الخميس 10 من صفر 1438 هــ 10 نوفمبر 2016 السنة 141 العدد 47456

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

بين التشويش السياسى والشائعات الإليكترونية

فى كثير من الدول التى تمر بمراحل انتقالية وأزمات اقتصادية، تتناثر المعلومات المغلوطة، وتكثر الشائعات، ويتزايد اللغط، وهذا أمر طبيعي، لكن أن يكون التشويش السياسى مقصودا، وهدفا رئيسيا، فهذه مسألة تستحق التوقف عندها بمزيد من التفاصيل.

الحكم الذى أصدرته محكمة القضاء الإدارى أمس الأول (الثلاثاء)، بشأن رفض طلب الحكومة وقف تنفيذ حكم ببطلان الاتفاقية التى منحت السعودية حق السيادة على جزيرتى تيران وصنافير، يعد دليلا كاشفا على عدم صحة ما تردد، من أن النظام تنازل عن الجزيرتين مجانا، ولن أخوض فى الجدل القانوني، فقد تحدث خبراء كثيرون، لكن ما يهمنى أن هناك حالة من عدم الثقة فى مؤسسات الدولة، واتهامها بالتفريط فى بعض الثوابت الإستراتيجية.

سواء كانت عملية التشكيك، عن قصد أو دونه، هى فى النهاية، وسيلة لغاية سلبية، لها تداعيات خطيرة فى المستقبل، وإذا كانت ثمة ظروف وتقديرات قانونية كثيرة، تلعب دورا مهما فى أى حكم قضائي، ففى حالة الجزيرتين، تجاهل كثيرون الإشارات، التى صدرت من جهات رسمية مختلفة، حول وجود مراحل متعددة للموافقة النهائية على ملكية السعودية، وتأكيدات على ضرورة احترام القضاء المصري، وقرار مجلس النواب، اللذين لهما حق البت فى الاتفاقية وتحديد مدى صلاحيتها، القانونية والسياسية.

كل ذلك جري، ولم تنتبه قطاعات واسعة من معارضى التوقيع على الاتفاقية ومؤيدى نظرية التفريط فى الجزيرتين، أن هناك جولات أخري، واكتفت بإلصاق الاتهامات بالحكومة، للدرجة التى وصفها البعض بـ «العميلة»، ولم تكن موفقة تلك التلميحات التى راجت عقب صدور الحكم الأخير، والإيحاء بوجود دوافع سياسية خلفه، لأن حكم محكمة القضاء الإداري، يسيء للحكومة أصلا.

لأنه يُظهرها كأنها لم تُحسن التقدير القانونى والسياسى عند التوقيع على الاتفاقية، كما أن تداعياته السلبية غير مطلوبة، فى وقت دعت فيه بعض القوى لمظاهرات تحت شعار «غلاء الأسعار» غدا الجمعة، ما يعزز الخطاب المناهض للحكومة، علاوة على أن قراءة الحكم بالصورة السابقة يلصق تهمة (التسييس) الباطلة بالقضاء الشامخ، الذى يحكم وفقا لوثائق وأسانيد، ولا علاقة للعواطف أو الحسابات السياسية بأحكامه القانونية.

بالتالي، يؤدى نشر الشائعات بهذه الطريقة، إلى التأثير على هيبة الدولة والمؤسسات الوطنية المختلفة، ويتسبب فى إثارة المزيد من المشكلات، خاصة أن فئة عريضة، أصبحت تتداول ما يتردد على مواقع التواصل الاجتماعي، من اجتهادات وتكهنات وتخمينات، على أنها معلومات، لا تقبل الشك، الأمر الذى يضاعف المعاناة أمام كثير من الجهات الرسمية، فإذا صمتت، دارت حولها الشائعات، وأُلصقت بها الاتهامات، وإذا تحدثت، بلا حنكة وحكمة وصدق وشفافية، قيل إنها تتحايل وتناور وتراوغ، ثم تجد نفسها داخل نفق عميق، تواجه صعوبات كبيرة للخروج منه.

التشويش الذى تقوم به بعض الدوائر، يتم أحيانا بصورة مجانية، بمعنى عدم وجود مستفيدين ظاهرين، لكن ربما تكون هناك جهات خفية، توظفه وتستثمره، وتجنى الكثير من المكاسب السياسية، فعمليات الهدم التى تتم فى بنيان بعض المؤسسات، تؤدى على المدى البعيد إلى التآكل، وتقود إلى زيادة الأمراض التى تتولد عن تصاعد جرعة الشائعات، مادام أننا شعب أصبح متقبلا لها، ويسعى إلى ترويجها بلا تفكير.

خلال الفترة الماضية انتعشت هذه البورصة، لأنه مع كل مرحلة مصيرية، تقفز معدلاتها إلى أعلى مستويات لها، وحفلت مواقع التواصل الاجتماعى بحزمة كبيرة من الأكاذيب، التى لو صح بعضها، لدخلت هذه الدولة مرحلة خطيرة من الانهيار، والمشكلة أنه يتم نشرها والترويج لها، ونقلها من الفضاء الاليكترونى إلى الواقع الاجتماعى بسهولة، على أنها حقائق، والأدهى أن مخترعيها ومروجيها، يتحدثون بثقة، على اعتبار أن ما يمتلكونه من خرافات، لا يأتيه الباطل أبدا.

خذ عندك شائعة، تسريح 2 مليون موظف من العاملين فى الهيئات المختلفة للدولة، حيث استغل البعض حالة الاحتقان المجتمعي، بسبب قرارات الإصلاح الاقتصادي، وانعكاساتها على الحالة العامة للناس، وتمكنوا من نشر هذه الشائعة، بعد أن تمت الموافقة على قانون الخدمة المدنية، وعقب التوصل إلى تفاهمات مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قرض بقيمة 12 مليون دولار، وهى من العوامل التى أسهمت فى تهيئة البيئة، وإيجاد مناخ موات لنشر الشائعة على نطاق واسع.

الأخطر أن هناك فئة من المثقفين، تتحدث وكأنها احتكرت الحقيقة كاملة، ولا تتورع عن نشر أكاذيب وافتراءات، وترددها على أنها تلقتها من مصادر خاصة عليمة ومجهولة، ربما يكون هناك محظوظون وقريبون من جهات تمدهم بما تيسر من معلومات، لكن المشكلة تكمن فى الترويج لأشياء خاطئة، قد يكون أحدنا شاهدا عليها أو جزء منها وعلى دراية تامة بتفاصيلها، مع ذلك يرددها البعض على نطاق واسع بلا حياء.

أحدهم، كتب على موقع التواصل الاجتماعى (فيسبوك) أن كاتبة كبيرة، جرى وقفها عن الكتابة فى صحيفة كبري، بعد صدور تعليمات من جهة عليا بذلك، وتسابق تابعوه على صفحته، فى تقديم مزيد من الأكاذيب والتحليلات البعيدة عن الواقع، والتى قطع أصحابها أنها صحيحة، وكلها تدور فى الفلك الذى وضع لبنته الأولى مثقف، كنا نحسب أنه على قدر من التريث والاتزان، ويجتهد لوضع الأمور فى نصابها الصحيح، أو على الأقل يحاول الوصول للحقيقة من مصادرها، ويتواضع قليلا، ولا يسرح بخياله وينشر أكاذيب، لأن الجهة العليا التى قصدها، ليس لديها رفاهية تحديد من يكتب ومن يتوقف أو يتقدم، وفى هذا السياق هناك معلومات كثيرة ومثيرة، سوف أقوم بكتابتها، عندما يحين أوانها.

نحن فى مرحلة، لا تحتمل زيادة جرعة الشائعات، ولا تشخيص الأزمات، فالأولى مدمرة، وتؤثر على بنيان المجتمع وقواعده الرئيسية، والثانية أصبحت معروفة ومحفوظة، نحن نحتاج إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة والثقة فيها، ونساعدها على أن تنهض من كبواتها، وتتطهر من كل ما لحق بها من مفاسد، والعمل على تقديم حلول واقعية تُوقف نزيف المشكلات، فعندنا ما يكفى من مُنظرين وخبراء ومعلقين ومحللين فى مجال التشخيص، ونفتقر إلى من يساعدنا على تحديد سبل العلاج.

لمزيد من مقالات محمد أبـوالفضــــل

رابط دائم: