقهر أن يرحم صغيرها فيتو من جبروته وألا يقتله هو أيضاً وانحنت تقبل يده في انكسار ورجاء ، وبغلظة المجرم العتيد نهرها قائلاً : ولكنه سيكبر وسيعود للانتقام ! – وعاد بالفعل – شعرت الأم بغدره.. فألجمته من رقبته ووضعت فيها السكين وصرخت : اهرب يا فيتو .. اهرب .. وجرى فيتو تتملكه مشاعر مضطربة من الصدمة والخوف والحزن والطاعة لوالدته التي دفعت حياتها ثمنا لهذا الموقف الذي لا تقدم عليه إلا الأم التي لم يتبق لها شيء في هذه الحياة لتعيش من أجله .. مشهد مضطرب في الجزء الثاني .. وأداء بديع لطفل صغير لم يلق ما يستحقه من إشادة وتقدير في ظل وجود « عمالقة كبار « حازوا على أكبر وأطول إعجاب في تاريخ السينما .. وتحتضن « عائلة صديقة» فيتو الصغير ويرسل الدون الظالم منادياً يجوب البلدة محذراً من أي شخص يتستر على فيتو في مشهد مستلهم من قصة فرعون مع موسى حين ألقته أمه في اليم.

كان فيتو خبيئة داخل حمار غطى بالزاد والقش ومن صقلية سافر إلى أمريكا يتيماً .. فقيراً ، بائساً ، لا يملك مأوى أو لغة ولا صحة .. فتم احتجازه في الحجر الصحي في جزيرة إيليس عند مدخل نيويورك حتى يتم شفاؤه من الجدري .. في كادرات متسعة وبطيئة مليئة بالتفاصيل التي يعيد المشاهد اكتشافها في كل مرة تهيمن صورة فيتو النحيل على الكادر وهو يتأمل سيدة الحرية بشعلتها يدندن لحنا هادئا ينم عن بذرة الأمل الكامنة في شخصيته وعن دماثته الفطرية فالإنسان لا يولد بشره .. قصص تتقاطع مع غيرها وكشف ذكي وموحي عن دوافع كل الشخصيات تدور أحداث الفيلم ونتتبع البقع السوداء وهي تتنامى على سريرته الفطرية النقية وكيف احترف الإجرام تدريجياً .. حين هدده « فانوتشي « بلطجي الحي الايطالي القديم في نيويورك في لقمة عيشه وتسبب في استغناء صاحب المحل عنه إرضاء لفانوتشي الذي يريد أن يوظف أحد أقربائه بدلاً منه .. ثم يفرض على فيتو وأصدقائه إتاوة فيقرر قتله ، وتترسخ صورته بأنه المجرم (الرحيم) لا يندفع وراء الجريمة إلا لدفع خطر أو تهديد ، لا يبدأ بالأذى لكنه سيكون قادراً دوماً على رده مضاعفاً وفقاً لقانون السيادة لمن أراد أن يسود ويحظى بالاحترام وهي قاعدة متينة في كتاب ميكافيللي : «أن تكون محبوباً ومهيباً .. فالناس قد تتردد في إبداء المحبة لأنها لا تكفلهم شيئاً لكنهم يهابون الأمير بإرادته فلا تترك مصيرك بأيديهم وإذا خيرت بين أن تكون محبوباً أو مهيبا فلتكن مهيباً» ويدور الصراع في الفيلم بين العراب والعائلات الخمس وفقا لهذه القاعدة التي لم يخرقها .. وسيصبح بطلاً في نظر أبناء حيه لمروءته وحرصه على عدم طرد أرملة يحتفظ ابنها بكلب صغير يريد أن يطردها المالك بسببه .. « سانتينو وفريدو ومايكل « هم أبناء الدون كورليوني إضافة إلى توم ابنه بالتبنى وأبنة وحيدة.

تعرض العراب لإطلاق النار من قبل رجال المافيا وبعد خروجه من المستشفى يقرر نقل سلطته إلى ابنه الأصغر مايكل (آل باتشينو) لما يملكه من صفات هدوء وترو وقدرة على القتل بدم بارد .. ويتورط مايكل وترفض زوجته أن يصبح نسخة من عائلته أو أبيه لكنه طريق لا يستطيع العودة منه « كلما حاول الابتعاد جذبوه إليهم من جديد « من جهة أخرى يحاول أن يسعى لإضفاء الشرعية على أعماله غير الشرعية من خلال التبرعات .. فالفساد يحكم المنظومة كلها وفي نهاية الفيلم يدفع مايكل ثمناً غالياً بخسارته لابنته في خضم هذا الجحيم الثأري في مشهد من أروع مشاهد السينما واصدقها ..



صقلية .. نوستالجيا العائلة

تجلت عبقرية المخرج وموهبته منذ سن التاسعة حين أصيب بشلل الأطفال وعزله المرض عن عالمه لمدة عام شغلها بعمل أفلام والتدريب على المونتاج وإضافة الصوت وعرضها على الأصدقاء والجيران فيما يعد درسا في السينما في جامعة كاليفورنيا ولم تشف الدراسة فضوله، ينتمي لعائلة فنية ، تجلت موهبته في إخراج فيلم العراب بأسلوبه الخاص بعيداً عن الأساليب المعروفة في هوليود .. ولحداثة سنه وتجاربه كانت الشركة المنتجة تداخلها الشكوك بشأن أسلوبه في العمل .. أصر على الاستعانة «بالعملاق مارلون براندو» وكانت الشركة رافضة لأنه مثير للمشاكل على حد تعبيرهم ..وتمسك بآل باتشينو وكان صغيراً لا يلفت إلا العين الخبيرة الفاحصة .. «العراب» رواية منبتها صقلية : «الحافلة بالناس من أهلها ومن الغرباء من اليهود والعرب والاغريق والبربر والفرس والتتار والزنوج .. خليط ضخم من الجنسيات» والتي فتحها أسد بن الفرات واليها ينتمي جوهر الصقلي الذي أسس القاهرة وبنى الجامع الأزهر .. وكان من أمراء الجزيرة الحافلة بعادات شرقية الطابع في بعض جوانبها .. تمتاز بمراعيها واشجار الزيتون والبرتقال وبأكبر بركان ثائر فى أوروبا « أتنا» لؤلؤة جنوب إيطاليا التي يقدس أهلها (العائلة) وتقاليدها وولاؤهم شديد لها زارها الإمام محمد عبده وأعجب بمحافظتهم على التماثيل .. في خضم هذه الأجواء ترعرعت المافيا ونشأت في القرن الثالث عشر في هذه المدينة وكانت في الأساس منظمة سرية لمكافحة الغزاة الفرنسيين (موت الفرنسيين هو صرخة إيطاليا) قام موسوليني بمحاربتهم وتضييق الحصار عليهم وسجنهم وهاجر منهم الكثيرون إلى أمريكا .. ينتمي أجداد آل باتشينو إلى صقلية وكانت المفاجأة إلى بلدة كورليون تحديداً .. لعب كوبولا بكل كروت الإجادة التي أسفرت عن هذه التحفة الفنية .. للعائلة مكانة خاصة في نشأته وتكوينه .. لديه ولاء مزدوج شأن معظم الجنسيات التي هاجرت إلى أمريكا « شعرت أثناء إخراجي للفيلم أنني جزء من هذه العائلة على الرغم مما ارتكبوه من أخطاء شديدة « الرواية تبحث عن الأصل الأول للمهاجرين في التفكير والأفعال ومدى الاندماج مع المجتمع الأمريكي من أول جملة حوار في الفيلم .. استخدام الرمزيات جاء بأروع ما يكون بدءاً من أفيش الفيلم الذي يمسك فيه العراب بخيوط الماريونيت السوداء وهو مختفي فهو لا يعمل بيديه ولكن بعقله وبتوجيهاته قال سارتر يوماً ما : « من لا يجدف هو الوحيد الذي يمكنه أن يؤرجح القارب « العراب وأي عراب يحرك الأشخاص والأحداث يميناً ويساراً وأسفل وأعلى من نقطة هو مركزها فن تحريك العرائس والبشر فن قديم يحركها فيتو بأنامله المتمكنة أو تحركها سياسات كبرى عالمية ..

في حواره مع مجلة « ذي أتلانتك » يعترف أوباما بقوله: «الحقيقة لم توجد قمة حضرتها ولم نكن نحن الذين وضعنا أجندتها ولم نكن المسئولين عن نتائجها الرئيسية سواء كنا نتحدث عن الأمن النووي أو انقاذ النظام المالي العالمي أو حتى كنا نتحدث عن المناخ .. إذا لم تخطط لشيء فإنه لن يحدث.

بالرغم من كل السوءات التي ارتكبها (مايكل) إلا أن الجريمة الكبرى في نظر كوبولا تتجلى في قتله لأخيه .. (قابيل وهابيل) وقبله يهوذا التى سبقت الاغتيال.






الحلم الأمريكي

يدور محور هام من الفيلم عن حلم الهجرة الأمريكي وحلم الرخاء المادي الذي تبخر إلى حد كبير لأنه لم يساعد معظم المواطنين من الطبقة الدنيا صحيح أن الحلم كان يقتات على السير الحسنة لأصحاب مواهب وطاقات صعدوا إلى أعلى الدرجات بصرف النظر عن المعتقد أو الدين أو العرق الذي ينتمون إليه .. ولكن الاقتصادى جوزيف ستيجليز الفائز بنوبل يرى أن الحلم الأمريكي أصبح أقرب للخيال والأسطورة .. وهو حلم سخر منه الأديب جون شتاينبك وكشف عما يصاحبه من آثام الأنانية والفردية والتسلق .. وكشف عنه النقاب شارلي شابلن في فيلمه المهاجر مبكراً ويقال أنه كان من ضمن حيثيات منعه من العودة للإقامة في أمريكا لأنه ركل ضابط الجوازات بعد وصوله في الفيلم إلى ميناء نيويورك إلى جانب اتهامه بالشيوعية.. هو حلم يكتشفه المهاجرون بعد أن تطأ أقدامهم أرض الحرية وبلاد الذهب .. حيث ينتظرهم تمثال الحرية الذي وضعت عليه لافتة منذ ثلاثة أسابيع حققت فيها شرطة حدائق نيويورك مكتوباً عليها « أهلاً باللاجئين « وتمت إزالتها فوراً.

تغيرت الحال بالطبع فالأبيات الشعرية التي كتبتها الشاعرة الأمريكية (إيما لازاروس 1849 – 1887) على قاعدته لم تعد تصلح لهذا الزمان ويقال أنها كتبت من قبل الشاعرة اليهودية لاستقبال اليهود المهاجرين من روسيا بعد اغتيال القيصر عام 1881 واضطهادهم كتبت لازاروس على قاعدة تمثال سيدة الحرية التي تحمل شعلتها في شموخ تقول: (هلم إليّ أيها المتعبون المضطهدون .. أعطوني متاعبكم وفقراءكم وكل الباحثين عن الحرية ونسيمها .. الذين عصفت بهم الرياح ها أنا ذا أرفع لكم مصباحي عند مدخل الباب الذهبي ) تبخر الحلم تدريجياً وانتقل من حلم يقظة إلى حلم ينبغي على الإنسان السعي لتحقيقه بالكد والعرق لا من أجل الامتلاك ولكن حتى يستطيع المرء الإيفاء بما عليه من أعباء وأقساط .

قضية المهاجرين وانصهارهم والانتماء المزدوج من أهم القضايا التى تجدد الحديث عنها مؤخرا ولكنها قضية قديمة طرحها الفيلم بإشارات ذكية فى المشهد الأول الذى اشرنا إليه فى البداية , حيث يلفت النظر إلى عملية الانصهار داخل المجتمع الامريكى وما تتطلبه من درجة حرارة ساخنة والكثير من المرونة حتى يندمج الفرد فى ثنايا هذه السبيكة "الحلم الامريكى"الذى لم يكن بالنقاء المثالى الذى صدرته هوليوود حلم( الحرية والمساواة والثراء) .

الرواية الرائعة لسكوت فيتزجرالد « جاتسبي العظيم « هي صورة خالدة في الوجدان عن هذا الحلم بألقه وبهائه ومع بداية عصر الكساد , كان التحدي أمام البطل يتمثل في عدم الجري وراء الأوهام وإحياء الماضي وحبه القديم هى قصة تحويل الحلم لحقيقة في نص رائع يمس شغاف القلب .. شأن سيناريو فيلمنا هذا الذي يبحث في السلطة الأبوية وقانون الطاعة العمياء وبنية الأسطورة التي تحمل نداء الهجرة والمغامرة والاستمالة ومدى الاستعداد لاجتياز العتبة الأولى والانجراف مع التيار والصراع بين الواجب والعاطفة .. ولحظة الإغواء الأولى .. قننت أعداد المهاجرين وحددها ترامب في تصريح له مؤخراً بخمسين ألف شخص سيدخلون البلاد في 2017.. أما نسبة المهاجرين غير المولودين في أمريكا وتشمل المواطنين العاديين وحاملي الجنسيات بصورة قانونية فقد بلغت 43 مليوناً عام 2015 أي ما يعادل نسبة 13.5% من عدد السكان وهي نسبة كبيرة لكنها مألوفة في بلد قام على أكتاف المهاجرين.

اتخذ كوبولا من الواقع القريب نقطة انطلاق لانتهاك هذا الحلم : عقدة فيتنام ، فضيحة ووترجيت ، ظهور الهيبيز وموسيقى الجاز ووقف الناس بالطوابير أمام السينمات لمشاهدة هذا العراب الذي كان موضع إعجاب صدام حسين والقذافي ومن ضمن خمسة أفلام مفضلة لترامب .. وبرؤية إخراجية بديعة استطاع كوبولا اللعب على وتر النوستالجيا ببراعة غير مسبوقة ولم يكن يعلم أن أحدث الدراسات ستثبت أن 80% من الناس يشعرون بالنوستالجيا مرة واحدة أسبوعياً .. العالم يحن لصورته وذكرياته حين يسوء به الواقع واللحظة الحاضرة دائماً منفلتة تغيب عنها السعادة وما تستحقه من احتفاء ولا يتم ذلك للأسف إلا بأثر رجعي.

فيلم العراب الذي فاز بأوسكار أحسن ممثل لمارلون براندو وروبرت دي نيرو وأحسن فيلم للجزءين وأحسن إخراج وأحسن موسيقى .. ارتبط بما يعرف « بمتلازمة العراب « وهي تعني عدم نجاح الجزء الثالث من أي فيلم بالصورة المتوقعة مثلما حدث مع العراب.. أو تقمص شخصية الدون كورليوني أو الشعور بوجود المافيا في أي مجال.. علماً بأن المافيا ظهرت في الدول التي تشتد فيها وطأة القانون ثم سحبت قوانينها على رجال المال والسياسة والساسة.






سحر الماندولين

الموسيقى التصويرية التي وضعها الموسيقار نينو روتا لهذا الفيلم تسحر الألباب .. وإدمان مشاهدة الفيلم يبدأ منذ بداية التتر .. تنويعات من حالة الشجن .. دفقات حزينة من الساكسفون.. يكسرها سحر الماندولين ثم تعود الأصابع التي تحرك الدمى تتأرجح بين الشجن والحنين ولكن الشجن هو المستقر في هذا اللحن .. ينعي الضحايا والبراءة التي لم يطهرها الدنس لحن يدفع شقيقة مايكل لوضع طرحتها على رأسها كلما حلت مصيبة .. موسيقى مستوحاه من مراعى صقلية.

للمافيا أدبيات وقواعد للعب .. والفيلم بدوره تحول إلى « فيديو جيم « يستجوب فيها اللاعب الرهائن من أجل الحصول على المعلومات ويقوم بتشكيل العصابة الخاصة به ويفرض رسوماً على التجار مقابل حمايتهم وبذلك يفرض سيطرته عليهم – حين سئل أوباما عن تنظيم داعش وما أحدثه في المنطقة من إخلال لتوازنات القوى وتوزيع الأدوار استدعى مشهداً من فيلم « The Dark Knight « لتوضيح رؤيته وتفسير ما يجري في المنطقة بقوله : « في الفيلم المذكور مشهد يجتمع فيه رؤساء عصابات جوتام وهم الرجال الذين قسموا المدينة « وكان هؤلاء رجال عصابات ولكن كانت هناك حالة من النظام تسمح للجميع بالحصول على حقه .. حتى جاء الجوكر وأشعل المدينة كلها.. تنظيم الدولة هو (الجوكر) لديه القدرة على حرق المنطقة كلها «.



العظماء الثلاثة

المال هو المسدس والسياسة هي أن تعرف متى تضغط على الزناد .. حتى الرجل الغني بحاجة إلى وجود أصدقاء .. عبارات ودرر لم ينفرد بها فيلم من قبل بهذا الزخم .. أما أداء الرشيق رفيع الكبرياء .. صاحب مدرسة التمثيل بالإيماء المبتكر لحركة حك الدقن باطراف أصابعه وتحسس منتصف فروة رأسه اللامعة بيده .. المتمرد الكاره للسلطة والرافض للأوسكار والفاشل في المدرسة والمفتقد لحب الأب وتشجيعه وحنان الأم التي فضلت معاقرة الخمر على الاعتناء به فهو حالة فريدة أداؤه يدرس في معاهد السينما .. الرائع مارلون براندو .. الذي تربع على عرش هوليود لكنه يرى أن التمثيل عمل يتطلب مهارات خاصة : « الشهرة كانت سم حياتي وكنت أتخلص من أعبائها بسرور .. لم أشعر بشغف التمثيل لأي سبب غير تزويد نفسي بلقمة العيش..

تعلم هذا النابغة على يد ستيلا أدلر و لى ستراسبيرج في ستوديو الممثل في نيويورك وهي بدورها تعلمت في مدرسة الرائد الروسي الكبير ستاينسلافسكي فحقيقة الأمر أن الروس هم الذين علّموا الأمريكان التمثيل الذي يرى براندو أنه يقوم به دون أي مجهود - . من فرط الموهبة – ويستطرد قائلاً .. التمثيل أقدم حرفة في العالم حتى القرد يمثل إذا أردت أن تثير المتاعب مع أحد القرود ما عليك إلا أن تحدق في عينيه مباشرة .. سيكون هذا بمنزلة هجوم يجعل القرد يضرب بيده على صدره مدعياً الهجوم .. إنه يمثل أملاً أن تشيح ببصرك عنه.

أما باتشينو ودي نيرو فيشتركان في طغيان الموهبة واستئثارهما بالمشاهد وأصلهما الايطالي .. كلاهما عاش في نيويورك يرصدان كل خلجة تفيد أداء دورهما .. تعلما أيضاً في استوديو الممثل ويحظى براندو بمكانة رفيعة في نفسيهما .. (العراب) نموذج لحلم تمنى هنري ميلر أن يتحقق يوماً : « أتمنى أن أشاهد اليوم الذي يحل فيه الفيلم محل الأدب حين لا تصبح هناك ضرورة للقراءة أو يعزف الناس عنها .. الإنسان يتذكر من الفيلم وجوهاً وإيماءات بصورة مختلفة تماماً عن القراءة « هذه هي قيمة السينما ومجدها ورسالتها وخلود بعض أفلامها في عصرنا الحديث .. البحث عن القيمة التي تبقى .. السينما فن صناعة الشغف وصناعة كل ما هو جميل ومفيد وممتع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق