الجمعة 20 من جمادي الاولى 1438 هــ 17 فبراير 2017 السنة 141 العدد 47555

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بمرور عام على رحيل محمد حسنيين هيكل
خبيئة الأستاذ ..الإبر والبشر

أنور عبد اللطيف
حاولت السيدة هدايت تيمور أن تتماسك فى كبرياء صاحبة الرسالة كرفيقة الدرب وشريكة العمر والسند فى رحلة «الأستاذ» إلى المجد، جففت دمعتين انسابتا فى هدوء وهى تهمس فى صمت بليغ تناجى صورة الاستاذ هيكل كأنها ،تقرأ نظرة المودع التى تطل من العينين: (أعشق هذه الحالة فى محمد، النظرة إلى بعيد والابتسامة الخفيفة التى تترجم لغة قلب يسكنه الرضا عن المهمة)، قلت لها ان الأستاذ بين تلاميذه وأحبابه لم يمت، قالت : مين قال كده .. أنا أشعر بغيابه كل يوم و بالذات حين يخلو البيت من الأولاد والأحفاد وتهدأ الأصوات .

.............

زرت مكتب الأستاذ هيكل قبل أسبوعين ، سمعت صفير الصمت وهمس الذكريات، وقرأت دلالات خريطة أمن مصر القومى التى ما زالت تحتل مكانها فوق مكتبه، غير أنى شاهدت حركة غير عادية وصناديق الأوراق والكتب والملفات والوثائق، وحده بقى تمثال الكاتب المصرى القديم «جالس القرفصاء» بجوار فنجان القهوة عن يمين مقعد الأستاذ لمحت عمليات فرز وتصنيف للأوراق والملفات والوثائق ، (الاستاذ هيكل لم يكن مجرد كاتب صحفى في السياسة والحرب والاتفاقيات والمعاهدات، بل كان دائرة معارف فى كل شىء، ما يخص البلد وأمنها وسلامتها فى ملفات وما يخص الصحافة وما يخص السياسة، ومشروعاته وخططه وما خطت يداه، كل ماتركه وما احتفظ به له قيمة الوثيقة وأهميتها، أما جائزة هيكل للصحافة فاللجنة التى يشكلها الصحفيون ستختار فى فرعين، الصحافة السياسية والصحافة الالكترونية)..

من يصدق أن هذا الرجل الذى كان شديد الحب للحياة قد كتب وصيته وهو فى مطلع الألفية الثالثة وكان فى السابعة والسبعين من عمره، من يصدق أن الرجل الذى استأذن فى الانصراف وهو فى الثمانين من عمره وتكررت فى أحاديثه ولقاءاته ووصاياه كلمات «مستقبلى صار ورائى» و«هذه تجربتنا» و «نحن قمنا بدورنا» و«رؤيتنا قدمناها» و«الأمانة سلمناها».. هو الآن أكثر من يشدنا بكتاباته الي الثقة فى هذا الوطن ومشروعه المتجدد والثقة فى المستقبل والجيل الجديد ، قال لنا يوما : مطلوب منكم أن تقوموا بثورة تناسب عصركم على ما فعلناه.. فإذا بنا ـ إذا قمنا بثورة مهنية ـ نجد أنفسنا نعود الى مافعله وما وضعه من اصول وقواعد.

وفى هذا العدد تصفحت بعض الكنوز التى أصدرها الأهرام فى مجلدات مقالات « بصراحة واستمتعت بأسلوبه فى تناول كل القضايا بأرقى فنون أدب صحافة «المستقبل» الراقية.

فعلا لم يكن الأستاذ هيكل جورنالجيا ناجحا تحمل كتاباته طعما فريدا فى السياسة والحرب والاستراتيجيات والأمن القومى، بل كان إنسانا ومحققا من طراز رفيع، اخترنا «خبيئة» فى شكل تحقيق نادر ومشوق كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل «بصراحة» من مستشفى السلام بالصين فى عام 1973تحت عنوان «الإبر والبشر» نقدمه اليوم لقراء الأهرام وعشاق الكتابة الرشيقة، على الصفحة الأولى والبقية فى الصفحة الثامنة, بنفس ملامح عصره ونفس معالم تاريخه وحتى رائحة الورق .. وشكل الحروف... لأنه يمثل «قراءة» الأستاذ لدور «الأطباء الحفاة» فى «حالة» عودة الروح إلى أمة.

 


 

 
 الإبر‭ ‬والبشر
 
 

لا‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬هو‭ ‬تماما،‭ ‬ولكنى‭ ‬رأيته‭ ‬فى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬فى‭ ‬الصين‭.‬ ولست‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أجد‭ ‬الوصف‭ ‬الدقيق‭ ‬له،‭ ‬لأنه‭ ‬‮«‬حالة‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬‮«‬شيئا‮»‬‭ ‬محددا‭.‬ وقد‭ ‬أسميه‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬عودة‭ ‬الروح‭ ‬إلى‭ ‬أمة‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬شعور‭ ‬أمة‭ ‬بأنها‭ ‬عثرت‭ ‬على‭ ‬نفسها‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬حالة‭ ‬إحساس‭ ‬أمة‭ ‬بدورها‮»‬‭...‬

واحدة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬مزيج‭ ‬منها‭ ‬جميعا‭!‬
‭******‬
وقلت‭ ‬اننى‭ ‬رأيت‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬فى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬فى‭ ‬الصين‭.‬
ولعلى‭ ‬أقول‭ ‬إن‭ ‬أكثر‭ ‬مكان‭ ‬رأيت‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬بشكل‭ ‬حى‭ ‬ومثير،‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬‮«‬مستشفى‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬فى‭ ‬بكين،‭ ‬ذات‭ ‬صباح‭ ‬باكر،‭ ‬هبطت‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬عشرين‭ ‬درجة‭ ‬تحت‭ ‬الصفر‭.‬
وفى‭ ‬الليلة‭ ‬السابقة‭ ‬اتصل‭ ‬بى‭ ‬‮«‬بنج‭ ‬هوا‮»‬‭ ‬مدير‭ ‬الصحافة‭ ‬الأجنبية‭ ‬فى‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬يقول‭ ‬لى‭: ‬
ـ‭ ‬أنك‭ ‬طلبت‭ ‬أن‭ ‬تشاهد‭ ‬عملية‭ ‬جراحية‭ ‬تتم‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر؟‭.‬
وقلت‭:‬
ـ‭ ‬نعم،‭ ‬ولكن‭ ‬أحد‭ ‬مساعديك‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬شيانج‭ ‬شينج‭ ‬تسونج‮»‬،‭ ‬ذكر‭ ‬لى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬لا‭ ‬تجرى‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬استجابة‭ ‬المرضى،‭ ‬وبعضهم‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يتردد‭.‬
وقال‭ ‬‮«‬بنج‭ ‬هوا‮»‬‭:‬
ـ‭ ‬الحظ‭ ‬معك‭ ‬فيما‭ ‬يبدو،‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬غدا‭ ‬ثلاث‭ ‬عمليات‭ ‬جراحية‭ ‬سوف‭ ‬تجرى‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر،‭ ‬وسوف‭ ‬تجرى‭ ‬كلها‭ ‬صباح‭ ‬الغد‭ ‬فى‭ ‬مستشفى‭ ‬السلام،‭ ‬وتستطيع‭ ‬أن‭ ‬تشاهدها‭ ‬جميعا‭ ‬إذا‭ ‬استيقظت‭ ‬فى‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬
وقلت‭:‬
ـ‭ ‬اننى‭ ‬سوف‭ ‬أكون‭ ‬فى‭ ‬مستشفى‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬الفجر‭ ‬إذا‭ ‬اقتضى‭ ‬الأمر،‭ ‬لأننى‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬بعينى‭.‬
‭******‬
كل‭ ‬المستشفيات‭ ‬فى‭ ‬بكين‭ ‬تحمل‭ ‬أسماء‭ ‬لها‭ ‬رنين‭: ‬‮«‬مستشفى‭ ‬السلام‮»‬‭... ‬‮«‬مستشفى‭ ‬الصداقة‮»‬‭... ‬‮«‬مستشفى‭ ‬المحبة‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‮»‬‭... ‬إلى‭ ‬آخره‭!‬
وعلى‭ ‬باب‭ ‬مستشفى‭ ‬السلام‭ ‬فى‭ ‬بكين،‭ ‬والرياح‭ ‬تهب‭ ‬فى‭ ‬الصباح‭ ‬الباكر‭ ‬بقسوة،‭ ‬ولسعاتها‭ ‬أشبه‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬بضربات‭ ‬سياط‭ ‬من‭ ‬ثلج،‭ ‬كان‭ ‬الدكتور‭ ‬‮«‬تشيانج‭ ‬وى‭ ‬هو‭ ‬سيون‮»‬‭ ‬واقفا‭ ‬فى‭ ‬انتظارى‭ ‬يقدم‭ ‬نفسه،‭ ‬باعتباره‭: ‬‮«‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬اللجنة‭ ‬الثورية‭ ‬فى‭ ‬المستشفى‮»‬‭.‬
رجل‭ ‬تجاوز‭ ‬الخمسين،‭ ‬ملامحه‭ ‬صينية‭ ‬محددة‭ ‬التقاطيع،‭ ‬قامته‭ ‬منتصبة،‭ ‬حيويته‭ ‬ظاهرة‭ ‬لأول‭ ‬وهلة‭...‬
واعترف‭ ‬ـ‭ ‬آسفا‭ ‬ـ‭ ‬أننى‭ ‬لم‭ ‬أقدره‭ ‬حق‭ ‬قدره‭ ‬فى‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬للمقابلة‭.‬
قلت‭ ‬لنفسى‭:‬
ـ‭ ‬ماذا‭ ‬سيكون؟‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬اللجنة‭ ‬الثورية‭ ‬فى‭ ‬مستشفى‭ ‬السلام‭... ‬سيكون‭ ‬طبيبا‭ ‬متسيسا،‭ ‬أو‭ ‬سياسيا‭ ‬متطببا،‭ ‬وهذه‭ ‬أحسن‭ ‬الفروض‭... ‬وسوف‭ ‬يكون‭ ‬ما‭ ‬أسمعه‭ ‬منه‭ ‬ترديدا‭ ‬حماسيا‭ ‬لنفس‭ ‬العبارات‭ ‬الإنشائية‭ ‬التى‭ ‬يزيدون‭ ‬ويعيدون‭ ‬فيها‭ ‬ـ‭ ‬أحيانا‭ ‬ـ‭ ‬فى‭ ‬الصين،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فليقل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقوله،‭ ‬وليكن‭ ‬الاصغاء‭ ‬إليه‭ ‬تدريبا‭ ‬آخر‭ ‬فى‭ ‬الصبر،‭ ‬ولكن‭ ‬المهم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أرى‭ ‬ما‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أراه‭!‬
‭******‬
وذهبنا‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬الاستقبال،‭ ‬وجلست‭ ‬معه‭ ‬أسمعه‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬مستشفاه،‭ ‬وفى‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ ‬ما‭ ‬سمعت‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬توقعت‭!‬
كل‭ ‬المستشفى‭ ‬الكبير‭ ‬فى‭ ‬خدمة‭ ‬الجماهير‭... ‬مسئولياته‭ ‬تتسع‭ ‬لعلاج‭ ‬قرابة‭ ‬سبعمائة‭ ‬ألف‭ ‬متردد‭ ‬عليه‭ ‬فى‭ ‬السنة،‭ ‬لأغراض‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬الكشف‭ ‬السريع‭ ‬إلى‭ ‬العمليات‭ ‬الجراحية‭ ‬المعقدة‭... ‬ثم‭ ‬تطبيق‭ ‬تعاليم‭ ‬ماوتسى‭ ‬تونج‭ ‬فى‭ ‬الطب‭!‬
ووجدت‭ ‬أننا‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬العبارات‭ ‬الإنشائية‭ ‬بأسرع‭ ‬مما‭ ‬قدرت،‭ ‬وقررت‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أسكت،‭ ‬وقلت‭:‬
ـ‭ ‬دكتور‭ ‬تشيانج‭... ‬هل‭ ‬نتحدث‭ ‬فى‭ ‬الطب‭ ‬أم‭ ‬فى‭ ‬السياسة؟
أنت‭ ‬رجل‭ ‬علمى‭ ‬بوصفك‭ ‬طبيبا،‭ ‬وبهذا‭ ‬الوصف‭ ‬فإننى‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أسألك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬دخل‭ ‬تعاليم‭ ‬‮»‬ماوتسى‭ ‬تونج‮«‬‭ ‬فى‭ ‬علاج‭ ‬الأمراض،‭ ‬وفى‭ ‬إجراء‭ ‬العمليات‭ ‬الجراحية؟
وتوقعت‭ ‬أن‭ ‬يضيق‭ ‬‮»‬الدكتور‭ ‬تشيانج‮«‬‭ ‬بسؤالى‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬ولكن‭ ‬الرجل‭ ‬للحق،‭ ‬ابتسم‭ ‬بهدوء‭ ‬وقال‭:‬
ـ‭ ‬إننى‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬الطب‭ ‬يا‭ ‬سيدى‭...‬
إن‭ ‬الرئيس‭ ‬ماو‭ ‬قال‭ ‬لنا‭:‬
‮»‬اخدموا‭ ‬الشعب،‭ ‬وعيشوا‭ ‬حياته،‭ ‬وتعلموا‭ ‬منه‮«‬‭.‬
وهذا‭ ‬ما‭ ‬نحاول‭ ‬تطبيقه‭.‬
واستطرد‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭:‬
ـ‭ ‬إننى‭ ‬أعرف‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬خطر‭ ‬على‭ ‬فكرك‭ ‬وأنت‭ ‬تسمعنى‭... ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬فكرت‭ ‬فيه‭ ‬أنا‭ ‬أيضا‭ ‬فى‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام،‭ ‬عندما‭ ‬قررت‭ ‬العودة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لكى‭ ‬أعمل‭ ‬وأعيش‭ ‬فى‭ ‬الصين‭.‬
وسألته‭ ‬مندهشا‭:‬
ـ‭ ‬ماذا‭ ‬كنت‭ ‬تفعل‭ ‬فى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية؟‭.‬
ورد‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭:‬
ـ‭ ‬إن‭ ‬أسرتى‭ ‬كانت‭ ‬تقيم‭ ‬هناك‭ ‬فى‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬وقد‭ ‬درست‭ ‬الطب‭ ‬شخصيا‭ ‬فى‭ ‬جامعتها،‭ ‬وحصلت‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬الدكتوراة‭ ‬فى‭ ‬طب‭ ‬الأطفال،‭ ‬وعرضوا‭ ‬علىّ‭ ‬أن‭ ‬أعمل‭ ‬أستاذا‭ ‬لطب‭ ‬الأطفال‭ ‬فى‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬وقبلت‭ ‬لفترة،‭ ‬ولكننى‭ ‬أحسست‭ ‬بنداء‭ ‬الصين،‭ ‬وركبت‭ ‬باخرة‭ ‬من‭ ‬سان‭ ‬فرانسسكو‭ ‬وعدت‭ ‬إلى‭ ‬وطنى،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬فى‭ ‬بداية‭ ‬نجاح‭ ‬الثورة‭ ‬فى‭ ‬تحرير‭ ‬الصين‭.‬
وأمسكت‭ ‬بالفرصة‭ ‬وقلت‭:‬
ـ‭ ‬دكتور‭ ‬تشيانج،‭ ‬ألا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬بالإنجليزية،‭ ‬ونوفر‭ ‬الوقت‭ ‬الضائع‭ ‬فى‭ ‬الترجمة‭ ‬من‭ ‬الصينية‭ ‬وإليها؟‭...‬
انك‭ ‬تثير‭ ‬فضولى‭ ‬فى‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة،‭ ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حديثى‭ ‬معك‭ ‬مباشرا‭!.‬
ورد‭ ‬بإنجليزية‭ ‬مدهشة‭:‬
ـ‭ ‬كما‭ ‬تشاء‭ ‬يا‭ ‬سيدى‭!.‬
واستطرد‭:‬
ـ‭ ‬ولكن‭ ‬دعنى‭ ‬أقدم‭ ‬لك‭ ‬تمهيدا‭ ‬سريعا‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر‭ ‬وإجراء‭ ‬العمليات‭ ‬الجراحية‭ ‬تحت‭ ‬تأثيره‭... ‬إن‭ ‬العمليات‭ ‬الثلاث‭ ‬التى‭ ‬ستشهدها‭ ‬سوف‭ ‬تبدأ‭ ‬بعد‭ ‬دقائق،‭ ‬ولابد‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬غرف‭ ‬متصلة،‭ ‬وكل‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬سوف‭ ‬تشهد‭ ‬عملية‭ ‬جراحية‭ ‬يجرى‭ ‬التخدير‭ ‬فيها‭ ‬بواسطة‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر‭.‬
كنت‭ ‬قد‭ ‬ذكرت‭ ‬أمامك‭ ‬قول‭ ‬الرئيس‭ ‬ماو‭:‬
‮»‬اخدموا‭ ‬الشعب،‭ ‬وعيشوا‭ ‬حياته،‭ ‬وتعلموا‭ ‬منه‮«‬‭.‬
عندما‭ ‬نطبق‭ ‬ذلك‭ ‬فى‭ ‬الطب‭ ‬فسوف‭ ‬آخذ‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر‭ ‬كنموذج‭ ‬عملى‭.‬
الوخز‭ ‬بالإبر‭ ‬فى‭ ‬الصين‭ ‬قديم،‭ ‬وفيما‭ ‬عدا‭ ‬استخدام‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر‭ ‬فى‭ ‬علاج‭ ‬بعض‭ ‬الأمراض،‭ ‬فلقد‭ ‬ثبت‭ ‬أن‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬مواضع‭ ‬الجسم‭ ‬يمنع‭ ‬الإحساس‭ ‬بالألم‭ ‬تماما‭.‬
إننا‭ ‬لم‭ ‬نستطع‭ ‬بالعلم‭ ‬الحديث‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬تفسيرا‭ ‬كاملا‭ ‬لذلك‭.‬
وكنا‭ ‬بين‭ ‬أحد‭ ‬أمرين‭:‬
أن‭ ‬نترك‭ ‬التجربة‭ ‬حتى‭ ‬نستطيع‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أعماقها‭ ‬ونكشف‭ ‬كل‭ ‬خباياها‭.‬
أو‭ ‬أن‭ ‬نمارسها‭ ‬وفقا‭ ‬للقواعد‭ ‬القديمة‭ ‬التى‭ ‬ثبت‭ ‬نجاحها،‭ ‬ثم‭ ‬ندرس‭ ‬ونحاول‭ ‬أن‭ ‬نستكشف‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الممارسة‭.‬
إذا‭ ‬كنا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نتعلم‭ ‬من‭ ‬الشعب،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نلقى‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬بتجاربه‭.‬
علينا‭ ‬أن‭ ‬نمارس‭ ‬طبقا‭ ‬لهذه‭ ‬التجارب‭.‬
وعلينا‭ ‬أن‭ ‬ندرس،‭ ‬وأن‭ ‬نزيد‭ ‬علمنا‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬بما‭ ‬ندرسه،‭ ‬حتى‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬القانون‭ ‬العلمى‭ ‬الذى‭ ‬يشرح‭ ‬ويسبب‭ ‬وينظم‭ ‬كل‭ ‬شىء‭ ‬بالنسبة‭ ‬للوخز‭ ‬بالإبر‭.‬
إن‭ ‬هناك‭ ‬آراء‭ ‬كثيرة‭.‬
بعض‭ ‬هذه‭ ‬الآراء‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الإبر‭ ‬عندما‭ ‬تغوص‭ ‬فى‭ ‬أعصاب‭ ‬معينة‭ ‬تعزل‭ ‬إشارات‭ ‬الألم‭ ‬الصادرة‭ ‬من‭ ‬المخ‭.‬
وهناك‭ ‬آراء‭ ‬أخرى‭.‬
ولكن‭ ‬الثابت‭ ‬المجرب‭ ‬أمام‭ ‬عيوننا،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر‭ ‬فى‭ ‬مواضع‭ ‬معينة‭ ‬يحقق‭ ‬عزل‭ ‬الألم‭ ‬بالكامل،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تجرى‭ ‬العملية‭ ‬الجراحية‭ ‬لأى‭ ‬مريض‭ ‬وهو‭ ‬فى‭ ‬كامل‭ ‬وعيه‭ ‬وإدراكه،‭ ‬دون‭ ‬إحساس‭ ‬بالألم‭.‬
هذه‭ ‬مسألة‭ ‬مهمة‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭:‬
‭> ‬هناك‭ ‬مرضى‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬قلوبهم‭ ‬أن‭ ‬تتحمل‭ ‬وطأة‭ ‬أدوية‭ ‬التخدير‭ ‬المعروفة‭ ‬مضاعفاتها‭.‬
‭> ‬هناك‭ ‬عمليات‭ ‬جراحية‭ ‬يتمنى‭ ‬فيها‭ ‬الجراح‭ ‬لو‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬تعاون‭ ‬المريض‭ ‬الواعى‭ ‬معه‭ ‬بينما‭ ‬هو‭ ‬يجرى‭ ‬له‭ ‬العملية‭ ‬الجراحية‭.‬
‭> ‬هناك‭ ‬ظروف‭ ‬واجهناها‭ ‬كثيرا،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬الأدوية‭ ‬المخدرة‭ ‬الكافية‭ ‬بينما‭ ‬الإبر‭ ‬فى‭ ‬متناول‭ ‬أيدينا‭ ‬باستمرار‭.‬
هناك‭ ‬مشكلة‭ ‬واحدة‭ ‬فى‭ ‬إجراء‭ ‬العمليات‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر،‭ ‬وهذه‭ ‬المشكلة‭ ‬هى‭ ‬أن‭ ‬المريض‭ ‬يكون‭ ‬أحيانا‭ ‬فى‭ ‬حالة‭ ‬توتر‭ ‬نفسى‭ ‬لأنه‭ ‬يشعر‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يجرى‭ ‬حوله‭ ‬ويراه‭ ‬بعينيه،‭ ‬بينما‭ ‬ضرورات‭ ‬نجاح‭ ‬العملية‭ ‬الجراحية‭ ‬تقتضى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المريض‭ ‬مستريحا‭ ‬تماما‭ ‬ومسترخيا‭.‬
لكن‭ ‬المزايا‭ ‬فى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬تفوق‭ ‬المشكلات‭.‬
والمسألة‭ ‬فى‭ ‬النهاية‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬رغبة‭ ‬المريض،‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نفرض‭ ‬عليه‭ ‬شيئا‭.‬
وإذا‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك،‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬نجرب؟‭... ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬تستمر‭ ‬التجربة‭ ‬حتى‭ ‬نتوصل‭ ‬إلى‭ ‬القانون؟‭... ‬وإذا‭ ‬توصلنا‭ ‬إلى‭ ‬القانون‭ ‬العلمى‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬المسألة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬إسهاما‭ ‬عالميا‭ ‬فى‭ ‬فرع‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬فروع‭ ‬الجراحة‭...‬
ألا‭ ‬توافقنى؟‭!‬
‭******‬
ولم‭ ‬ينتظر‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭ ‬حتى‭ ‬أجيب‭ ‬عليه،‭ ‬ولعله‭ ‬لاحظ‭ ‬أننى‭ ‬كنت‭ ‬أفكر‭ ‬فيما‭ ‬يقول‭ ‬وأنتظر‭ ‬بفارغ‭ ‬صبر‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬أرى،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإنه‭ ‬استطرد‭:‬
ـ‭ ‬سوف‭ ‬نذهب‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬قاعات‭ ‬العمليات‭... ‬قبلها‭ ‬سوف‭ ‬نمر‭ ‬على‭ ‬غرفة‭ ‬التعقيم،‭ ‬وسوف‭ ‬أرجوك‭ ‬أن‭ ‬تخلع‭ ‬ملابسك‭ ‬وأن‭ ‬ترتدى‭ ‬ملابس‭ ‬طبية‭ ‬معقمة‭.‬
وسألنى‭ ‬فجأة‭:‬
ـ‭ ‬هل‭ ‬تخشى‭ ‬من‭ ‬منظر‭ ‬الدم؟
وقلت‭:‬
ـ‭ ‬إننى‭ ‬كنت‭ ‬فى‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬مراسلا‭ ‬حربيا،‭ ‬وأرجو‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أكون‭ ‬قد‭ ‬نسيت‭ ‬ما‭ ‬تعلمت‭ ‬من‭ ‬معايشة‭ ‬المأساة‭ ‬الإنسانية‭ ‬العظمى‭: ‬أعنى‭ ‬الحرب‭.‬
وقال‭ ‬دكتور‭ ‬تشيانج‭:‬
ـ‭ ‬إذا‭ ‬أحسست‭ ‬فى‭ ‬أى‭ ‬لحظة‭ ‬أنك‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تتحمل،‭ ‬فلك‭ ‬أن‭ ‬تشير‭ ‬إلىّ،‭ ‬وسوف‭ ‬نخرج‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬من‭ ‬غرف‭ ‬العمليات‭.‬
وتوجهنا‭ ‬عبر‭ ‬ممر‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬قاعة‭ ‬الاستقبال‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬التعقيم،‭ ‬وكان‭ ‬كل‭ ‬شىء‭ ‬معدا،‭ ‬بما‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬ملابس‭ ‬طبية‭ ‬معقمة‭ ‬خرجنا‭ ‬بها‭ ‬فى‭ ‬اتجاه‭ ‬غرف‭ ‬العمليات‭ ‬الثلاث‭.‬
وهناك‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬البداية‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬أن‭ ‬تجىء‭.‬
‭******‬
وطفت‭ ‬مع‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭ ‬بالغرف‭ ‬الثلاث‭:‬
‭< ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬العمليات‭ ‬فى‭ ‬الغرفة‭ ‬الأولى‭ ‬مريضة‭ ‬اسمها‭ ‬‮»‬تينج‭ ‬يا‭ ‬فانج‮«‬،‭ ‬عمرها‭ ‬46‭ ‬سنة،‭ ‬أظهر‭ ‬الفحص‭ ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬الأشعة،‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬ورم‭ ‬فى‭ ‬بطنها،‭ ‬يحتمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خبيثا‭.‬
وبعد‭ ‬خمس‭ ‬إبر‭ ‬تغرس‭ ‬فى‭ ‬الرأس‭ ‬والأنف،‭ ‬سوف‭ ‬يفتحون‭ ‬بطنها‭ ‬ويستأصلون‭ ‬الورم‭.‬
‭< ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬العمليات‭ ‬فى‭ ‬الغرفة‭ ‬الثانية‭ ‬مزارع‭ ‬شاب‭ ‬اسمه‭ ‬‮»‬لو‭ ‬يانج‭ ‬فى‮«‬،‭ ‬عمره‭ ‬24‭ ‬سنة،‭ ‬أظهر‭ ‬الفحص‭ ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬الأشعة‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬ورم‭ ‬فى‭ ‬غدة‭ ‬رقبته‭.. ‬وبعد‭ ‬ثلاث‭ ‬إبر‭ ‬تغرس‭ ‬فى‭ ‬الأذن،‭ ‬فإنهم‭ ‬سوف‭ ‬يفتحون‭ ‬رقبته،‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الأذنين،‭ ‬ثم‭ ‬يستأصلون‭ ‬الورم‭.‬
‭< ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬العمليات‭ ‬فى‭ ‬الغرفة‭ ‬الثالثة‭ ‬عامل‭ ‬فى‭ ‬مصنع‭ ‬من‭ ‬مصانع‭ ‬المعادن‭ ‬اسمه‭ ‬‮»‬ليانج‭ ‬لى‮«‬،‭ ‬وقد‭ ‬حدث‭ ‬له‭ ‬أثناء‭ ‬عمله‭ ‬أن‭ ‬طارت‭ ‬شظية‭ ‬معدنية‭ ‬واستقرت‭ ‬داخل‭ ‬قرنية‭ ‬العين‭.. ‬وبعد‭ ‬ثلاث‭ ‬إبر‭ ‬تغرس‭ ‬فى‭ ‬رأسه،‭ ‬فإنهم‭ ‬سوف‭ ‬يفتحون‭ ‬قرنية‭ ‬العين‭ ‬ويحركون‭ ‬كتلة‭ ‬مغناطيسية‭ ‬مركبة‭ ‬على‭ ‬جهاز‭ ‬خاص‭ ‬ثم‭ ‬يجيئون‭ ‬بها‭ ‬أمام‭ ‬القرنية‭ ‬المفتوحة‭ ‬لتشد‭ ‬بجاذبيتها‭ ‬شظية‭ ‬المعدن‭ ‬المستقرة‭ ‬فيها‭.‬
‭******‬
ووقفت‭ ‬فى‭ ‬ركن‭ ‬من‭ ‬غرفة‭ ‬العمليات‭ ‬الأولى‭ ‬مع‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭ ‬أرقب‭ ‬ما‭ ‬يجرى‭.‬
الإبر‭ ‬توضع‭ ‬فى‭ ‬مكانها‭ ‬بواسطة‭ ‬ممرضة‭ ‬مدربة‭.‬
المريضة‭ ‬تتكلم‭ ‬مع‭ ‬الممرضة‭.‬
يجىء‭ ‬الطبيب‭ ‬المكلف‭ ‬بإجراء‭ ‬الجراحة‭ ‬لها‭ ‬ويتحدث‭ ‬معها‭...‬
البطن‭ ‬كله‭ ‬مكشوف،‭ ‬وإحدى‭ ‬الممرضات‭ ‬تجرى‭ ‬عليه‭ ‬بمادة‭ ‬مطهرة‭.‬
الجراح‭ ‬يمسك‭ ‬مبضعه‭ ‬ومن‭ ‬حوله‭ ‬مساعدوه‭...‬
ويمضى‭ ‬المبضع‭ ‬الحاد‭ ‬على‭ ‬البطن‭ ‬يشقه‭ ‬تماما‭...‬
والمريضة‭ ‬تراقب‭ ‬ما‭ ‬يجرى‭ ‬وتتكلم‭ ‬وتبتسم‭...‬
وأنا‭ ‬فى‭ ‬ذهول،‭ ‬لا‭ ‬أصدق‭ ‬ما‭ ‬أراه‭ ‬بعينى‭...‬
ويهمس‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭ ‬فى‭ ‬أذنى‭:‬
ـ‭ ‬هل‭ ‬ننتقل‭ ‬إلى‭ ‬قاعة‭ ‬العمليات‭ ‬الثانية‭.. ‬العملية‭ ‬التى‭ ‬تراها‭ ‬الآن‭ ‬سوف‭ ‬تستغرق‭ ‬ساعة؟‭.‬
وانتقلت‭ ‬إلى‭ ‬الغرفة‭ ‬الثانية‭ ‬معه،‭ ‬وهناك‭ ‬نفس‭ ‬المنظر‭:‬
الجراح‭ ‬يفتح‭ ‬رقبة‭ ‬‮»‬لو‭ ‬يانج‭ ‬فى‮«‬‭ ‬وهو‭ ‬أيضا‭ ‬يبتسم‭ ‬ويتكلم‭.‬
ونذهب‭ ‬إلى‭ ‬الغرفة‭ ‬الثالثة‭.‬
ثم‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬بدأنا‭...‬
إلى‭ ‬حيث‭ ‬‮»‬تينج‭ ‬يا‭ ‬فانج‮«‬،‭ ‬وأجد‭ ‬الجراح‭ ‬يقول‭ ‬لها‭:‬
ـ‭ ‬‮»‬تينج‭ ‬يا‭ ‬فانج‭.. ‬إننا‭ ‬استأصلنا‭ ‬ورما‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬بطنك‭ ‬،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬ورما‭ ‬آخر‭ ‬أصغر‭ ‬منه‭ ‬مازال‭ ‬مختفيا‭ ‬وسط‭ ‬الأمعاء،‭ ‬وأريد‭ ‬منك‭ ‬أن‭ ‬تساعدينى‭ ‬بأن‭ ‬تضغطى‭ ‬حتى‭ ‬يبرز‭ ‬هذا‭ ‬الورم‭ ‬الملتفى‭.‬
وتبتسم‭ ‬‮»‬تينج‭ ‬يا‭ ‬فانج‮«‬‭ ‬وتروح‭ ‬تضغط‭ ‬بعضلات‭ ‬بطنها‭ ‬المفتوح‭.‬
وتضغط‭... ‬وتضغط‭... ‬
وفجأة‭ ‬يقفز‭ ‬وسط‭ ‬الدم‭ ‬ورم‭ ‬آخر‭ ‬صغير‭ ‬يستأصله‭ ‬الجراح‭ ‬بدوره‭.‬
وأقول‭ ‬للدكتور‭ ‬تشيانج‭:‬
ـ‭ ‬دعنا‭ ‬نذهب‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬هنا‭.‬
‭******‬
ونذهب‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬التعقيم‭ ‬ونحن‭ ‬بعد‭ ‬بملابسنا‭ ‬الطبية،‭ ‬ولكننا‭ ‬نزيح‭ ‬الأقنعة‭ ‬عن‭ ‬أفواهنا‭ ‬وأنوفنا‭ ‬ونجلس‭ ‬لنتحدث‭.‬
وأقول‭ ‬صراحة‭ ‬لمن‭ ‬حولنا‭ ‬من‭ ‬المرافقين‭ ‬والمترجمين‭: ‬إننى‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أتحدث‭ ‬وحدى‭ ‬مع‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج،‭ ‬وأريد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حديثى‭ ‬معه‭ ‬مباشرا‭ ‬وصريحا‭.‬
ويبتسم‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭ ‬ويقول‭:‬
ـ‭ ‬إننى‭ ‬أتصور‭ ‬ما‭ ‬تفكر‭ ‬فيه،‭ ‬وسوف‭ ‬أحاول‭ ‬قدر‭ ‬ما‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أشرح‭ ‬لك‭ ‬ما‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تسمعه‭ ‬منى‭.‬
واستطرد‭:‬
ـ‭ ‬أظنك‭ ‬سوف‭ ‬تسألنى‭: ‬هل‭ ‬أنا‭ ‬باق‭ ‬هنا‭ ‬باختيارى،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬أحدا‭ ‬يفرض‭ ‬علىّ‭ ‬الإقامة‭ ‬هنا؟‭.‬
سوف‭ ‬أقول‭ ‬لك‭ ‬بأمانة‭:‬
ـ‭ ‬كان‭ ‬فى‭ ‬استطاعتى‭ ‬أن‭ ‬أبقى‭ ‬فى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬
إننى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عدت‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬زرت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬وتلقيت‭ ‬عروضا‭ ‬كثيرة‭ ‬للعمل‭ ‬بها،‭ ‬ولكنى‭ ‬اعتذرت‭.‬
كنت‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬نداء‭ ‬الصين‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬أى‭ ‬نداء،
قد‭ ‬يقال‭ ‬لى‭ ‬إن‭ ‬مغريات‭ ‬الحياة‭ ‬المادية‭ ‬هناك‭ ‬كثيرة،‭ ‬ولكن‭ ‬صدقنى‭ ‬هى‭ ‬لا‭ ‬تعنى‭ ‬بالنسبة‭ ‬لنا‭ ‬هنا‭ ‬ما‭ ‬تعنيه‭ ‬بالنسبة‭ ‬لغيرنا‭.‬
إننى‭ ‬زرت‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬زملائى‭ ‬الأساتذة‭ ‬فى‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬ورأيت‭ ‬كيف‭ ‬يعيشون،‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬لديه‭ ‬بيت‭ ‬كبير،‭ ‬ولديه‭ ‬سيارتان‭ ‬أو‭ ‬ثلاث،‭ ‬وبعضهم‭ ‬لديه‭ ‬يخوت‭ ‬فى‭ ‬البحر‭.‬
أنا‭ ‬هنا‭ ‬أعيش‭ ‬فى‭ ‬غرفتين‭ ‬اثنتين،‭ ‬ولا‭ ‬أملك‭ ‬سيارة،‭ ‬وإنما‭ ‬أملك‭ ‬دراجة،‭ ‬وليس‭ ‬لدى‭ ‬يخت،‭ ‬وليس‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أمانى‭.‬
لقد‭ ‬أحسست‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬شيئا‭ ‬فى‭ ‬الصين‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يعطى‭ ‬لشعبها‭ ‬حياة‭ ‬جديدة،‭ ‬واعتقدت‭ ‬أن‭ ‬علىّ‭ ‬واجب‭ ‬المشاركة‭ ‬فى‭ ‬صنع‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭.‬
لقد‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬أطبق‭ ‬تعاليم‭ ‬ماو
قال‭: ‬‮»‬اخدموا‭ ‬الشعب‮«‬،‭ ‬وبذلت‭ ‬كل‭ ‬جهدى‭.‬
وقال‭: ‬‮»‬وعيشوا‭ ‬حياته‮«‬،‭ ‬وتطوعت‭ ‬لمدة‭ ‬سنتين‭ ‬للعمل‭ ‬فى‭ ‬الريف‭ ‬مع‭ ‬فيلق‭ ‬من‭ ‬فيالق‭ ‬الإنتاج‭.‬
تسألنى‭ ‬أليس‭ ‬ذلك‭ ‬ضياعا‭ ‬لوقتى‭ ‬كمتخصص؟،‭ ‬وأقول‭ ‬لك‭:‬
ـ‭ ‬إننى‭ ‬تعلمت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬فى‭ ‬الريف‭ ‬مع‭ ‬الفلاحين،‭ ‬فهمت‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬كانت‭ ‬غائبة‭ ‬عنى‭.‬
أدركت‭ ‬كم‭ ‬كنا‭ ‬بعيدين‭ ‬عنهم،‭ ‬نشخص‭ ‬أمراضهم‭ ‬وكأننا‭ ‬فى‭ ‬السماء،‭ ‬ونصف‭ ‬لهم‭ ‬الدواء‭ ‬وكأننا‭ ‬وسط‭ ‬النجوم‭.‬
وهذا‭ ‬خطأ‭.‬
لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تعالج‭ ‬أحدا‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬عشت‭ ‬حياته،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬فهمت‭ ‬جوانب‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬وزواياها،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬عرفت‭ ‬كيف‭ ‬يفكر،‭ ‬وكيف‭ ‬يشعر؟
أقول‭ ‬لك‭ ‬أيضا‭ ‬إننى‭ ‬اكتشفت‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭.‬
تعلمت‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬كنت‭ ‬أتصور‭ ‬عن‭ ‬الأعشاب‭ ‬الصينية‭ ‬وأثرها‭ ‬فى‭ ‬العلاج‭.‬
سألت‭ ‬نفسى‭:‬
ـ‭ ‬لماذا‭ ‬نضع‭ ‬ثقتنا‭ ‬كلها‭ ‬فى‭ ‬الأقراص‭ ‬بأشكالها‭ ‬المختلفة،‭ ‬وفى‭ ‬الكبسولات‭ ‬بألوانها‭ ‬المتعددة؟،‭ ‬ولماذا‭ ‬ننسى‭ ‬الطب‭ ‬التقليدى‭ ‬الذى‭ ‬جربته‭ ‬شعوبنا‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬ووجدت‭ ‬فيه‭ ‬شفاء؟‭.‬
لماذا‭ ‬لا‭ ‬نبحث‭ ‬فيه؟،‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬ندرس‭ ‬حوله؟
هل‭ ‬يدهشك‭ ‬لو‭ ‬قلت‭ ‬لك‭ ‬إن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أرباع‭ ‬الدواء‭ ‬الذى‭ ‬نصفه‭ ‬للمرضى‭ ‬فى‭ ‬الصين‭ ‬كلها‭ ‬هو‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬الأعشاب‭ ‬الصينية؟
لقد‭ ‬اقتنعت‭ ‬هناك‭ ‬أيضا‭ ‬بفكرة‭ ‬الرئيس‭ ‬ماو‭ ‬عن‭ ‬‮»‬الأطباء‭ ‬الحفاة‮«‬‭.‬
لو‭ ‬حاولنا‭ ‬أن‭ ‬نخرج‭ ‬أطباء‭ ‬على‭ ‬أعلى‭ ‬درجات‭ ‬التخصص‭ ‬لكل‭ ‬مرض‭ ‬ولكل‭ ‬مريض‭ ‬فى‭ ‬الصين‭ ‬لعجزنا‭.‬
ولكننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬ننجح‭ ‬إذا‭ ‬استطعنا‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬لكل‭ ‬حاجة‭ ‬ما‭ ‬يلبيها‭ ‬تماما‭.. ‬لا‭ ‬أكثر‭ ‬ولا‭ ‬أقل‭.‬
معظم‭ ‬أمراض‭ ‬الريف‭ ‬صداع،‭ ‬ونزلات‭ ‬معوية،‭ ‬ونزلات‭ ‬برد‭.‬
ما‭ ‬هى‭ ‬الضرورة‭ ‬لأعلى‭ ‬درجات‭ ‬التخصص؟
إن‭ ‬الرئيس‭ ‬ماو‭ ‬اقترح‭ ‬أن‭ ‬ندرب‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الفلاحين‭ ‬من‭ ‬يستطيعون‭ ‬علاج‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬مدة‭ ‬التدريب‭ ‬عن‭ ‬ستة‭ ‬شهور‭ ‬أو‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬تقدير‭.‬
ولدينا‭ ‬الآن‭ ‬مئات‭ ‬الألوف‭ ‬ممن‭ ‬نسميهم‭ ‬الأطباء‭ ‬الحفاة‭.‬
هم‭ ‬ليسوا‭ ‬حفاة‭ ‬من‭ ‬الأحذية‭... ‬ولكنهم‭ ‬حفاة‭ ‬من‭ ‬الشهادات‭ ‬العليا‭ ‬المتخصصة‭.‬
والريف‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فى‭ ‬أمراضه‭ ‬العادية،‭ ‬وأى‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬الحفاة‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يحول‭ ‬إلى‭ ‬أقرب‭ ‬مستشفى‭ ‬ما‭ ‬يرى‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬علاجه‭.‬
هناك‭ ‬الآن‭ ‬ـ‭ ‬كما‭ ‬قلت‭ ‬لك‭ ‬ـ‭ ‬مئات‭ ‬الألوف‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬الحفاة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬وعرض‭ ‬الريف‭ ‬الصينى‭ ‬وهم‭ ‬يحملون‭ ‬عبء‭ ‬ثمانين‭ ‬فى‭ ‬المائة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬الصحية‭ ‬لثمانمائة‭ ‬مليون‭ ‬إنسان‭ ‬فى‭ ‬الصين،‭ ‬ولك‭ ‬أن‭ ‬تتصور‭ ‬مقدار‭ ‬الجهد‭ ‬الذى‭ ‬كان‭ ‬لازما‭ ‬لو‭ ‬أخذنا‭ ‬بالمنطق‭ ‬التقليدى،‭ ‬ولم‭ ‬نسمح‭ ‬بالممارسة‭ ‬الطبية‭ ‬على‭ ‬أى‭ ‬مستوى‭ ‬إلا‭ ‬لخريجى‭ ‬كليات‭ ‬الطب‭ ‬فى‭ ‬الجامعة‭.‬
واستطرد‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭:‬
ـ‭ ‬تسألنى‭.. ‬أليس‭ ‬فى‭ ‬أعماقى‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬عالمين‭... ‬عالم‭ ‬رأيته‭ ‬فى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وعالم‭ ‬أعيشه‭ ‬هنا‭ ‬فى‭ ‬الصين؟‭.‬
دعنى‭ ‬أعترف‭ ‬لك‭:‬
ـ‭ ‬خطر‭ ‬لى‭ ‬ذلك‭ ‬فى‭ ‬البداية،‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يطل‭ ‬أمده‭ ‬بالنسبة‭ ‬لى،‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬استقرارى‭ ‬النفسى‭.‬
لا‭ ‬أحد‭ ‬يرغمنى‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أفعله‭ ‬هنا‭.‬
لقد‭ ‬عشت‭ ‬فى‭ ‬أمريكا،‭ ‬ولكنى‭ ‬صينى‭.‬
وأنا‭ ‬هنا‭ ‬أعيش‭ ‬فى‭ ‬الصين‭.. ‬لا‭ ‬أعيش‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الصين‭ ‬فقط،‭ ‬ولكنى‭ ‬أشعر‭ ‬أننى‭ ‬أعيش‭ ‬حياة‭ ‬الصين‭.‬
حينما‭ ‬أركب‭ ‬الدراجة‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى،‭ ‬واندفع‭ ‬بها‭ ‬وسط‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬راكبى‭ ‬الدراجات‭ ‬الذاهبين‭ ‬إلى‭ ‬أعمالهم‭ ‬فى‭ ‬الصباح‭ ‬الباكر،‭ ‬أشعر‭ ‬أننى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ... ‬أشعر‭ ‬بالانتماء‭ ‬الحقيقى‭.. ‬انتماء‭ ‬قطرة‭ ‬إلى‭ ‬تيار‭ ‬متدفق‭: ‬إن‭ ‬القطرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬فى‭ ‬التيار‭ ‬المتدفق،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التيار‭ ‬المتدفق‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬قطرة‭ ‬منه‭.‬
ويستطرد‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭:‬
ـ‭ ‬تسألنى‭ ‬أيهما‭ ‬النداء‭ ‬الذى‭ ‬يشدنى‭ ‬أكثر‭...‬؟
نداء‭ ‬الثورة‭ ‬أو‭ ‬نداء‭ ‬الصين‭.‬
الحقيقة‭ ‬أننى‭ ‬لا‭ ‬أفرق‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭.‬
لو‭ ‬كانت‭ ‬الثورة‭ ‬بغير‭ ‬الصين‭ ‬لما‭ ‬شدتنى‭ ‬إليها‭ ‬بالوطنية‭.‬
ولو‭ ‬كانت‭ ‬الصين‭ ‬بغير‭ ‬الثورة‭ ‬فلست‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬أقاوم‭ ‬وحدى،‭ ‬ربما‭ ‬كنت‭ ‬وجدت‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬علىّ‭ ‬أن‭ ‬أقيم‭ ‬فى‭ ‬أمريكا‭.‬
هناك‭ ‬صلة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الوطن‭... ‬وبين‭ ‬القيم‭ ‬المساندة‭ ‬فى‭ ‬المجتمع‭ ‬الذى‭ ‬يعيش‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭.‬
أليس‭ ‬هذا‭ ‬صحيحا؟‭.‬
وقلت‭:‬
ـ‭ ‬دكتور‭ ‬تشيانج‭.. ‬ذلك‭ ‬صحيح‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬الحدود
‭******‬
ومضت‭ ‬دقيقة‭ ‬صمت‭.. ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬أعرف‭ ‬فيما‭ ‬يفكر‭ ‬هو،‭ ‬لكنى‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬أين‭ ‬كانت‭ ‬أفكارى‭.‬
وفتح‭ ‬باب‭ ‬غرفة‭ ‬التعقيم،‭ ‬ودخل‭ ‬أحد‭ ‬الأطباء‭ ‬يقول‭:‬
ـ‭ ‬ألا‭ ‬تريدون‭ ‬أن‭ ‬تروا‭ ‬المرضى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انتهت‭ ‬عملياتهم؟
وقلت‭:‬
ـ‭ ‬هل‭ ‬سنضع‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أقنعة‭ ‬التعقيم؟
وقال‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭:‬
ـ‭ ‬لا‭ ‬داعى‭ ‬لذلك‭ ‬الآن،‭ ‬لأنهم‭ ‬سوف‭ ‬يجيئون‭ ‬إلينا‭ ‬هنا‭ ‬فى‭ ‬طريقهم‭ ‬إلى‭ ‬أسرتهم‭ ‬فى‭ ‬عنابر‭ ‬المستشفى‭.‬
وبينما‭ ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬أزال‭ ‬أنتظر‭ ‬معنى‭ ‬ذلك،‭ ‬إذا‭ ‬بالمريضة‭ ‬التى‭ ‬كان‭ ‬بطنها‭ ‬مفتوحا‭ ‬منذ‭ ‬ساعة،‭ ‬جالسة‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬فوق‭ ‬عجل‭ ‬تضحك‭ ‬وتتحدث‭.‬
وإذا‭ ‬ذلك‭ ‬الشاب‭ ‬الذى‭ ‬رأيت‭ ‬رقبته‭ ‬تقطع‭ ‬من‭ ‬الأذن‭ ‬إلى‭ ‬الأذن‭ ‬يمشى‭ ‬على‭ ‬قدميه‭ ‬ويهز‭ ‬يدى‭ ‬مصافحا‭.‬
وإذا‭ ‬الثالث‭ ‬بضمادة‭ ‬على‭ ‬عينه،‭ ‬التى‭ ‬شهدت‭ ‬عملية‭ ‬جراحية‭ ‬معقدة،‭ ‬يمشى‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬فى‭ ‬أعقابهما‭.‬
وقال‭ ‬الدكتور‭ ‬تشيانج‭:‬
ـ‭ ‬هذه‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬ترى‭ ‬فيها‭ ‬الجراحة‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر‭.. ‬على‭ ‬أى‭ ‬حال‭ ‬أنت‭ ‬أول‭ ‬زائر‭ ‬جاءنا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المستشفى‭ ‬من‭ ‬مصر‭.‬
وقلت‭ ‬له‭:‬
ـ‭ ‬دكتور‭ ‬تشيانج‭... ‬أتمنى‭ ‬ألا‭ ‬أكون‭ ‬آخر‭ ‬زائر‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬يجىء‭ ‬إليكم‭... ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬لمجرد‭ ‬رؤية‭ ‬الوخز‭ ‬بالإبر‭..!‬
محمد‭ ‬حسنين‭ ‬هيكل

بعد‭ ‬غد‭ ‬
محمد‭ ‬حسنين‭ ‬هيكل يكتب‭ ‬حلقة‭ ‬سابقة من‭ ‬تقرير‭ ‬عن‭ ‬رحلة‭ ‬إلى‭ ‬آسيا ‬ «‬سيهانوك‮ »
 

 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق