الجمعة 29 من ربيع الآخر 1438 هــ 27 يناير 2017 السنة 141 العدد 47534

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

«عزيزة حسين» .. أيقونة مصرية خالدة!

محمد حبوشة
أكتب عنها فى ذكراها الثانية وكلى أسف وآسى أنى لم أكتب فى حياتها ، فقد كانت أسطورة مصرية خالدة تستحق منا التقدير والاحترام فى حياة حافلة بالإنجاز محليا وعالميا،

إلا أنها لم تأخذ حقها - للأسف - فى الإعلام، حتى أن خبر وفاتها نشر فى بعض الصحف على استحياء - قبل سنتين - رغم ما قدمته الراحلة العظيمة لبلادها ولوطنها الكبير.

إنها «عزيزة حسين» تلك التى تم تصنيفها كواحدة من بين 27 رائدة نسائية طورت التنمية فى العالم، بل إنها تعد أول امرأة عربية يتم ترشيحها للجنة المرأة بمنظمة الأمم المتحدة، وأول من وضع تنظيم الأسرة على أجندة المنظمة الدولية، وترأست الاتحاد الدولى لتنظيم الأسرة بالانتخاب عدة مرات، وهى أول من تحدث عن صحة المرأة الإنجابية فى مصر، كما أنها من أوائل من كتبوا عن الحقوق القانونية للمرأة.

لقد تنبهت الراحلة العظيمة «عزيزة حسين مبكراً وببصيرة ثاقبة لجريمة ختان الإناث فى مصر والعالم العربي، وبذلت جهوداً كبيرة لتبصير الأسر الفقيرة بالآثار الكارثية لهذه الممارسة التى لا علاقة لها بالدين، كما نشطت فى مقدمة الجماعات النسوية بالتعاون مع حكومات متعاقبة لنشر مبدأ تنظيم الأسرة، وإقناع النساء باستخدام وسائل منع الحمل سواء فى الريف أو الأحياء الفقيرة.

وعلى الرغم من أنها لم تلق التقدير الذى يليق بمكانتها كمناضلة مصرية تخطت كافة الحواجز بذكاء فطرى نادر، وحطمت الأسلاك الشائكة التى أحاطت بقضايا المرأة المصرية والعربية، فقد تم انتخابها رئيسة الاتحاد الدولى لتنظيم الأسرة عام 1977، ثم أعيد انتخابها مرات عديدة مما دفع الحكومة المصرية لترشيحها فى لجنة أوضاع المرأة فى الأمم المتحدة لتمثيل البلاد، بعد أن كانت قد مارست نشاطاً دولياً ممتداً سواء فى إطار الأمم المتحدة أو عبر إقامتها فى أمريكا، حين كان زوجها «أحمد حسين» سفيراً لمصر هناك، ثم مندوبها الدائم فى الأمم المتحدة، وكان من أبرز إنجازاتها البطولية أن شاركت فى وضع بنود الاتفاقية الدولية لإلغاء كل أشكال التمييز ضد النساء، بل إنها أدخلت فى أدبيات الأمم المتحدة لأول مرة قضية تنظيم النسل.

لم تكن القضايا الاجتماعية التى تتطلب كسر سلاسل القيود والأغلال المفروضة على النساء هى فقط ما يشغل عزيزة حسين، بل إن المبادئ الأخلاقية التى كانت تمارسها وتحرص عليها فى حياتها اليومية هى التى جعلتها أكبر مثال واقعى على تطبيق مبادئها الأخلاقية، ومن ثم كانت تؤثر فى حياة الآخرين، وكل من يتعامل معها أو مجرد يتعرف عليها ويتعلم من ملاحظتها فى ممارساتها اليومية وتعاملها مع الآخرين، فضلا عن رؤيتها للعالم، إذ كان شعارها: «ساعد الآخرين وعلمهم كيف يساعدون أنفسهم»، فالفكرة الأساسية التى آمنت بها هى أن كل شخص مسئول عن نفسه، ومهمتها هى أن تفتح الطريق أمام من أغلقت أمامه السبل، وبعد ذلك تتركه ليساعد نفسه، وربما كان ذلك هو السبب الرئيس لكون الرحلة تعد واحدة من أعظم سيدات مصر والعالم العربي، عبر رحلة ممتدة من العطاء والتميز فى التصدى لهموم المرأة، مستندة إلى أبسط القيم الأخلاقية فى مقاومة الصخب والضجيج والتعصب الدينى الأعمى الذى تختلط فيه العادات بالتقاليد البالية لتبقى المرأة العربية والمسلمة أسيرة شيفونية مجتمع رجولى لا يعرف مواطن الرحمة.

عاشت «عزيزة حسين» حياة طويلة وكاملة بكل تفاصيلها الدقيقة، دون كلل أو ملل، ورحلت فى هدوء بعد أن أعطت بلا حدود، لتبقى أسطورة عطاء قاربت على نهاية العقد التاسع من العمر, فقد كانت تخرج يوميا لممارسة الرياضة وتستمع للموسيقى وتستخدم الكمبيوتر بمهارة، ولعل هذا العطاء العظيم الذى قدمته يجب أن يدرس لأبنائنا فى المدارس والجامعات، حتى تكون حياتها وإنجازاتها نبراساً لفتيات الجيل الجديد، ولعل وعسى نرى مئات أو حتى عشرات النماذج النسائية مثل المناضلة عزيزة حسين، والتى أكدت بالحرف الواحد: «إن التمويل الأجنبى مهم، ولكن يجب أن يكون بضوابط, ومع ذلك أنا أرى أن الاعتماد على أنفسنا أفضل, وأنه من المهم أن نضع جدول أعمالنا وخططنا بأنفسنا بناء على واقعنا واحتياجاتنا بدلا من العمل بأجندات الغير»، وشتان بينها وبين تلك النماذج النسائية السائدة حاليا والمدجنة بنوع من النضال الثورى سابق الدفع بالدولار، فى ظل طغيان ثقافة الاستغلال والزج بالأوطان فى ساحات الخيانة من جانب حفنة من بنات مصر اللاتى احترفن ممارسة الفعل السياسى الرجيم.

رحم الله هذه السيدة المصرية التى كانت نموذجا يحتذى منذ أن التحقت بالجامعة الأمريكية فى بداية الأربعينيات وجذبتها العلوم الاجتماعية فدرستها, وبعد تخرجها عام1942 انضمت لعدة جمعيات متطوعة مثل «جمعية تحسين الصحة» و»يوم المستشفيات والمبرة» و»نادى سيدات القاهرة», وهذا النادى وجدت فيه الأسلوب الأمثل للعمل الاجتماعي, فمن خلاله تعلمت كيفية إدارة جماعة ودراسة احتياجات المجتمع, بخلاف فكر معظم الجمعيات - وقتها - الذى كان قائما على جمع التبرعات وتقديمها للمحتاجين، ولأنها تزوجت من «أحمد حسين»، الذى كان رئيسا لـ «مصلحة الفلاح» وهو الذى ساعد فى تأسيس هذه الوزارة التى تولى مسئوليتها بعد ذلك، فقد ركزت اهتمامها على المرأة الريفية،, وبعد أن استقال زوجها من الوزارة - قبل الثورة- كون جمعية الفلاح، وبعدها طلبوه فى منظمة الأمم المتحدة ليتولى مساعد السكرتير العام للمنظمة، ما أتاح الفرصة لدعوتها بصفتها خبيرة اجتماعية كأول سيدة من المنطقة العربية لتجوب دول العالم، وتلقى المحاضرات عن العمل الاجتماعي، وبالتالى تم ترشحها عضوا بلجنة المرأة بمنظمة الأمم المتحدة «التى ظللت بها لمدة 17 سنة» , وفور عودتها لمصر فكرت فى مشاريع تنظيم الأسرة فى الريف وكانت تجربة فريدة من نوعها خاصة فى مصر, فقد كانت النساء تعانى ولا تجد من يأخذ بيدها لتتحرك للأمام.

سمع الرئيس الراحل أنور السادات عن نشاطها وآرائها فرشحها لوزارة الشئون الاجتماعية فى حكومة ممدوح سالم عام1977 ولكنها اعتذرت معللة: لأنها ستعطلنى عن نشاطى وتقيدنى بقرارات حكومية وأحسست أننى سأخدم بلدى أكثر وأنا متطوعة، لذا فضلت العمل التطوعى عن منصب وزيرة, لكن للأسف تراجع هذا الدور لدى الأجيال التالية، فى وقت أصبح لدى الناس احتياجات اقتصادية, لذا أصبح العمل بأجر أهم من التطوع بالنسبة لهم, وهم معذورون, فكيف أحدث الناس عن العطاء وبطونهم خاوية, كما أن العمل التطوعى زمان كان فى الغالب مرتبطا بعائلات, ولأن هناك فجوة بين الأجيال لم يحدث التواصل مما ترتب عليه عدم تفريخ متطوعين جدد بالقدر الكافي.

.....................................

من أقوال الراحلة العظيمة:

< كل جيل يتخيل أنه أكثر ذكاء من الأجيال التى جاءت قبله وأكثر حكمة من الأجيال التى ستأتى بعده.

< إن النصر عمل والعمل حركة والحركة فكر.. والفكر فهم وإيمان وهكذا فإن كل شيء يبدأ بالإنسان!!

< إن المرأة الذكية الواعدة.. تستطيع أن تجتاز المحن من نجاح إلى نجاح.. وإن الله هو الحارس ويبارك خطواتك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
خدمة الأخبار العاجلة
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق