الجمعة 20 من جمادي الاولى 1438 هــ 17 فبراير 2017 السنة 141 العدد 47555

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

.. الوصايا الأخيرة
لقاءات خاصة عن الانصراف من اللهب إلى النور

عرض: مصطفى سامى
هذا كتاب يختلف شكلا وموضوعا عن كل الكتب التى سبق أن عرضتها فى الأهرام طوال السنوات الماضية والتى يتجاوز عددها مائتى كتاب . إنه لايتناول قضايا سياسية وإقتصادية بعيدة عنا ولايشرح لنا أسباب التفاوت بين الأغنياء والفقراء ومخاطر الاستعمار الجديد على أفريقيا ،

لكنه يتحدث عن قضايانا كمصريين نشعر بالقلق على وطننا الذى يواجه تحديات صعبة ويتعرض لمؤامرات خبيثة من الخارج والداخل على حد سواء . يتحدث أيضا عن التحديات التى تواجه الصحافة – المهنة التى اختارها أربعة آلاف صحفي يعيش أغلبهم ظروفا بالغة السوء وتوجه إليهم الاتهامات بالحق وبالباطل . بذل مؤلف الكتاب أنور عبداللطيف مدير تجرير الأهرام الذى اقترب من الأستاذ هيكل طوال السنوات العشر الأخيرة من خلال عمله مسئولا عن الاخراج الصحفى للأهرام جهدا كبيرا فى صياغته بأسلوب بالغ البساطة والأناقة . عشرات الزملاء الصحفيين ممن عملوا مع أستاذنا فكروا أن يكتبوا عنه لكنهم تراجعوا عن مواصلة التجربة . عن أى هيكل يكتبون : الصحفى اللامع الذى وضعته الصحافة العالمية على القمة وأطلقوا عليه « الصحفى رقم واحد فى العالم « والذى ظل يتابع حتى الساعات الأخيرة كل مايدور من أحداث محلية ودولية أم الصحفى والسياسى الصديق لعبدالناصر والذى شاركه أفكاره وصنع معه أحيانا قراراته ، أم المفكر المهموم بأمور وطنه لايبخل عليها بالحديث وبالنصح حتى أيامه الأخيرة أم الصحفى الذى أسس أهراما جديدا أطلق عليه المؤلف «المؤسس الثانى « وأطلق عليه « الهرم الرابع « استخدم فى بنائه أحدث تكنولوجيا وتقنيات العصر ونقله من المحلية الى العالمية . لكن المؤلف تسلح بموهبته الصحفية وبتجربته الثرية لسنوات من العمل بالأهرام وبشخصيته التى جذبت الأستاذ هيكل اليه من خلال دماثة خلقه التى يجمع عليهما من يعرفونه وأقدم على التجربة أو اقتحم عرين الأسد .

‎ تأخر أنور عبداللطيف عاما فى إصدار هذا الكتاب الجامع لتجربة أسطورة الصحافة المصرية والعالمية أستاذنا محمد حسنين هيكل الذى فقدناه منذ١٢ شهرا وكنا فى أشد الحاجة ليكون معنا فى هذه الفترة العصيبة التى تعيشها مصر بتحليلاته لما يجرى حولنا من أحداث وبمشورته ونصائحه وبحبه وإخلاصه لوطنه ، فقد تمنيت أن يكون الأستاذ بيننا يقرأ كتابه ويسعد بمؤلفه وتلميذه النجيب الذى يستحق تقدير ممتاز بعد أن أدى الأمانة التى أوكلها لها أستاذه وأجاب على كل أسئلته وكان جديرا بالمسئولية التى أوكلها اليه .

‎ هذا الكتاب ولمن لم يقترب من أستاذنا [ لن أقول الراحل لأن الأستاذ هيكل سوف يظل معنا لسنوات ولأجيال بأفكاره وبصماته التى طبعت على الصحافة والأهرام ووصاياه للخروج بمصر من عثرتها ] يتعرف قارئه على واحد من الشخصيات النادرة التى صنعت مجدها بثقافتها ومواهبها وجهدها وإخلاصها لمصر وللصحافة لتى عاش فى محرابها سبعون عاما والتى وضعته على القمة لكنه رفع من شأنها ونقلها الى العالمية وقاد الأهرام ليصبح واحد من أفضل عشر صحف فى العالم .

‎ حزنت كثيرا على رحيل أستاذنا والذى كنت واحدا من سعداء الحظ الذين عملوا معه فى الأهرام لعدة سنوات ، لكن تضاعف حزنى مرات وأنا أقرأ صفحات كتاب أنور عبداللطيف الذى استخدم كل مالديه من أدوات وثقافة وموهبة وخبرة مهنية دفعت الأستاذ هيكل يجيب على استفساراته ويحصل المؤلف منه على أسرار الصحافة والسياسة فى سبعة عقود .

‎ نجح المؤلف من خلال تجربته الصحفية فى الأهرام والتى اقتربت من أربعين عاما وعمله أستاذا للاخراج الصحفى بالجامعة أن يجعل قارئ الكتاب يشعر أنه يجلس لأول مرة أمام أستاذنا الراحل يستمع فى ود الى حديثه عن السياسة والصحافة وتحليله للثورات الأربعة التى وقعت فى عصرنا الحديث ومراحل الصمود والانتصارات والهزائم عبر سبعة عقود . ولم يكن ذلك بالأمر السهل لمن يعرف شخصية الأستاذ هيكل فهو لم يكن يتحدث بهذه الصراحة لولا ثقته المطلقة فى إمكانيات أنور عبداللطيف وإخلاصه للأهرام .

‎ أول لقاء للمؤلف– بعد ثورة 25 يناير التى أطاحت بالفساد والفاسدين ـ مع الأستاذ كان بعد ثمان سنوات من الغياب أو الانصراف ووافق على أن يلبى نداء أو دعوة الأهرام . أجرى زميلنا الراحل لبيب السباعى رئيس مجلس ادارة الأهرام حديثا مع الأستاذ هيكل بعد 36 عاما من آخر « بصراحة « نشرت فى الأهرام بعنوان « الظلال والبريق « فى أول فبراير 1974 . ذهب أنور عبداللطيف لبيت الأستاذ الريفى فى برقاش يعرض عليه « بروفة « الحديث يوم الاثنين 10 مايو 2011 .

‎ يصف المؤلف أول لقاء له مع الأستاذ هيكل الذى كان عائدا من رحلة علاج فى لندن وكانت المرة الأولى التى يقرر فيها العدول عن الانصراف . جرى الحديث فى السابعة صباحا فى حديقة المنزل وكان يبدو عليه الارهاق من الرحلة وكان لبيب السباعى قد عرض عليه أكثر من عشرين سؤالا تفرض نفسها على الساحة الدولية والاقليمية والمحلية .

‎ قال الأستاذ : « رغم كل التحذيرات من المجهود استجبت لطلب لبيب وأنا أصفها بأنها عملية إستشهادية و واجب على نحو الأهرام مهما كانت حالتى الصحية « . انتهز أنور حالة الود والجو الدافئ والمشمس الساطعة واصرار الأستاذ أن يتناول الافطار معه وبدأمعه حوارا خارج حديث السباعى .

‎ يتحدث المؤلف مع الأستاذ عن تجربته الصحفية عبر سبعين عاما منذ بدأ فى عام 1942 وكان عمره 19 عاما محررا تحت التمرين بقسم الحوادث فى صحيفة « الاجيبشان جازيت « التى كانت تصدرها شركة الاعلانات الشرقية ومنها الى آخر ساعة رئيسا لتحريرها فى السابعة والعشرين وأخبار اليوم وعلاقته بمصطفى وعلى أمين ومحمد التابعى الصحفى اللامع منذ الأربعينات والخمسينات والذى أسس مدرسة صحفية تعتمد على الأسلوب الجميل بينما كانت مدرسة الأستذان مصطفى وعلى أمين تعتمد على الحركة وبعد أن انتقل الى الأهرام صحافة أسس صحافة تعتمد على الرصانة والمصداقية وما وراء الخبر .

‎ عالم لايقبل الغرباء

‎ يعود المؤلف للمناخ الذى يصف فيه الأستاذ هيكل العمل محررا فى أخبار اليوم ثم سكرتيرا لتحرير آخر ساعة ثم رئيسا لتحريرها فيقول نقلا عن الأستاذ هيكل : كان الجو العام فى أخبار اليوم لايقبل الغرباء ، لكن حدث التأقلم بسرعة وكان الفضل للمرحوم الشاعر والكاتب والفنان كامل الشناوى فى تحقيق هذا الاندماج وقد قلب نواميس الكون ، فالنهار عند كامل الشناوى نوم بينما الليل عنده يقظة ومغامرات وحكايات لاتنتهى وكنت أتهمه بالبوهيمية ويتهمنى بالنظام . كان يرى أن الحياة أجمل من أن نهدرها فى العمل ، وكان على علاقة حب دائمة مع الحب نفسه ، وكانت له حكاية غرام كل ليلة أروع ما فيها أنها تلهمه بقصيدة شعر جديدة « .

‎ يقول الأستاذ إن مشاعره إتجهت الى على أمين الذى كان كتلة متحركة من الحيوية بينما بدا له الأستاذ مصطفى أمين رجلا شديد الذكاء فى غاية النشاط لطيف المعشر حين يريد ولكنه ليس مثل توأمه كتابا مفتوحا تقرأ صفحاته فى يسر وسهولة ، وهى طبيعة المخبر الصحفى الذى له إتصالاته الواسعة ومصادره المتشعبة . وقد وقع خلاف بين الأستاذ هيكل والأستاذ مصطفى أمين مرتين بعد انضمامه لأخبار اليوم فى المرة الأولى حول الطريقة التى تعالج بها أخباراليوم قضية إغتيال أمين عثمان ، والمرة الثانية حول التغطية الاخبارية لمحادثات « صدقى – بيفين « . كان الأستاذ يعتمد فى مصادره على الجبهة المعارضة وبالتحديد « على الشمسى باشا « بينما كان الود مفقود تمئاما بين مصطفى أمين وعلى الشمسى .

‎ ترك الأستاذ بعد فترة التغطية الاخبارية وإنطلق الى آفاق التحقيق الصحفى ، وكان قد بدأ حياته بسلسلة من التحقيقات حول وباء الكوليرا الذى تفشى فى محافظة الشرقية ثم إنطلق يغطى الأحداث الساخنة فى الشرق الأوسط كله وحوله من الحرب الأهلية فى اليونان والبلقان وحرب فلسطين منذ بدايتها الى سلسلة الانقلابات العسكرية فى سوريا الى عمليات الاغتيال فى المنطقة ، من إغتيال ملك الأردن عبدالله فى القدس الى اغتيال رياض الصلح فى عمان الى مقتل حسنى الزعيم فى دمشق ثم ثورة مصدق فى إيران . إتسعت المسافات بعد ذلك فقد قام بتغطية « المشاكل الملتهبة فى قلب أفريقيا ثم حرب كوريا وحرب الهند الصينية الأولى « .

‎ يقول الأستاذ إنه بسبب تجربة التحقيق الواسعة والناجحة فى أخبار اليوم « تعرفت عن قرب بأحوال المنطقة، وبمعرفة شخصية بكل ساستها وحكامها وعلى صلة بجيلى من الصحفيين حول العالم فقد جمعتنا معا ميادين القتال ومواقع الأحداث « . تفتحت أيضا فى مصر أبواب الساسة الكبار . يقول مؤلف الكتاب أنه كان السياسيون والوزراء وقتها قد تعودوا أن يقف الصحفيون على أبوابهم يسألون الداخلين والخارجين عن آخر الأخبار لكن الأستاذ لم يقف بباب أحد ، ولم يسأل أحدا عن خبر أثناء مروره فى دهة أونزوله على سلم . كان المسئولون هم الذين يطلبون الأستاذ خاصة بعد سلسلة التحقيقات التى كتبها من فلسطين بعنوان « النار فوق الأرض المقدسة « . وبعد نشر هذه التحقيقات دعاه رئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى باشا [ الأستاذ فى كل أحاديثه يربط اسم مصادره الكبار من الباشوات بلقب باشا ] لزيارته فى مكتبه ليتعرف منه عن الأوضاع فى فلسطين ولم تكن مصر قد قررت بعد دخول الحرب . بعد ذلك عرض عليه الأستاذان مصطفى وعلى أمين رئاسة تحرير آخر ساعة الى جانب عمله مساعد لرئيس تحرير أخبار اليوم وقبل المنصب الجديد .

‎ تابع الأستاذ حريق القاهرة فى 26 يناير 1952 ونزل الى الشارع وكتب سلسلة من التحقيقات بعنوان « من اللهب الى الرماد « ... ومن بين من التقاهم وسط الدخان البكباشى جمال عبدالناصر الذى كان بن قوات الجيش المكلفين باخماد الحريق . [ أعتقد أن الأستاذ هيكل كان قد سبق له أن تعرف بالرئيس الراحل عبدالناصر فى حرب فلسطين عام 1948 .

‎ الأهرام ...

‎قامت ثورة 1952 ومرت السنوات الأولى من الثوررة ، وفى عام 1955 تلقى الأستاذ للمرة الثانية من على الشمسى باشا رئيس مجلس إدارة البنك الأهلى ورئيس مجلس إدارة الأهرام – فى ذلك الوقت – للمرة الثانية تلقى عرضا للعمل بالأهرام رئيسا للتحرير وكان قد عرض عليه العمل مساعدا لرئيس التحرير عام 1951 . ورفض الأستاذ للمرة الثانية حتى جاء ربيع 1956 وأضاف الى العرض : « إنها فرصته فالأهرام جريدة شاخت مع الأيام ة فهى فرصة لاعادة تجديد شبابها وإعادة الحيوية اليها ... « وفى ربيع 1957 جدد على الشمسى باشا عرضه للمرة الثالثة للأسباب التالية :

‎ أنه ترك مجلس الادارة للسيدة رينيه تقلا أرملةجبرائيل تقلا باشا والأسرة تواجه فى إدارة الجريدة مشكلات معقدة من بينها استمرار الخسائر المالية وتدنى التوزيع لاى 60 ألف نسخة وتفكر الأسرة جديا فى بيعها ووجد الأستاذ نفسه هذه المرة يقول : « إن الذى أعرض نفسى على الأهرام « . وبعد تحرير العقد لم يعد أمام الأستاذ الا أن يبلغ الرئيس جمال عبدالناصر الذى كان كريما فى تنازله عن طلبه بأن يرأس ـ هيكل ـ تحرير الجمهورية التى كان عقدها باسمه، ثم أبلغ هيكل أصحاب أخبار اليوم . وقد كان جمال عبدالناصر كريما ومشجعا أما أصحاب أخبار اليوم فقد وافقوا بشرطين أن يظل رئيسا لتحرير آخر ساعة لمدة عام الى جانب عمله فى الأهرام والثانى أن يتم لقاء بينهم يوم الثلاثاء كل أسبوع. .

‎ كان المفكر الكبير الدكتور جمال حمدان – الذى يحمل له الأستاذ هيكل قدرا كبيرا من التقدير والاحترام – يرى أن موقع الأهرام سواء الحالى فى شارع الجلاء أو السابق فى باب اللوق فى قلب القاهرة والذى سكنه منذ بداية القرن الماضى يبدو وكأنه من اختيار إلهى « فهو الزر الماسى الذى يلخص الوطن ويمسك قلب الدلتا ورأس الصعيد .

‎ « الأهرام « يشغل مساحة كبيرة من كتاب أنور عبداللطيف – وهذا طبيعى من كاتب أعطى أكثر من ثلثى عمره صحفيا مخلصا للجريدة . يتحدث المؤلف عن زيارة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر وبرفقته الرئيس الراحل أنورالسادات للأهرام فى فبراير 1969 بعد شهور قليلة من الانتقال للمبنى الجديد بشارع الجلاء وعندما دخل الرئيسان مكتب الأستاذ هيكل يجدهما يتنافسان على الجلوس على كرسى رئيس التحرير ، لكن السادات يتراجع ويترك لعبدالناصر الجلوس على المقعد .

‎ ويبدى عبدالناصر رغبته للأستاذ فى أن يعمل كاتبا بالأهرام بعد تقاعده . لقد أعطى الأستاذ للصحافة كل مايملك من إمكانيات كما أعطى للأهرام الكثير مما يحسب له لدرجة أن يطلب عبدالناصر زعيم العروبة منه أن يعمل بالأهرام الذى كان صرحا هائلا يشرف كل من يعمل به . وكان الأستاذ حريصا بعد خروجه الاضطرارى بقرار من السادات أن يبقى الأهرام أمينا على قيم الوطن حاضنا للمهنية ملهما للثوار ومصدرا للتنوير بعيدا عن التورط فى مستنقعات السياسة.

‎ كان الأستاذ هيكل قد قرر الانصراف أو الابتعاد وكتب رسالة الوداع أو « الاسئذان فى الانصراف « التى نشرت فى الأهرام فى سبتمبر 2003 .

‎ احتجاج وليس إنصراف

‎تبين لمؤلف خلال لقاءاته مع الأستاذ أن إنصرافه لم يكن له علاقة ببلوغه سن الثمانين لكنه كان احتجاجا على محاكم التفتيش التى أقامها مبارك وأساليب المطاردة للمعارضين وسرقة أوراقا ووثائق هامة من منزله والضغوط التى فرضتها الدولة لوقف حلقات أحاديثه فى قناة دريم [ وكانت بعض الصحف قد نشرت أن محافظ البنك المركزى قد طالب صاحب دريم سداد مليارى جنيها ديونا عليه للبنوكامصرية ] مما إضطره لقبول عرض إجراء مجموعة من الأحاديث فى قناة الجزيرة القطرية التى خدعتنا وبدت لنا قناة مهنية شعارها « الرأى والرأى الآخر « لكنها تحولت « من ناقلة وراصدة للأحداث الى موجهة للأحداث وفق أغراض ومسارات بعينها « وقامت ثورة الشعب المصرى فى يناير 2011 ، وكان رأى الأستاذ أن ماحدث يفوق الوصف والتوقعات وأكثر مما كنا نحلم به .

‎ تكررت لقاءات مؤلف الكتاب مع الأستاذ هيكل وكانت دروسا فى السياسة والصحافة .

‎ فى عصر المعلومات والانترنيت يقول الأستاذ إن المعلومة أصبحت متاحة للجميع ، فهو يرى أن الصحفى هو إنسان له رأى ورؤية وموقف والمعلومات لاقيمة لها الا اذا وضعت فى نسق معرفى . والانترنيت المبهورين بها هى مجرد وسيلة تحضير وتجميع وتسريع هائلة . تشابهت القصص والأغنيات والموسيقى وصارت متكررة فى غياب النسق الابداعى الخاص بكل منهم « فلديكم خلط بين الوسائل والغايات « .

‎ يقول الأستاذ : « فى سبتمبر 2003 بلغت عامى الثمانين ، وهى سن تستحق الاحترام خصوصا بالنسبة لرجل كان له حظ موفور مع الدنيا والناس . ورغم الثمانين لم أفقد الأمل أبدا لاأنا ولا الملايين من القراء « مثل هذا الأستاذ لايعتزل ... ربما فقط ينصرف لبعض الوقت أو يبتعد حتى تتغير أحوال الأمواج وتحدث ظروفا جديدة .

‎ كشف حساب

‎قال الأستاذ : عندما عرض على أول عقد لرئاسة تحرير الأهرام سنة 1956 – جرى تنفيذه بعد عام – كان براتب ستة آلاف جنيها سنويا تضاف اليها حصة فى الأرباح بنسبة 2,25 % اذا استطاع حهدى تعويض الخسائر السابقة . ولم يكن جمال عبدالناصر متحمسا لانتقالى للاهرام بل كانت الأفضلية عنده أن أقبل رئاسة تحرير الجمهورية فهى جريدة الثورة التى صدر إمتيازها باسمه ، لكننى لم أتحمس للعمل فى جريدة ثورة وإنما كانت رغبتى أن أعمل فى جريدة طبيعية لها أصحاب وقراء .

‎ وعندماأعلنت القوانين الاشتراكية وضمنها ربط الحد الأعلى للرواتب بخمسة آلاف جنيه نقص راتبى ألف جنيها فى السنة وذابت تلك النسبة المقررة لى فى أرباح الأهرام .

‎[ عمل الأستاذ 17 عاما فى الأهرام كان يتقاضى خلالها خمسة آلاف جنيها سنويا يتحول الى حسابه فى البنك الأهلى (الفرع الرئيسى ) كل شهر بعد 286 و450 مليما بعد الاستقطاعات القانونية وضريبة كسب العمل

‎ (علامات التعجب من عندى وليست للأمانة من مؤلف الكتاب)

‎الأهرام ...وثورات مصر

‎ انتهز أنور عبد اللطيف فرصة لقائه بأستاذنا الراحل وكان قبل هذا اللقاء بسنوات يعد كتابا عن تغطية الأهرام للثورات المصريةخلال ال 137 عاما منذ صدوره وحتى لقائه بالأستاذ : ثورة الجيش الأولى بقيادة عرابى وثورة الجيش الثانية بزعامة جمال عبدالناصر وبينهما ثورة الشعب المصرى عام 1919 وآخرها ثورة المصريين فى 25 يناير .

‎ ظهرت ملامح الدهشة على الأستاذ وقال : لماذا أربعة ثورات مادام أنك تتحدث عن أهرام واحد فى وطن واحد وشعب واحد على أرض واحدة ؟ أهداف الشعوب واحدة وهى الاستقلال الوطنى والعدالة الاجتماعية ومعايشة العصر . أنت تتحدث عن ثورة واحدة لشعب يسعى الى الحرية

‎---- تغطية الأهرام للثورة العرابية كانت قاسية ؟

‎ قال الأستاذ : الأهرام معذور . كانت تغطية تعتمد على رؤية الجدث وعدم الاقتراب منه فالظرف الذى جاء به سليم وبشارة تقلا وآل زيدان الى مصر فىى حماية الخديو وقوى أجنبية جعلتهم فى أفضل الظروف محايدين وليسوا مستقلين . كان دور الصحافة فى ذلك الوقت تغطية الحدث بقدر ما هو ممكن ثم الاستجابة للمصلحة الوطنية بقدر ما هو مستطاع .

‎ لكن الأهرام كان أكثر قربا من ثورة يوليوعام 1952 وصانعا للأحداث بل شريكا وجزءا من النظام فى الستينات .

‎اعترض الأستاذ بشدة : لالالا... الأهرام لم يكن جزءا من النظام ... كان الأهرام ناصحا للدولة المصرية .

‎وبالحل الذى وضعه الأستاذ « موحد الثورات « – والتعبير للمؤلف « . فهل ألغت ثورة يناير عام 2011 شرعية ثورة يوليو 1952 ؟

‎ يقول المؤلف : أن الذين أفتوا بأن ثورة 30 يونيو هى أم الثورات لم يردعهم وثيقة تسلم السلطة التى التزم فيها الرءيس عبدالفتاح السيسى بتحقسق مبادئ 25 يناير والتى حررت فى 8 يونيو 2014 وجاء فيها : أن الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات ومفجر ثورة 25 يناير وما حملته من آمال وطموحات وتطلعات.

‎الأستاذ والشباب

‎ يقول المؤلف دعا الرئيس عبد الفتاح السيسى الى مشاركة فعالة للشباب فى العمل السياسى من خلال الأحزاب وإختار الأهرام لعقد ندوة لهذا الهدف ثقة من الرئيس فى دورها عبر تاريخها فى جمع شمل الوطن وإجراء حوار بين الأجيال . لكن الغريب وللحق والتاريخ أن هناك مجموعة من الصحفيين اعتبروا إنحياز الرئيس للشباب فرصة للهجوم على الكبار وأعطوا أنفسهم الحق فى توجيه اللعنات وإطلاق رصاص المانشيتات التى تقول : « ارحلى يا دولة العواجيز « فى خلط متعمد وظالم لم يفرق بين إطلاق رصاص الرحمة على كل سلطة قديمة مستبدة حزبية أو صحفية أو مؤسسية شاخت فى مواقعها ، وبين الهجوم المجرد من الأخلاق والقيم على رموز الوطن وخبراته من العواجيز

‎ وللحق والتاريخ كان من أوائل من رفعوا صيحة الدعوة الأولى ضد إدارة السلطة القديمة « العجوز « فى فكرها والمستبدة بدولتها هو الأستاذ محمد حسنين هيكل ، حين أطلق فى محاضرة قبل أكثر من عشر سنوات وصفه الشهير لادارة حسنى مبارك أنها « سلطة شاخت فى مواقعها « .

‎ دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى للمشاركة فعالة من الشباب فى العمل السياسى من خلال « الأهرام» لم تكن دعوة لهدم القيم وتفجير الصراع بين الأجيال وإطلاق رصاص الرحمة على « الأساتذة « بل دعوة لوقف الطعات ضد الكبار الذين أفنوا حياتهم فى المهنة .

‎الوصايا العشر والوداع الأخير

‎ يستعيد المؤلف فى نهاية الكتاب الوصايا الأخيرة التى استخلصها من أحاديثه المطولة مع الأستاذ ، وكان آخر لقاء معه يوم الخميس 2 ديسمبر 2015 . كان يضحك وينفتح فى الكلام دون أية محاذير . كانت المناسبة دخول الأهرام عامه الأربعين بعد المائة وقد كلف الأستاذ محمد عبدالهادى علام رئيس التحرير المؤلف بكتابة تحقيق شامل عن فترة عمل المؤسس الثانى للأهرام ، فكان اللقاء مع الأستاذ هيكل فى مكتبه لتحديد شكل مشاركته فى الاحتفالات وعلى هامش هذا اللقاء وقبل الحديث الشامل الذى أجراه الأستاذ مع رئيس تحرير الأهرام ومديرى التحرير، خرج المؤلف بحصيلة من الوصايا الأخيرة من الأستاذ تتعلق بالمهنة والوطن كان من أبرزها:

‎الوصية الأول

‎رفض الأستاذ اتهام الأهرام باالتحيز ضد أحمد عرابى أثناء الثورة ودافع عن الأهرام بشدة وقال : يجب ألا نعزل المواقف والأخبار عن سياقها التاريخى حتى لانظلم الأهرام . أصحاب الأهرام كانوا غرباء عن مصر ، وقد إتخذوا قرارا باصدار صحيفة ومعه قرارا بأن تعيش هذه الصحيفة ... ولولا هذا الحرص ربما ماعاشت الأهرام اليوم .

‎الوصية الثانية

‎كان أنور عبداللطيف عائدا من كلية الاعلام بالجامعة الكندية عندما ذهب للقاء الأستاذ ، الذى وجه اليه سؤاله حول ماذا يدرس الطلاب الآن ؟ وعندما علم من المؤلف أنه يقوم بتدريس مادة التصميم الصحفى وأنه يحرص على أن يفهم الطالب القصة الصحفية أو النص المكتوب ويترجمه الى شكل .

‎ قال الأستاذ : لابد أن تتأكد بضمير المخرج الصحفى كيف يكتب النص ، فلا يجب أن ينتظر المخرج الصحفى حتى يأتيه النص المكتوب لكى يترجمه الى شكل . لابد أن يكون لديه تصور لما يجب أن يقدم به الموضوع ، وهذا هو دور المايسترو وتدنى حالة الصحف هى بسبب أن المايسترو تنازل عن دوره للإهمال أو عدم فهم طبيعة مهمته أو أنه تعلم فى الجامعة أن يجلس ينتظر حتى يأتيه النص الذى غالبا ما يكون المحرر قد نقله من الإنترنت لكى يترجمه المخرج الى شكل .

‎الوصية الثالثة

‎قال الأستاذ : منذ اليوم الأول لدخولى الأهرام كان الخيار الأول الذى طرحته على أهلها أنه لابديل عن صحافة عصرية بأصول وقواعد ، والأهرام مهمته تشكيل الرأى العام وبناء الفكر وليس مجمعا استهلاكيا ، والصحفى المشغول بالبحث عن الانفراد بالخبر وتحليله يجب أن يكون مثقفا ومسيطرا على أدواته الفكرية والمعرفية والمهنية ويجب أن يتخلص تماما من حياته البوهيمية التى كانت سائدة فى الصحف .

‎ أضاف الأستاذ : لاتتوقفوا عند حدود تجربتى ، فالتجارب لاتتكرر . كانت تجربة الأهرام مرتبطة بسياق تاريخى لايتوفر اليوم . مطلوب من الأجيال الجديدة أن تقود ثورة على مافعلناه أن وجيلى ، فمدرستنا الصحفية التى أسسناها حدثت فى زمان مختلف وفى ظروف مختلفة .

‎الوصية الرابعة

‎قال الأستاذ : الأهرام يجب أن يقود هذه الثورة الصحفية ، وهو قادر عليها ولديه تجربة سابقة . الأهرام وصل الى مكانة لم تصل اليها الا صحف ومؤسسات قليلة حول العالم .فى مصر المؤسسات التى تجاوز عمرها المائة واربعين سنة لاتتجاوز أصابع اليد ، وقبل أن يكون طول العمر سببا للتفاخر فهو مسئولية وليس ترخيصا أو تصريحا لاطلاق الشعارات . طول العمر يفرض على قيودا لم أكن أهتم بها وأنا شاب .

‎ شرح الأستاذ للمؤلف تفاصيل الثورة التى قادها للنهوض بالأهرام ليتحول واحد من أهم صحف العالم . لم تكن ثورة على أدوات الصحافة االتقليدية فى ذلك الوقت ، لكنها كانت ثوررة تكنولوجية تتماشى مع تطورات وأحداث العصر وكانت ثورة على السلوك الصحفى وعلى العلاقات بين المحرر ومصادره .

‎الوصية الخامسة

‎قال الأستاذ : لكى يخرج الأهرام من دائرة الحذر والاحساس بالاغتراب كان على أن أمصر الأهرام وأزيل منه شبهة الطائفية واختيار كفاءات فى الوظائف الادارية العليا . لقد كانت الادارة السابق حريصة على اختيار شخصيات مسالمة لاتثير أي مشكلات .كان لابد أن أدخل مدرسة الحركة بدلا من مدرسة التسكين والاستسلام والشعارات (مثل ما لم ينشر نعيه فى الأهرام فكأنه لم يمت) ... كيف والملايين ممن لايستطيعون الاعلان عن موتاهم هل يظلون أحياء ؟ وفى الوزن نفسه فان الخبر الذى لم ينشر فى الأهرام كأنه لم يحدث . سمعت هذه الخدعة من الغمراوى باشا فقلت له هذا كلام فارغ . أسست مدرسة الحركة فى الأهرام فكان نواتها عدد من الشباب من خريجى قسم الصحافة بكلية الآداب ومن الشباب الواعد فى بعض الصحف مثل توفيق بحرى وصلاح منتصر وسلامة أحمد سلامة ومحمد حقى وأحمد بهجت . واستطاع الأهرام خلال شهور أن يحتكر صناعة الخبر الحقيقى .

‎الوصية السادسة

‎ أين ذهبت صحافة الخبر ؟

‎ قال الأستاذ : الصحافة الآن تعتمد على كم الأخبار بما يطلق عليه «صحافة ملو المقطف « . مطلوب التخلص من قيود صحافة الخبر وهى المدرسة التى راجت فى زمن آخر . وجاء التليفزيون ثم الفضائيات وأخيرا الصحافة الإلكترونية فسلبت الصحف هذه الميزة . الصحافة معرضة للمخاطر الآن أكثر من أى وقت مضى ، وللأسف احترف الصحافة صحفيون لايقرأون . الصحافة الأليكترونية لاترحم ولن يوقف صحافة الشائعة والفيسبوك الا ثورة وهى مطلوبة وضرورية ، ويجب أن يقود الأهرام هذه الثورة لأنه القادر عليها دون أى صحف أخرى . صحافة « ملو المقطف « لاتبنى أمة ولاتشكل وجدان قارئ ولاتعيش .

‎ الأستاذ طوال حديثه يعود الى أبيات الشعر التى تناسب موضوع حديثه .

‎الوصية السابعة

‎يترك الأستاذ أحزان الصحافة التى شغلت ستة صفحات من كتاب الزميل أنور عبداللطيف الذى يطرح عليه سؤالا حول أهمية علاقتنا بالخليج العربى فى هذه المرحلة ؟

‎ قال الأستاذ : سياستك الخارجية تحددها رؤيتك للأمن القومى . أين مجالاته وأين معاييره ؟

‎ الأمن القومى أولا... البلدان الوحيدان فى المنطقة حولنا ويجب أن ننتبه لهما لأنهما يعرفان مايفعلان الآن هما إيران وإسرائيل والباقون كلهم « عكاكين « .

‎ وماذا عن أردوجان ؟ يرد الأستاذ بأنه أول « العكاكين « .

.........................................

‎ علاقة مصر وإيران كانت فى العصر الملكى على ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين بلدين كبيرين فقد كان الملك يدرك أبعاد الأمن القومى كما ينبغى حين حرص على مصاهرة الشاه الإيرانى.

‎ ينتقل المؤلف الى ثورة 1952 فيسأل هل كانت هناك مشكلة فى نقل السلطة من محمد نجيب الى جمال عبدالناصر ؟

‎ يقول الأستاذ : كانت فكرة انتقال السلطة الى جمال عبدالناصر قد بأت من أحمد لطفى السيد الذى قال إن مصر تعيش ازدواجية لامبرر لها ، ومن فعل شيئا يجب عليه أن يتمه ، ثم إن نجيب طلب منه أن يقوم بالدورالذى دعى إليه . وطه حسين صاحب نداء تحويل « الحركة المباركة « الى ثورة ولطفى السيد طالب عبدالناصر بإتمام المهمة التى بدأها وأن يتولى قيادة الثورة .

‎الوصية الثامنة

‎ يعود الأستاذ الى الأهرام الذى يحتل مساحة كبيرة من إهتماماته ، فيوصى بأهمية اختيار ما يناسب العصر من صحفيين وإداريين ، وقد كان تقلا باشا مهتما بتطوير تكنولوجيا الصحافة وهو أول من جاء الى الأهرام بماكينتى الجمع السطرية . كانت ظروف ملاك الجريدة – قبل تنظيم الصحافة – تقتضى أن يقف الأهرام على الحياد ، وكانوا يمثلون رأسمالية صغيرة ولكن يعرفون قواعد لعبة الصحافة وجذب القراء .

‎الوصية التاسعة

‎هل شكل الصفحات يشعرك بالاختلاف الذى يصحب كل حاكم ؟

‎ لالا... ليس لها علاقة بالحاكم، بل لها علاقة بالحرية التى يتمتع بها مخرج الصحيفة ووعيه بالأحداث ودرجة تمسكه بشخصية الأهرام .

‎الوصية العاشرة

‎قال الأستاذ : ضرورى أن تطلب من كل شخص ما هو مستعد لأدائه وقادر عليه .

‎ انتهى كتاب أنور عبداللطيف بوصايا الأستاذ فى آخر حوار أجراه معه قبل أسابيع قليلة من رحيله

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق