الجمعة 20 من جمادي الاولى 1438 هــ 17 فبراير 2017 السنة 141 العدد 47555

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

هيكل ..ليس أسطورة
محسن عبد العزيز
عندما توفي الرئيس جمال عبد الناصر، كان الحزن طاغيا، وكانت جنازته يوما من أيام الهول في تاريخ مصر، تمدد الحزن يكسو الوجوه والشوارع والبيوت، كل شيء في مصر صار حزينا حزنا ليس له نظير ولا تبدو له نهاية.

....................................................

وفي هذا الحزن الصاعق كتب هيكل في الذكري الأربعين للوفاة «عبد الناصر ليس أسطورة» ليقول إن الحزن الزائد يدفع بالذكري دون أن نشعر إلي ضباب الأساطير، وهذا يضع عبد الناصر في غير مكانه الصحيح، فالأسطورة غيب، وأعظم شيء في جمال عبد الناصر أنه حياة إنسانية زاخرة عاشت علي الأرض وبين الناس، وتحت أشعة الشمس.

وفي هذا الوقت كانت مراكز القوي بدأت تلوح في الأفق هاجسا مؤرقا له وللسادات، فغمزهم قائلا «أرفض تحويل ذكري عبد الناصر إلي كهنوت وكهنة وحجاب وحراس وراء أسوار، والشعب خارج الأسوار ينتظر الوحي» ومال ناحية الرئيس السادات مبتعدا عن رجال عبد الناصر الأقوياء «يجب أن تتحول الذكري إلي حوار مستمر لا نصلي لها ولكن نفكر فيها. وإن طريق عبد الناصر لا يعني إبقاء كل شيء كما كان فقد كان حلم عبد الناصر هو التجديد.. التجديد وحده طريق الاستمرار».

وختم المقال «إن عبد الناصر كان إنسانا عظيما لا أقل ولا أكثر» وعلي نفس الطريق نقول «هيكل ليس أسطورة» دون أن يعني ذلك أننا أبناء عاقين، لأنه علمنا أن كل تجربة فيها الصواب والخطأ وهو كان تجربة عريضة لا نصلي لها ولكن نفكر فيها طبقا لتعبيره عن الرئيس عبد الناصر.

لو كان روائيا

لعبت والدة هيكل الدور الأهم في حياته عندما رفضت أن يكون أزهريا كما أراد الأب، وألحقته بمدرسة خليل أغا ليحصل علي الشهادة المتوسطة، لكن تأثيرها الأكبر أنها علمته فن الحكاية، بما كانت تحكيه من سيرة الظاهر بيبرس وعنترة بن شداد حتي أصبح حكاء مصر الأول.

وقال عنه نجيب محفوظ «لو كان هيكل روائيا لما كان لنا عيش في هذا البلد» وهي جملة ماكرة من نجيب محفوظ توحي باتساع الخيال عند رواية هيكل للأحداث والوقائع التي  يرويها  بسحر آخاذ وبلاغة آسرة. وأحيانا تتعدد الروايات للحدث الواحد، فمثلا الأستاذ هيكل يؤكد في كل كتاباته أن علاقته بعبد الناصر تعود إلي حرب فلسطين عام 1948.

لكنه عندما سئل عام 1971: هل كان باستطاعتك تحقيق هذا النجاح لو لم يكن لك هذا المركز الممتاز لدي عبد الناصر؟! أجاب علي السؤال الذي طرحه سليم اللوزي رئيس تحرير الحوادث كما ينقل رشاد كامل قائلا: من الذي صنع لي مركزي عند عبد الناصر؟! شيء واحد هو قدرتي علي خدمة الهدف العام الذي كان يسعي إلي تحقيقه، ليس هناك أي سبب آخر، قبل الثورة لم نكن أصدقاء لم أكن أعرفه إلا قبل 3 أو 4 أيام من قيام ثورة 23 يوليو، لم أكن أقرب الناس إليه كان هناك غيري أقرب، أحمد أبو الفتح، وإحسان عبدالقدوس، وحلمي سلام.

وهذا اللقاء اليتيم تم في منزل اللواء محمد نجيب، وكان هيكل وجلال ندا في زيارة له وجاء عبد الناصر وعامر، وتحدثا مع نجيب علي انفراد وانصرفا لكن اللقاء العابر أصبح لقاءات وحوارات وقصصا وتفاصيل ورأيا يطمئن عبد الناصر بعدم تدخل انجلترا إلي جانب الملك لو حدثت الثورة!

في مديح الملك

الجدل حول هيكل المولود 1923 بالقليوبية لا يتوقف إلا ليشتعل دائما. والنجاح والوهج اللذان لازما حياته لم يخضعا للصدفة أو للحظ، رغم ما للأقدار علي حياته من تصاريف مثل معظم البشر. فتوهجه الدائم يعود للموهبة الضخمة التي صقلها بالاطلاع والانضباط القاسي لم يضعف أمام موهبته ونزقها وسطوتها بل أحكم سيطرته عليها عكس معظم الموهوبين أصحاب الأمزجة الحادة التي تقود إلي حدة الطبع وغرابة التصرفات مع عدم الاهتمام بالوقت.

هيكل ليس اسطورة لكنه كان صارما مع موهبته أخضعها لنظام دقيق دون أن تفقد ألقها، وهو نفس ما فعله كل من نجيب محفوظ وأم كلثوم ما يجعل ثلاثتهم نماذج فذة في تنظيم الموهبة.

عندما دخل هيكل دنيا الصحافة كان نجومها وأساطينها التابعي ومصطفي وعلي أمين وإحسان عبد القدوس يملكون اقلاما تهتز لها البلاد فتسمع سرايا الحكم وتتغير الوزارات، ولأنه لا يستطيع أن يعمل مثل هؤلاء بالبداية علي الأقل، كتب مثالا يمدح الملك فاروق بعنوان «في يوم عيدك يا مولاي» قائلا في مجلة روز اليوسف «لقد علمت مصر كيف تحبك من يوم أن تفتحت عيناك علي نور الدنيا فلم تكن وأنت أمير طفل تترك فرصة لتظهر فيها عطفك علي بنيها واعتزازك بها إلا أظهرتها. وكنت دائما في كل مكان تشعر بأنك المصري الديمقراطي الأول فكنت في كل مكان خير لمصر وأحسن عنوانا لها. ولا تظهر في المقال المنشور عام 1944 أي ملامح لأسلوب هيكل الذي نعرفه، غير أن استشهاده في المقال بالسيناتور «ميد» أحد الشيوخ الأمريكان ـ كما ذكر هو ـ، وضابط أمريكي آخر، والمستر إيرل رئيس تحرير الجازيت دليلا علي ولعه المبكر بمعرفة ما يدور في ذهن الأمريكان عن مصر، وبعد ثلاث سنوات من هذا المقال نشر بمجلة آخر ساعة تحقيقا عن انتشار وباء الكوليرا في إحدي قري الشرقية كانت به ملامح هيكل التي تشكلت فيما بعد، بدأه هكذا علي رؤوس النخيل وبين الأكواخ المظلمة المتداعية وعلي شواطيء الترع والغدران وفي الوديان وفوق رمال الصحراء يسعي ميكروب الكوليرا في قرية القرين ويجر في أنيابه الموت أينما ذهب..»

الأبعد نظرا

كان هيكل محررا موهوبا مثل عشرات الموهوبين في ذلك الزمن لكنه كان الأبعد نظرا حينما مد بصره بعيدا عن مدرسة أخبار اليوم ومؤسسيها مصطفي وعلي أمين، مستقلا كذلك عن أستاذه الذي يحبه محمد التابعي. فقبل منصب رئيس تحرير الأهرام رغم ما كانت تعانيه الجريدة العريقة من مشاكل في ذلك الوقت من عام 1957.

وصاحب انتقال هيكل من آخر ساعة للأهرام ضجيج ودوي لم يتوقف حتي لحظة خروجه منها بل ولم يتوقف طوال حياته كلما تكلم أو كتب.

وفور أن تولي رئاسة تحرير الأهرام ارتفع التوزيع إلي 70 ألف نسخة ثم 400 ألف ثم شارف علي المليون ولم يكتف بالنجاح المهني وإنما عمل علي انشاء مبني جديد للأهرام لا يقل عن أي مبني لصحيفة عالمية يتكون المبني من 12 طابقا علي مساحة 3000 متر مربع، واختار لتنفيذه المهندس نعوم شبيب الذي نفذ برج القاهرة، وكان المبني إطلالة علي القرن الحادي والعشرين. وخصص الدور السادس لكبار كتاب مصر توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وزكي نجيب محمود ولويس عوض وبنت الشاطيء وحسين فوزي وصلاح طاهر.

تعاقد مع توفيق الحكيم بمبلغ خمسة آلاف جنيه في السنة (يساوي نفس ما يحصل عليه هيكل) مقابل أن يأتي للأهرام فقط ولا يقوم بأي عمل، وإذا كتب مقالات أو قصصا أو مسرحيات يكون لها ثمن غير العقد.

وكان هيكل يبسط حمايته علي كل هؤلاء المبدعين وينشر لهم مالا تقدر أي جريدة علي نشره مثل بنك القطن لتوفيق الحكيم، أو أولاد حارتنا لنجيب محفوظ التي نشرها بشكل يومي قبل أن يتنبه الأزهر أو يثير أي اعتراضات عليها.لكن عندما قدم له نجيب محفوظ رواية «الكرنك» التي تفضح التعذيب أيام عبد الناصر حصل هيكل على أصول الرواية وذهب يشكو نجيب محفوظ لتوفيق الحكيم.

وقال نجيب محفوظ لزكي سالم كتاب «نجيب محفوظ صداقة ممتدة» هذه أكثر الروايات التي عانيت في نشرها (صدرت عام 1971) وقد اعترض الرقيب عليها ثم حذف منها أجزاء وفقرات وتغيرت جمل.

عبد الناصر في الأهرام

عندما رغب الرئيس عبد الناصر في زيارة الأهرام استقبله هيكل دون أي إجراءات أمنية، انتظر هيكل أمام مبني الأهرام وعندما جاء عبد الناصر يرافقه السادات فقط أخذهما هيكل إلي مكتبه وجلس عبد الناصر علي مكتب رئيس التحرير وقال هذا هو العمل الذي كنت أرغب فيه.

دخل عبد الناصر الأهرام الساعة السابعة مساء واستمرت الزيارة 5 ساعات حتي ترك الأهرام الساعة الحادية عشرة مساء ومعه الطبعة الأولي من الأهرام وصورة الزيارة في الصفحة الأولي.

واجتمع عبد الناصر خلال الزيارة مع توفيق الحكيم وحسين فوزي ونجيب محفوظ ولويس عوض وعائشة عبد الرحمن، كما التقي بالصحفيين في صالة التحرير وهم يعملون بشكل طبيعي دون أي إجراءات استثنائية.. فمن يقدر علي كل ذلك غير الصحفي الأوحد؟!

كان أول تليفون يطلبه عبد الناصر صباحا: هو مكتب هيكل بالأهرام الساعة الثامنة صباحا: وأحيانا كانت ترد عليه نوال المحلاوي سكرتيرة هيكل وتقول للرئيس عبد الناصر الأستاذ هيكل لم يحضر بعد.. فيطلب منها آخر الأخبار (كما يروي هيكل ليوسف القعيد) وكان عبد الناصر يري الأهرام أكثر تنظيما من الرئاسة!

ورغم ذلك لم يكتب الأستاذ هيكل عن ضعف مؤسسة الرئاسة أيام عبد الناصر. لكنه بعد ذلك بسنوات كثيرة سوف يكتب في مجلة وجهات نظر منتقدا قوة مؤسسة الرئاسة!

«إن مؤسسة الرئاسة تمارس الدور القيادي منفردة تقريبا، وهي وحدها مصدر القرار، وهي وحدها جهة المتابعة وهي وحدها سلطة المراجعة في وقت تشجب فيه قدرة وكفاءة أجهزة أخري!» وعلامة التعجب من عندنا.

حديث الوثائق

الصداقة التي جمعت بين هيكل والرئيس عبد الناصر لم تسمح لأي صحفي أو جريدة أن يدخلا في منافسة مع هيكل والأهرام، وغدا الأمر مثار حسد في حياة الزعيم وعامل خطر بعد رحيله، ولذلك انضم هيكل بسرعة للسادات الأهون شأنا في صراعه ضد رجال عبد الناصر الأقوياء وخطط له المعركة حتي أطاح بهم في مايو 1971 ، ومرة أخري التقت الإرادات بين الصحفي وخليفة الزعيم، لكن التاريخ لا يعيد نفسه والسادات الذي كان يسير علي خطي عبد الناصر «بأستيكة» كما قالت النكتة المصرية في ذلك الوقت، كان لابد أن يمحو هيكل من طريقه، فقط كان ينتظر ما يرسخ جذوره في الأرض ليواجه هذا القلم الجبار عندما تختلف المصائر، وبالفعل عندما حدث نصر أكتوبر وأصبح السادات زعيما واثقا من نفسه، أخرج هيكل من الأهرام في فبراير 1974 بعد أربعة اشهر فقط من نصر أكتوبر، أما ما أعلنه السادات أو هيكل عن سبب هذا الخروج فيبقي تفاصيل لا تغير من جوهر الموضوع.

ولم يستسلم هيكل للإبعاد لكنه قرر أن يجرب قدراته ومواهبه في مكان جديد بعيدا عن الصراعات والمؤامرات التي أتعبها وأتعبته.

حمل ما في جعبته من أسرار ووثائق 20 ألف وثيقة، كانت تعليمات عبد الناصر لسامي شرف أعط نسخة لهيكل من كل وثيقة تصل مكتبي. سيقول الأستاذ هيكل بعد ذلك ما لدي من وثائق غير قابلة للشك أو الطعن فيها.

ومن مكتبه الصغير علي نيل مصر الخالد سيكتب ويقول كتبا لأهم الصحف ودور النشر العالمية ويصبح من أغلي عشرة صحفيين في العالم وتترجم كتبه إلي 23 لغة ومن حقه أن يفخر قائلا استطعت بغير تواضع وبغير استكبار أن أبين أن الصحفي المصري يستطيع أن يجد طريقه إلي صحافة العالم حتي وإن ظل في وطنه.

وخلال هذه الفترة ـ أيام السادات ـ يقول حاولت أن أحكم تصرفاتي بقدر ما هو ممكن، ولم يكن طموحي أن أكون بطلا ولا شهيدا حاولت أن أتجنب أي استفزاز لا مبرر له وقام بجولة في العالم العربي عام 1975 التقي خلالها الملك الحسن في المغرب والرئيس بوميدين في الجزائر وبورقيبة في تونس بعد أن طلبت منه نيويورك تايمز كتابا عن العالم العربي.

ورغم أنه حاول أن يحكم تصرفاته إلا أن عام 1980 حمل له نذر غضب السادات وفوجيء بالملك حسين يعرض استضافته في الأردن ولكنه رفض.. وفي العام الثاني أراد السادات أن يستعيد ما لدي الأستاذ هيكل من وثائق الدولة، وقامت أجهزة الأمن ليلا بتفتيش منازل هيكل ومزرعته ولكنها لم تجد شيئا! فالأستاذ هيكل توقع ذلك وقام بنقل كل الوثائق إلي خارج البلاد! لكن مازال هناك أمل أن تعود هذه الوثائق إلي مصر من أجل المستقبل والأجيال المقبلة اللذين يقدرهما الأستاذ كثيرا!

أقلام استنفدت أحبارها

في سبتمبر 1981 وهيكل نفسه في سجن طرة، وقضي في السجن 90 يوما وعقب اغتيال الرئيس السادات خرج للقاء الرئيس الجديد حسني مبارك وتجدد الأمل بالتأكيد وخاصة بعد أن حرص مبارك علي لقاء منفرد بالكاتب الكبير، لكن كيمياء الرجلين لم تتحقق كان هيكل صعب الهضم وغير مفهوم بالنسبة لرئيس متواضع الإمكانيات العقلية والسياسية حتي إنه أصبح يري سمير رجب أفضل لأنه يكتب ثلاثة مقالات في اليوم!

مرارة الحبس لم تترك لهيكل فرصة الترحم علي رئيسه السابق، وكان كتاب «خريف الغضب» انتقاما شديدا من السادات وأسرته وأهله وزمانه وحكمه وحتي سمار بشرته!

ولسوء حظ السادات كان «خريف الغضب» أكثر كتاب يوزع في اللغة العربية في ذلك الوقت.

كانت أول إطلالة للأستاذ هيكل علي القراء مرة أخري عام 1986 مع مجلس تحرير أخبار اليوم حمل الحوار كل الاتهامات التي كان يموج بها الوسط الصحفي ضده ولذلك أطلق علي الحوار الذي كان مقدمة لعودته للكتابة «محاكمة».

أجاب خلال الحوار الذي نشر علي ثلاث حلقات علي الأسئلة والاتهامات التي وجهت له، مثل الكاتب الأوحد الذي لم يدافع عن زملاء المهنة ممن تعرضوا للسجن كمصطفي أمين وأنيس منصور وجلال الحمامصي.. وعندما أحس أن المطلوب منه شيء يشبه الاعتذار كي يعود قال: أنا لا أطلب إذنا بالمرور من أحد، ولست واقفا أمام حواجز وأنتظره أن ترتفع وأمام بوابات انتظر أن تفتح وأدخل منها وبعدها من الفردوس المفقود إلي الفردوس الموعود» ثم وجه هجوما مباغتا للأسئلة المحيطة بالاتهامات قائلا: لست متأكدا تماما من أن هناك أقلاما قصفت سنونها، ولعلي متأكد من أن هناك أقلاما استنفدت ما كان فيها من الحبر في بعض الأوقات، وعلي أي حال عند أول منحي للطريق كانت هناك براميل من الحبر في انتظارها.. «المسرح الصحفي ليس عليه بطل مأساوي حكمت عليه المقادير بما هو أقوي من نواياه وإرادته».

وهو كلام شديد القسوة يمكن قوله لتبرير ما حدث مع هيكل نفسه من منع وسجن.

لأنه لا يوجد ـ حقا ـ بطل مأساوي حكمت عليه المقادير بما هو أقوي من نواياه أو إرادته صدقت يا أستاذنا.

تحرير الأسرار من عقولها

لم يعد هيكل للكتابة كما كان يريد، وجاء تحرره من المناصب ليحرر الأسرار من عقالها، فيبدو في كل حوار أو ندوة كمن يملك مفتاح الإثارة لكواليس السياسة الغامضة في منطقة تموج بالأساطير في السياسة وفي الحياة. وإن كان أحيانا يتحسس الكلمات لأنه يدرك أنها ستصيب عروشا ومسئولين كبارا علي كراسي غير ثابتة من الأساس. ففي ندوة معرض الكتاب عام 1995 لخص الوضع السياسي في عبارته المشهورة «سلطة شاخت في مواقعها» وتحدث عن تركز الثروات في مصر في أيدي عدد قليل من الأفراد، إذ يملك 50 فردا كل منهم ما بين 100 و 200 مليون دولار، و100 فرد كل منهم ما بين 100٫80 مليون دولار، و150 فردا ما بين 50 و 80 مليون دولار.

ولا تعرف إن كان أحد يمت للأستاذ هيكل بصلة قرابة قد انضم إلي نادي الأثرياء الجدد أم لا.. الأستاذ لم يذكر ونحن بالطبع لا نملك يقينا.



سؤال النكسة

كان كيسنجر وزير خارجية أمريكا يصف هيكل بأنه: رجل يعرف المنطقة مثل كف يده ويعرف الكثير من أسرار الملوك والرؤساء والأمراء، وما يدور في الغرف والاجتماعات المغلقة، أو ما تبوح به الوثائق أحيانا.

فيكشف لنا هيكل أن الملك حسين ملك الأردن كان يتقاضي مليون دولار سنويا من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية! وأن الملك الحسن الثاني ملك المغرب كان يحرص علي أن تنعقد القمم العربية والإسلامية علي أرضه، وأن هذه الاجتماعات كانت تسجل مداولاتها بواسطة جهاز الموساد الإسرائيلي ليشاهدها صوتا وصورة! وقد عقدت بالمغرب 7 قمم عربية في الفترة من أعوام 1965: 1986 وثلاثة مؤتمرات إسلامية، وهذه الأسرار وغيرها تفسر المصير المتردي الذي وصل إليه حال العرب الآن..

لكن هنا يمكن القول إن قدرة الأستاذ هيكل علي التحليل والتنبؤ بالمستقبل لم تكن مثل قدرته علي جمع المعلومات والوثائق.

فعندما أعلنت باكستان عن امتلاك القنبلة النووية وتحدث البعض عن السباق النووي بين الجارتين اللدودتين (الهند وباكستان) وهلل البعض الآخر للقنبلة الإسلامية الباكستانية، كان رأي الأستاذ هيكل أن الصراع بين الهند وباكستان سيكون مجاله ومكانه المنطقة الرخوة في الخليج العربي!

وعندما ترشح أوباما للانتخابات الرئاسية كان رأي الأستاذ هيكل أن أوباما لا يمكن أن ينجح لأن المجتمع الأمريكي عنصريا ولن يرضي أن يحكمه رئيس أسود اللون! مثل هذه التحليلات تأخذنا إلي سؤال قديم عن النكسة.

لماذا أصر الرئيس عبد الناصر علي إغلاق خليج العقبة وطرد القوات الدولية من سيناء رغم أنه لم يكن مستعدا للحرب ولا يريدها في 1967؟ هل كان هناك من أكد لعبد الناصر أن إسرائيل لن تحارب مهما حدث؟ ولن تكون صاحبة الضربة الأولي، وأن التوتر هو مجرد لعبة في عض الأصابع تعتمد علي قوة الأعصاب لا قوة الحرب والسلاح!

الأستاذ هيكل بالتأكيد كان يملك الإجابة عن هذه الأسئلة إن لم يكن هو نفسه الإجابة!

اغتيال السادات مرة أخري

في أحد حواراته مع لميس الحديدي تحدث الأستاذ هيكل بتأثر وحزن شديد علي الرئيس السادات الذي تعرض للاغتيال مرتين، مرة علي يد الرئيس الأمريكي كارتر، ومرة علي يد خالد الإسلامبولي في ساحة العرض العسكري، وراح يشرح لها السبب وهو يمد لها كتاب «لورانس رايت» ثلاثة عشر يوما من سبتمبر كارتر وبيجن والسادات في كامب ديفيد قائلا إن هذا الكتاب الذي صدر حديثا في أمريكا أفضل شاهد علي الاغتيال الذي تعرض له السادات علي يد كارتر.. بعد أن اعترض ـ السادات ـ علي سير المفاوضات وجمع حقائبه وقرر مغادرة كامب ديفيد. وترك المفاوضات نهائيا ولكن كارتر طبقا لرواية الأستاذ هيكل، عنف السادات بشدة وأجبره علي العودة للمفاوضات بعد أن هدده بكلمات قاسية تبلغ حد الإهانة وهو الشيء الذي جعل الأستاذ يشعر بالحزن والشفقة علي الحال التي وصل إليها رئيس مصر. وكان يمكن لنا أن نشعر بنفس شعور الأستاذ ونحمد له أخلاقه الكريمة لكن للأسف الموضوع ليس هكذا لأنه لسوء حظ الأستاذ هيكل أن الدكتور عبد المنعم سعيد كان في أمريكا وقرأ الكتاب ورد علي كلام الأستاذ هيكل قائلا: إن هذا النقل عن الكتاب صحيح ولكنه ناقص علي طريقة «لا تقربوا الصلاة» فالسادات جمع حقائبه فعلا، لكن الأستاذ هيكل لم يذكر السبب! وهو أنه صمم علي إزالة المستوطنات الإسرائيلية من سيناء، بينما أعلن بيجن أن يده تقطع قبل إزالة هذه المستوطنات، وتعقد الأمر، وتدخل كارتر وأقنع السادات بالعودة وإزالة المستوطنات من سيناء.

وهكذا يصبح اغتيال السادات تم مرات عديدة بالفعل إحداها بالتأكيد من نصيب الأستاذ هيكل.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق