السبت 5 من صفر 1438 هــ 5 نوفمبر 2016 السنة 141 العدد 47451

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

فى ندوة بالأهرام عن تجديد الفكر الدينى عند على مبروك
قوة اللغة والمنظور أهم ما تميز به مشروعه التجديدى

> أعدها للنشر محمـد حـربى

◄ الحضارة لايمكن استيرادها فهى إنجاز وبناء وحركة مستمرة
◄ مشروع مبروك إضافة حقيقية للفكر العربى والإسلامى رغم عدم اكتماله
◄ تجديد الخطاب الدينى يبدأ بفهم الواقع يمنى الخولى: مبروك من المجددين فى الإسلام بمنظوره العلمى فى قراءة التراث

◄أحمد سالم: ارتباط الدينى بالسياسى بدأ منذ موقعة صفين

◄سامح إسماعيل: إعادة قراءة «النص» وفق علاقته بالواقع ضرورة فكرية

◄محمد أبو الحسن: النهضة الزائفة تكشف هشاشة خطاب التجديد فى الفكر العربى

◄هانى المرعشلى :الاستبداد فكرة ثقافية

◄هدى الخولى: لبسنا رداء الحداثة ولم نطبق جوهرها الحقيقى

 

 

 

 

بدأ مبروك درس الفلسفة، وعندما اختار دراسة الحداثة أبعدوه قسرا إلى التراث، فاكتشف القوانين الحاكمة للاستبداد فى ثنايا القراءات المغلوطة للنص أو التفاسير المغرضة التى رفعت النص إلى السماء مع أنه نزل للأرض.

باسم من أكتب .. عاشها على مبروك، وإن لم يصرح بها. فقد ظل طوال الرحلة يحاول فقط إثبات أحقيته بالتفكير والتجديد فى مفهوم الدين وربطه بالواقع. ورفضوا ترقيته أكثر من مرة فى الجامعة..

وفى الأهرام التى تبنت طوال تاريخها التنوير والعقلانية، واتسعت صفحاتها لكل ألوان الطيف الفكرى والسياسى والديني، استضفنا مجموعة من الباحثين - بالتعاون مع مركز الدراسات الفلسفية فى جامعة القاهرة - لنعيد قراءة ما كتبه على مبروك. واخترنا للقراءة ذكرى ميلاده لأننا نؤمن بأن المفكرين لا يموتون، وإن رحلوا بأجسادهم. فهل مات طه حسين أو الإمام محمد عبده أو أمين الخولى أو نصر أبو زيد.. أو مبروك؟!



فى بداية الندوة وجه رئيس تحرير الأهرام محمد عبد الهادى علام كلمة القاها نيابة عنه محمد حربي قال فيها:

«منذ بداية الأهرام كان تجديد الخطاب الدينى موضوعا أساسيا فى صفحاتها، فقد واكبت سطوع نجم الإمام محمد عبده الذى كتب فيها مقالات بدايته الأولى وكتب فيها رواد التنوير والنهضة المصرية الحديثة لأنها ـ كما قال عميدالأدب العربى - الذى نحتفل بذكراه هذه الايام - ديوان الحياة المعاصرة .

ولم ينقطع اهتمام الأهرام بقضية تجديد الخطاب، فقد كانت قضية الساعة فى مصر مع اندلاع ثورة1919، ومنذ ظهر الإمام محمد عبده الذى دعا إلى عقل جديد فى قراءة ما اسماه اجتماعية القرآن الكريم.. أى دراسة الواقع الاجتماعى للجزيرة العربية وقت نزول القرآن على الرسول الكريم، لنفهم المعنى والمغزى من وراء الآيات وأسباب نزولها. وبعد محمد عبده نشر تلامذته من أمثال قاسم أمين، والذى جدد الخطاب الدينى والاجتماعى فى قضية المرأة، وطه حسين الذى قدم اللبنة الأولى فى استخدام المناهج العلمية الحديثة فى قراءة النص الديني. وصحيح أن دعوته فى كتابه الشعر الجاهلى استفزت القوى المناهضة للتقدم والخطاب العقلانى للدين، إلا أنها أثمرت جيلا جديدا من المفكرين والباحثين يهتمون بقراءة جديدة للموروث.

ولا يمكن الحديث عن التجديد إلا بذكر الشيخ أمين الخولي، الذى قال قولته الشهيرة إن أول الجديد هو قتل القديم فهما...

وكانت الأهرام منبرا للتجديد دائما، فقد فهم الرائد والمؤسس الثانى للأهرام، الراحل الكبير محمد حسنين هيكل، الذى نجتمع فى قاعة تحمل اسمه اليوم، قضية التجديد على أنها تكمن فى الحوار وإفساح المجال لكل الآراء لتقدم ما تريد تحت سقف الوطنية والعقلانية بلا تزيد هنا أو تطرف هناك. ولذلك استكتبت الأهرام الكبار من أمثال توفيق الحكيم وحسين فوزى وبنت الشاطىء قرينة رائد التنوير أمين الخولي، ونجيب محفوظ وزكى نجيب محمود ولويس عوض، ضاربا نموذجا فى تجديد الخطاب الصحفى والفكرى فى مصر، والذى نسير عليه إلى الآن بتقديم الرؤى المتعددة فى إطار الجماعة الوطنية.

واذا انتقلنا فى الزمن إلى لحظة الواقع الراهن سنجد أن الأهرام لم يبذل جهدا كبيرا فى تلبية خطاب رأس الدولة، وهو يدعو إلى خطاب دينى جديد، فلنا مع هذه الفكرة تاريخ طويل، ولكننا نحمد أن يكون التجديد فى هذا الملف الشائك توجها رسميا للدولة، وليس فقط جهدا نخبويا من جريدة تعى مسئوليتها الاجتماعية تجاه قرائها ووطنها..

ولذلك أفسحنا صفحة للفكر الدينى ولم نكتف بذلك، بل فتحنا ملفا مطولا للحديث عن تجديد الفكر الدينى وأسئلته الحالية ننشر فيه حوارات مع مفكرين من كل المشارب لأننا نؤمن فى الأهرام بأن قضية مثل قضية الخطاب الدينى وتجديده أو الإتيان بخطاب جديد فى الدين، يواكب العصر ولا يتنكر لجوهر الدين، أمر لا يمكن أن يكون حكرا على علماء الدين، بل هو من الأمور الوطنية بامتياز ويجب أن يشارك فيه الجميع من منطلق التجديد لا التخريب، والتحديث لا بث الفرقة.

ولعل ما رأيناه من اهتمام الرئيس قبل عام بهذه القضية وما ترجمته الاهرام يكشف بجلاء تجديد الخطاب الدينى مقدمة لتجديد الفكر والإصلاح الدينى وبوابة للاصلاح بكل معانيه ، الذى سينعكس بالضرورة على حياتنا، من حيث توظيف الدين فى جمع الشمل، لا تفريق الأمة، ومن حيث دعم العمل وخلق فرص الحوار وقبول الآخر.

واحتفالنا بذكرى واحد من كتاب الأهرام الذين رفعوا لواء التنوير والتجديد فى الفكر الدينى إشارة إلى أننا مازلنا على الطريق، مستمرين فى تحمل مسئوليتنا بوعى وإيمان بحقنا فى المشاركة وبحق قرائنا فى المشاركة معنا فى تحمل المسئولية.»

جمع تراث على مبروك

ثم تحدثت عبير خطاب قرينة الراحل على مبروك، وتلميذته، فكشفت عن الملامح الإنسانية قبل الفكرية فيه وعن مشروعها لجمع تراثه.فقالت :«أعرف أن شهادتى فى على مجروحة، ولكنه كان ـ فى رأيى كتلميذة من تلامذته بقسم الفلسفة ـ مفكرا مستنيرا وباحثا يحترم قيمة العلم ويعمل فى صمت، منذ التقيته للمرة الأولى فى مدرج 87 ، أو مدرج التنوير كما يطلق عليه فى قسم الفلسفة - لأنه المدرج الذى كان يدرس فيه الشيخ أمين الخولى أستاذ التنوير العقلانى فى قراءة القرآن.

عرفت على مبروك منذ بداية علاقتنا إلى أن رحل للقاء ربه، فلم أره يغير رأيا اعتنقه، ولم يتلون كما فعل آخرون. كان معتزا بمنهجه وبقناعاته، يرفض أن يكون صدى لأحد، ويرفض فى المقابل أن يفرض رأيه على أحد. وسعى للتجديد وتجاوز من سبقوه، ليضيف جديدا فحورب بضراوة، فى زمن يرفض فيه الآباء الكبار أن يتجاوزهم أحد.

آمن أن معركة تجديد الفكر الدينى وتجديد الخطاب معركة وطنية قبل أن تكون علمية، فخاضها ضد قوى الظلام فى الجامعة وفى خارجها، وفضح عمليات استغلال الدين، لتحقيق المكاسب المادية والسياسية.

ولد على فى قرية بريف مصر ونشأ يتيما حيث توفى والده وهو بعمر الشهرين فقط، وكان لهذا اليتم أثر كبير على رحلة كفاحه فقد أورثه إحساسا بالحزن الذى سكن روحه منذ الصغر، حتى رحيله..

فقد كتب على صفحته على الفيس بوك قبل عامين من الرحيل: «لم تترك أثقال الطفولة آثارها على جسدى الذى لوحته الشمس الحارقة وأنا أعمل فلاحا يتيما، ولكن الأخطر هو إحساس الوحدة الذى أسكنته روحى ولا يفارقنى أبدا».

وختمت عبير مداخلتها قائلة «سأقوم بدعم من أصدقاء على بإصدار كتاب له لم ينشره فى حياته، كما سأقوم بجمع كل التراث الذى تركه من مقالات ودراسات وإصداره فى كتب. ونسعى حاليا لجمع ما كتبه من قصائد لم ينشرها من قبل، لإصدار مجموعة شعرية، فقد كان على مبروك شاعرا فى سمت المفكر أو شاعرا بنكهة الفيلسوف وفيلسوفا بمسوح الشعراء».

أزمة العقل العربي

وفى الجلسة الأولى شبهت الدكتورة هدى الخولي- أستاذة الفلسفة اليونانية فى كلية الآداب جامعة القاهرة ومديرة مركز الدراسات الفلسفية - على مبروك ببروميثيوس فى الميثولوجيا اليونانية القديمة، الذى حاول تنوير العالم حوله، كما حاول على مبروك أن يجدد فى مفهوم الدرس الفلسفى والفكرى فى جامعة القاهرة وفى دراسة الفلسفة فى الثقافة العربية بشكل عام. وتحدثت عن أزمة العقل العربى من رداء الحداثة إلى ما بعد، حيث قالت:

«إن أزمة العقل العربى الحالية أننا تخيلنا أننا دخلنا معترك الحداثة بالقشور التى استقيناها من الفكر الغربى وبدأنا الآن نتحدث عن معاناة ما بعد الحداثة. فهل نملك هذا الحق .. أن نتجاوز الحداثة ونشتبك مع مفاهيم يتعامل معها ومع مشكلاتها الغرب الآن؟

هل يمككنا أن نتحدث عن الحداثة ونحن لم نجربها أو جربناها برداء خارجى فقط ،ولم ندخل فى قلبها الحقيقي، كما قال على مبروك، بتعبيره الدقيق.. إننا مارسنا الحداثة البرانية وليست الجوانية، حداثة السطح لا القلب.»

ثم طرحت الباحثة عددا من الأسئلة، أهمها ماذا نقصد بالحداثة والتجديد، ورأت أن مصطلح تجديد الخطاب ليس منضبطا من الناحية العلمية والمنهجية

«أن العقل الغربى وهو يدخل الحداثة واجه الثنائيات التى تجحد المصطلح وتتحكم فيه ومنها: ثنائية العقل و اللاعقل، المفهوم والحدس، الحقيقة والخطأ، الصدق والكذب، الخير والشر، الوجود والظاهر، العمق والسطح… الخ ، وربما تكمن أزمة ثقافتنا فى أننا عندما نقلنا رداء الحداثة اكتفينا بثنائية الماضى والحاضر، وثنائية العقل واللاعقل وهو من المنظور الجينولوجى مثلا ليس ماضيا مضى، يضعنا فى مأزق وإشكالية زائفة، لأن الماضى أو التراث ليس تجربة منتهية، بل جزء من زمن العود الأبدى أو كما قال نيتشه: مستقبل يحضر وحاضر يمضي. بمعنى أنه جزء من بنية الحاضر، وهو يمارس حضوره وسطوته، غير مختلف مظاهر الثقافة والحضارة، فى العقل والخيال أو فى التصرف والسلوك، عبر النصوص والخطابات أو عبر التقاليد والأعراف».

مقاربة نقدية للمنهج

وقدمت الدكتورة يمنى طريف الخولي، أستاذة فلسفة العلوم ومناهج البحث فى كلية الآداب، ورقة نقدية حول مشروع على مبروك قالت فيها :

(كان على مبروك من المجددين فى الإسلام.. بهذا التعبير المهيب لشيخ التجديد الكبير أمين الخولي، وهو من الرواد اللامعين للدرب الذى يسير فيه مفكرنا المحتفى به. وهنا نذكر فيلسوف التجديد حسن حنفى الذى يصر على أنه لم ينجب إلا تلميذين هما: نصر أبو زيد وعلى مبروك.

وفى هذا الإطار يسطع ما تم إنجازه من مراحل مشروع على مبروك، على الرغم من أنه مشروع لم يكتمل لرحيله المباغت والمبكر، كإضافة حقيقية للفكر العربى والإسلامي.. والفارق بين المصطلحين كالفارق بين مكمن النور وجوهره؛ فمهما تلاحقت النوائب والكوارث تظل العروبة جوهر الإسلام وأرومته، ويظل الإسلام امتداد العروبة وأفقها الحضاري.

آمن مبروك بأن الحضارة لا يمكن استيرادها فهى إنجاز وبناء وصيرورة وحركة مستمرة، قد تكون حينا إلى الأمام وحينا إلى الوراء. ومهمة المثقفين هى جعل العقل والفعل الحضاريين متجهين نحو الأمام، كفعالية متواصلة لفعل التشييد والتطوير والتجديد والتقدم. و لتحقيق هذه المهمة، يقف مشروع على مبروك فى ساحة تجديد الإسلام والفكر العروبى الإسلامي، والخطاب الإسلامى والبحث وآليات التنقيب فى العقل الإسلامي.. شامخا فريدا. وذلك - فيما يبدو لنا – يعود إلى امتلاكه قوتين إبداعيتين متفاعلتين، هما اللغة والمنظور.

من حيث قوة اللغة التى شكلت جسد المشروع، أوتى مبروك قدرة فائقة على نحت المصطلحات، ونحت الصياغات والعبارات، مما أكسب مشروعه تكثيفا وجزالة وقدرة على بلورة الأفكار.

أما من حيث قوة المنظور الذى شكل روح المشروع فقد حدده مبروك فى علاقة النص بالواقع.

وعبر مسار إنجازه الفكرى توالى إبداع المفاتيح المنهجية لفهم علاقة النص بالواقع وعلاقة الواقع بالنص، والتنقيب فى هذه العلاقة. وكانت هذه المفاتيح إبداعا تميز بالجدة، منذ مفتاح طرحه مبروك فى مرحلة مبكرة نسبياً، يرى أن نصوص المعتزلة أكثر دفعاً لحركية الواقع وصالحه، وبالتالى تقدميته نحو العقلانية والتنوير. حيث كان المؤسسون الأوائل للاعتزال من الطبقات الكادحة العاملة الأكثر التحاما بالقاعدة الجماهيرية، المشكلة لنسيج الواقع الإنسانى ولُحمة جسد الأمة، ولم يكونوا آنذاك من الطبقة الرفيعة.. طبقة فقهاء السلطان التى شغلها نفر من الأشاعرة.

وتوالى إبداع المفاتيح المنهجية، وورد آخرها فى مقال بديع له نشرته مجلة «الديمقراطية» بعد رحيله المباغت، يستكشف فيه دور العوام أو الجماهير فى صنع القرار والواقع السياسي. ويصر مبروك على قراءة النصوص وقراءة الفكر العربى الإسلامى على أساس تشكله بفعل الأرضية السياسية والخلفية الأنثربولوجية. أتى هذا المفتاح المنهجى (العوام) مستجدا فعلاً؛ فيما كانت القراءة السياسية والأنثربولوجية لمنطلقات الثقافة العربية والعقل الإسلامى رسالة حملها مبروك بامتياز، وكانت هى الأخرى من مفاتيحه المنهجية.

مصادرة

ولئن كانت منهجية مشروع مبروك تتمحور حول فهم العلاقة بين النص والواقع، فإنه يصادر على أن سلطة النص والدوران حول النص، هو السبب المباشر للغمة المحيقة بالأمة. وبالتالى كانت اللغة والمنظور والمفاتيح المنهجية معا، المشروع ككل وكأجزاء، لهدف استراتيجى محدد هو تحرير الواقع والعقل من سلطة النص.

وفى نشدانه لتحقيق هذا الهدف انطلق انطلاقا متحمساً، يحمل إنجازات جديرة بالاعتبار ويحمل أيضا حيودات منهجية لا بد أن نتوقف إزائها

وفى المقاربة النقدية لهذا المشروع التنويرى نتذكر مقولة هيجل: الفكر والواقع وجهان لعملة واحدة، لنجد الحيودات المنهجية فى مشروع مبروك الفكرى تكاد تكون وجها آخر لصراعه الواقعى والشهير، الذى يرتد إلى التقابل بين التزام الباحث والتزام المفكر، وضرورة بذل الجهد الكافى للتوفيق بينهما لمن يريد أن يكون أكاديميا ومفكرا فى آن.

فحين يطرح الباحث سؤاله يحاول أن يجعله محددا قدر المستطاع. أما المفكر فينشد السؤال الأوسع مجالا، والإجابة الأبعد المندفعة بحدس جرىء نحو الأشمل للواقع الحضارى برمته. حاول مبروك تحقيق هدفه بكلا المعاملين، فتأتت الحيودات المنهجية من الجانبين. انطلق بروح الباحث العلمى والأكاديمى المدقق فى قلب مواطن الدوران حول النص فى بنية العقل، فى الدوائر المعرفية التى تحلقت حول النص مباشرة، وهى العلوم التى تشكلت تحديدا من أجل التعامل مع النص الديني.

وبمزيد من التحديد انصب جهد مبروك فى الأصولين: أصول الدين وأصول الفقه، بما يتبعهما من علوم مثل علم الكلام وعلم التوحيد والفقه الأكبر، وهو علم العقائد التى يتضمنها النص. أما علم أصول الفقه، فهو يختلف عن الفقه ذاته. أسس الإمام الشافعى أصول الفقه بعمله الفريد «الرسالة»، لكى يجيب هذا العلم عن سؤال محدد تماماً وهو: كيف يمكن استنباط الحكم الفقهى الجزئى من النص؟ وفى الإجابة عن هذا تمخصت جهود أجيال من علماء أصول الفقه عن أجهزة منهجية وآليات استدلالية مبهرة، حتى يمكن القول إنهم قاموا بتوطين روح المنهج والمنهجية فى الحضارة الإسلامية.

يبذل مبروك الجهد الجهيد لتبيان كيف يدور هذان العلمان/الأصوليان حول النص الديني. فلماذا هذا الجهد وهما قد قاما أصلا من أجل الدوران حوله! ويصب مبروك جام غضبه على الأشاعرة لأنهم يقدمون النقل عن النص على إعمال العقل، فى بحثهم للعقائد والرؤية الكونية المتمخضة عنها. والواقع أن لوم الأشاعرة أو ما سماه جورج طرابيشى «دراما المعتزلة والأشاعرة» سيمفونية باتت مكررة تبارى فى عزفها جمهرة المعنيين بالتجديد والعقلانية. وهنا مرتكز محورى لم يفارقه على مبروك أبدا.. ويبدو مرتكزا لجموع رافعى لواء العقلانية والتنوير فى الفكر العربى المعاصر، ألا وهو الانتصار للمعتزلة والبحث عن اعتزالية جديدة تواصل منهج العقل فى مقابل منهج النقل الأشعري، بعد تحميل الأشاعرة وحدهم مسئولية كل ما أحاط بالحضارة الإسلامية والثقافة العربية من صنوف التردى والانحطاط والتبعية!! فى حين أن المعتزلة والأشاعرة معا معبران عن مراحل تاريخية منقضية ولت وانتهت، ولكلٍ إيجابياته وسلبياته، فضلا عن أن موضوعهما أصلا هو العقائد.




المرتكزات الأساسية لفكر مبروك

من جهته، قدم الدكتور أحمد سالم، أستاذ الفلسفة بجامعة طنطا، ورقة حول المرتكزات الأساسية فى فكر مبروك قال فيها :

«ينتظم فكر على مبروك، فى لبنات الفكر العقلانى لمدرسة الإصلاح الدينى فى مصر، التى حاولت أن تعيد بناء علاقتنا بماضينا. وقد انطلقت من رفاعة الطهطاوى فى سعيه إلى تأصيل الحداثة عبر بنية تقليدية متكلسة جامدة فى الفكر الدينى، حاول فيها أن يوازن بين الوافد والموروث بآلية القياس والمماثلة. ثم جاء بعده محمد عبده ليتبنى النهج الاعتزالى ساعياً إلى تحرير العقل المسلم من سلطة النص، وتحرير الإرادة الإنسانية من سطوة الاستبداد والاستعباد. وذلك لأن أى تغيير حقيقى فى واقع المجتمع يتطلب تحرير الإنسان عقلاً وإرادة حتى يتمكن من تحرير واقعه الاجتماعى لاحقاً.

ثم جاء الشيخ أمين الخولى بمقولته الشهيرة (أول التجديد هو قتل القديم فهما ) حتى يمكن تجاوزه، مؤصلاً لذلك بالقول إن القدماء كانوا رجالاً اجتهدوا وفقاً لعصرهم، وسعى إلى تجديد الفكر الدينى عبر ربطه بحركة التطور الاجتماعي، وأسس لمدرسة كبيرة بها أعلام أمثال محمد أحمد خلف الله، وشكرى عياد، ومصطفى ناصف، وحسين نصار، وشكرى الفيصل، ثم يأتى بعد ذلك وعلى النهج نفسه الراحلان نصر أبوزيد، وعلى مبروك.

وإذا أردنا أن نحدد المرتكزات الأساسية فى فكر مبروك سنجد أنها تتمحور حول ثلاث نقاط أساسية وهى : الدينى فى فضاء السياسي. والفرع محمولاً على الأصل والنص فى وعاء الواقع والتاريخ .

الدين فى فضاء السياسة

درج علم العقائد على عرض قضايا العقيدة والخلاف حولها على أنها قضايا دينية فقط، فهل كانت كذلك؟ أم أن الخلاف العقائدى كان خلافاً عميقا فى المواقف السياسية تجلى فى الظاهر على أنه خلاف حول العقائد؟

وهذا ماحاول مبروك أن يبرزه فى كتاباته فى علم العقائد. إذ يرى أن الخلاف بين المسلمين فى موقعة صفين عام 40 هجرية، كان خلافاً سياسيا بالأساس وإن تجلت مظاهره عقائدياً. فحين أوشك الأمويون على الهزيمة رفعوا المصاحف على السيوف ليحتموا بالدينى عندما عجز السيف عن حسم المعركة، فاستمالوا الناس وخرج القراء (أو الخوارج) على الإمام على بن أبى طالب قائلين (لاحكم إلا لله)، فيرد الإمام على عليهم: بأنها كلمة حق أريد بها باطل، إنما الإمرة إما لبار أو فاجر، مؤكدا أن الخلاف سياسى وليس دينياً.. ومنذ تلك اللحظة صار الدينى والعقائدى فى خدمة السياسي، يوظفه السياسى كى يؤازره ويدعمه.

وعمد مبروك إلى بيان أثر السلطة السياسية فى تجليات الوحى عبر حركة التاريخ، ليكشف عن أثر الزمنى فى تطور الروحي، وأثر الاجتماعى والتاريخى فى تشكيل المواقف العقائدية للفرق الإسلامية، فخطاب علم الكلام أو علم العقيدة خطاب فى الدين بكلام سياسي، ومشكلة الإمامة كمشكلة سياسية تعتبر الأطروحة المركزية فى علم العقائد، والتى تشكلت عليها كل مواقف الفرق الإسلامية فى بقية العقائد رغم أنها قضية فرعية. وبدلا من أن تتقادح الفرق الإسلامية من منطق الصراع على السلطة، كان الصراع على من يملك حقيقة الدين ، وبدلا من الاعتراف بأن الخلاف سياسى صار الخلاف عقائدياً إلهياً.،

ومن هذا المنطلق قدم مبروك قراءة للخطاب الأشعرى تربط بين الأنطولوجى والثيولوجى من ناحية، والسياسى من ناحية أخرى، فيقول إن لدى الأشاعرة «تماثلا شبه كامل بين المطلق الإلهى والمطلق السياسي، ينطلق من مقولة معاوية بأنه أول الملوك».

ويربط مبروك بين انتفاء وجود قانون فى منطق السببية ، فلا علاقة للظواهر بعضها البعض فى الطبيعة وفقا للعلاقة غير الضرورية بين الأسباب، وهو مايعنى قبول الخرق والفوات فى الطبيعة وفقا لاتساع القدرة الإلهية، وإطلاق يدها فى الأنطولوجي، وكان ذلك هو المبرر الإيديولوجى لإطلاق يد الحاكم فى حكم الرعية بلا قانون أيضا، (وبما يعنى أن خرق القانون من طرف الحاكم لا يبرر للمحكوم أن يخرج عن طاعته له).

وبالمقابل يرى مبروك أن فكرة الطبع التى تؤسس للأنطولوجيا المعتزلية المبكرة تسعى إلى ترسيخ فكرة عالم ينتظمه القانون على الرغم من كونه مخلوقا لله، وذلك بخلاف سعى المعتزلة إلى ضبط العلاقة بين الله والإنسان وفقا لقانون العدل، وبما يعنيه ذلك من ضرورة أن تنضبط علاقة الحاكم بالمحكوم فى المجال السياسى بحسب القانون نفسه.

الفرع محمولاً على الأصل


يرى مبروك أن العلاقة التى سادت فى علاقة العقل بالنقل فى تاريخ الإسلام فرضتها السلطة المهيمنة، بحيث منحت الأولوية للنقل على العقل، أما الاتجاهات التى أعطت الأولوية للعقل على النقل فقد نظر إلى تراثهم على أنه هرطقات ينبغى إقصاؤها من المجال العام الإسلامي، لأن بها بذوز التمرد على السلطة.

ويحاول مبروك أن يؤصل لعلاقة العقل بالنقل فى تاريخ الإسلام بالبحث فى الجذور الانثروبولوجية فى التاريخ السابق على الإسلام فى حياة العرب، فيقول إن العقل الذى ساد فى الإسلام لهيمنته إنما يرتبط بتجاوب فى العمق مع نظام الثقافة الذى انسرب من عالم البداوة السابق عليه، وهو العالم الذى وصمه الإسلام بالجاهلية.

ويرى مبروك أن العقل كمفردة تأتى من عقال البعير أى من روح البداوة، وبما يعكس أن بنية العقل هى من روح البداوة وهو يعنى القيد ، أى لابد من قيد الممارسة العقلية من الخارج، ولكن بالمقابل نجد أن معنى العقل فى القرآن هو النشاط والفاعلية والإدراك، وأن العقل سمى عقلا لأنه ينجى صاحبه من المهالك، والغالب على معنى العقل فى القرآن أنه قوة التحرير من سلطة الآباء الغابرين. و رغم طرح الإسلام لمعنى مغاير للعقل فإن الذى ساد فى ثقافة المسلمين بعد الإسلام هو المعنى البدوى للعقل القائم على التقييد.

ويرجع مبروك تأصيل مفهوم العقل هذا بالقول بأن العربى اعتاد العيش من الجاهز، وعلى الانتهاب من أفعال الآخرين، وأن ذلك يكاد ينعكس كلية فى نظرية الكسب الأشعرى، بما هى محض اكتساب، أو حتى استهلاك لفعل الله، وأعنى من حيث يبدو أن الإنسان فى الحالين عالة على فعل غيره.

ومن نفس المنطلق اتجه العربى قبل الإسلام إلى الاحتماء بالأصل والنسب فى مواجهة تغيرات الوجود حوله. وكان للارتكان للأصل تأثير كبير فى تطور حياة العربى الحضارية الثقافية، ويتم النظر إلى أن ما لا أصل له فمهدوم. وبالطبع فإن طبيعة بناء هذا العقل ونظامه إنما يتحدد بالكيفية التى اشتغل بها هذا الأصل داخل الثقافة

النص فى وعاء التاريخ :- ثم انتقل مبروك من الاهتمام بعلمى أصول الدين وأصول الفقه إلى الاهتمام بعلوم القرآن ليقدم رؤى كاشفة عن ضرورة رؤية النص القرآنى فى ضوء تطور الواقع الإاجتماعى والسياسي، ناقدا ما تم من توظيف السياسى أو السلطانى للقرآن. فيرى «أن عملية التقنع الصريح بالقرآن هى التى ستقف وراء تبلور المأثور القائل (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) فإذا تكشف مفردات «الوازع» و «السلطان» المستخدمة فى المأثور عن تبلوره المتأخر فى حقبة شاع فيها استخدام تلك المفردات فإن ذلك مايسند الدعوى القائلة بأن «أطلقة» القرآن أو جعل القرآن مطلقا -كانت قناعا يراد منها «أطلقة» السلطان، فإذا المأثور لايُستحضر من السلطان إلا أن يكون أداة الله فى الحكم – وهذا هو معنى الوازع – فيما لم يرد فيه حكم القرآن ، فإن هذا ما يقطع بأن الأمر يتعلق ببناء السلطة على النحو الذى تكون فيه متعالية ومطلقة، وأعنى من حيث المخايلة بأن السلطة هى سلطة الله التى يكون فيها السلطان محض وازع ، أو أداة يحقق بها الله مالم ينطق به «وازع» القرآن

ويوظف مبروك علوم القرآن مثل (أسباب النزول) و(الناسخ والمنسوخ)، فى النظر إلى القرآن على أنه رسالة السماء إلى الأرض، ولكن تلك الرسالة عبرت فى الوقت نفسه عن نداء الأرض إلى السماء، بتساؤلاتها ومشكلاتها، وهمومها، وتطلعاتها. ولذا فإذا أردنا دراسة القرآن علينا أن نضع فى اعتبارنا ظروف الأرض التى نزل عليها، وإذا أردنا أن نجدد فكرنا الدينى فعلينا أن ننطلق من واقعنا الأرضى لنقدم للقرآن قراءة جديدة تتوافق مع مسيرة حياتنا الإنسانية بكل مشاكلها الراهنة.

ويرى مبروك أن المصلحة هى من المبادىء التأسيسية فى القرآن، ومن الضرورى ربط صلاح الحكم بالوقت وهو ما أكده الفخر الرازى فى الفرار من نسبة النقص إلى الله تعالى، فإنه إن قيل لو كان الحكم الثانى الناسخ أصلح من الحكم الأول لكان الأول ناقص الصلاح، فكيف أمر الله به؟ قلنا الأول أصلح من الثانى فى الوقت الأول، والثانى بالعكس. فالصلاح هنا هو المبدأ التأسيسى، وأما الحكم الذى يتحقق من خلاله الصلاح فهو الحد الإجرائي. وبحسب تقرير الرازى فإن الحكم أو الحد الإجرائى المحقق للصلاح قد يتحول فى وقت غير وقته إلى عائق يمتنع معه تحقيق الصلاح فيلزم رفعه بالنسخ.

ويرى مبروك أن الجيل الأول من المسلمين رفعوا الأحكام حين أدركوا حائلا يمنع من تحقيق الصلاح وكان ذلك استناداً إلى وعيهم العميق بالمنطق الذى يحكم علاقة كل من الوحى والعقل بالواقع، وهو ماجرى بخصوص الأحكام المتعلقة بسهم المؤلفة قلوبهم، وتوزيع الغنائم على الجند الفاتحين.

فى معنى القرآن الحى

الدكتور سامح محمد إسماعيل الباحث فى الفكر الإسلامى ومدير مكتب مؤسسة مؤمنون بلا حدود بالقاهرة، قدم ورقة عن معنى القرآن الحى عند على مبروك جاء فيها أن على مبروك حاول تفكيك نظام المعنى الكامن فى العقل المسلم، بدءًا من «سؤال الواقع» المتردي، وانطلاقا – كما يقول مبروك- من وجوب تحديد كيفية حضوره فى خطاب النهضة، الذى تصدى لمقاربة أزمته منذ البدء، وهو ما يعنى – فى ظنه – إثارة السؤال عما إذا كان هذا الخطاب قد أفلح فى بلورة مفهوم كلى لهذا الواقع، «وذلك على نحو يرتفع به إلى أن يكون موضوعا لنوع من الإدراك العفوى – حتى لا يقال العشوائى – الذى يظل معه موضوعًا للوهم». والحاصل فى رأيه أن هذا العقل لم يستطع بلورة هذا المفهوم الكلى الجامع للواقع، واكتفى بمقاربته كمجموعة من الوقائع المتشظية والمعزولة من دون الانتباه إلى ما يكمن تحتها من منطق لامرئى ينتظمها ويمنحها المعقولية.

انطلق مبروك من المفاهيم ذات الصلة بحقل الدراسات القرآنية مثل الراهن السياسي، ولغات العرب قبل الإسلام، لغة النص الديني، أسباب النزول، الوظيفية فى لغة النص، واستخدمها كأدوات مدخلية لسبر مداخل النص المؤسس منذ لحظة التنزيل وحتى اكتمال تدوينه؛ ليطرح أسئلته المركزية حول القرآن بسؤال الإطلاقية، وارتباطها بالسياسة، وهو ما يضع النص داخل تحديدات الشرط الإنساني، انطلاقا من اللغة، حيث تصبح تحولات الوضع الإنسانى هى الأساس المنطقى للانتقال من لحظة إلى أخرى فى تركيب ظاهرة الوحي، فتنزيل الوحى داخل لغة ما إنما ينطوى – فى رأيه - على تحدد الوحى بهذا النظام الكامن فى هذه اللغة.

وفضلا عن ذلك، فإن كون الوحى حوارا مع واقع المخاطبين به، إنما يكشف عن تحدده بما يمثل التاريخ الحى الذى يعيشونه بالفعل. هذه الروح التى تخاصم الأطلقة وتأباها، تقتضى - فى ظنه- التمييز بين المطلق الإلهى الذى انفتح بوحيه على البشر تفكيرا وتاريخا، وبين فعل الأطلقة بما هو آلية يسعى بها البعض إلى وضع كل كل ما يدخل البشر فى تركيبه على نحو جوهري، ضمن مجال يخرج فيه عن التحدد بما يخص البشر تفكيرا وتاريخا، وهو ما أدركه الجيل الأول، وتغاضى عنه التابعون انصياعا لإكراهات الراهن تحت وطأة السلطة السياسية.

التحول بضغط السياسى

من ثم كانت السياسة أهم مجالات التحول –فى ظن مبروك- بتجربة الصحابة من تاريخ إلى نص أو أصل يقف خارجه، حيث لم يتوفر للجيل الأول من المسلمين ما يمكن أن يكون أصلا (نصا) يفكرون به فى السياسة، لعدم وجود تراث مؤثر فى ممارسة السياسة والتفكير بها. وبسبب سكوت الوحى عن تعيين طريقة لممارستها، كان لهذا الجيل تجربته الخاصة فى السياسة، وهى تجربة اتسمت بالديناميكية والانفتاح من حيث تعليقهم الأحكام على المصالح، وعدم التقيد بأصل يحكمون به المستجدات السياسية.

وقد قام مبروك برصد محددات تحول التجربة السياسية (تجربة الصحابة) إلى أصل، بشكل أثقل على كل التاريخ اللاحق، لتغدو موضوعا للامتثال والتكرار، وهو ما جعلها تتحول من ممارسة مشروطة إلى أصل مطلق لكل ممارسة لاحقة، ليصبح القرآن على حد تعبيره ساحة رئيسية لإنتاج الإطلاقية، من خلال التعالى به من وجود من أجل الإنسان إلى وجود سابق عليه، حيث انطلقت الأفكار نحو فضاءات تسبغ سمت القداسة على النص وكلماته وحروفه والناطق به، بل والصوت نفسه، ليصبح كينونة ذات حضور مكتمل سابق فى المطلق، وهو ما واكب تحولات مسار السياسة والصراعات الكبرى حول الحكم .

النص فى خدمة السلطة .

وقد ارتفعت السياسة وتعالت بالقرآن، وهو ما تماهى بدروه مع توظيف النص المطلق لخدمة أغراض السلطة، الأمر الذى صنع نصا أكثر مفارقة للواقع واحتياجات الإنسان.

الإجرائى والتأسيسى

وفيما يتعلق بالتمييز بين الإجرائى والتأسيسى فى مقاربة القرآن، يرى مبروك أن القرآن يتميز ككل النصوص الكبرى «بكونه ساحة إلتقاء بين التاريخى بتحديداته الجزئية، وبين المتجاوز بشموله وكليته». وإذا كان التأسيسى يتمثل فى هذا المتجاوز الذى يحيل إلى عالم القيم الكبرى، فإن الإجرائى فيه هو جملة التحديدات الجزئية التى تحقق هذه القيم.

القرآن الحى

كانت طروحات مبروك تهدف إلى اكتشاف المنطق الذى تحكم فى مسار ظاهرة الوحي، وهو أمر يرى مبروك أنه لا يتحقق إلا من خلال الإحاطة بتاريخ الظاهرة بشكل شامل، حيث تتبدى ملامح الطابع الإنسانى المرتبط بالأصل الذى نشأت منه الظاهرة، والذى يرتد -حسب تعبيره- إلى لحظة فردوسية أولى عايش الوعى فيها الله، وهى لحظة لم يكتب لها الدوام، بسبب ذلك النزوع إلى التعالى بالمطلق، وتكريس الانفصال عن الله، ومع عدم القدرة على استعادة حالة الوحدة مع الله، راح الإنسان يطور وسائل استعادة الاتصال، وكان الوحى أبرز وسائل الاتصال غير المباشر مع الله.

وعليه فإن مفهوم القرآن الحى يهدف إلى تأكيد دخول الإنسان، وعيا وواقعا، فى تركيب ظاهرة الوحى على العموم والخصوص معا، وبشكل يمكن معه القول بأن صور الوحى المتنوعة لا يمكن أن تقدم على المعرفة الإلهية المطلقة، وهو ما يتجلى فى فعل الإباحة الذى مكن العرب فى لحظة التأسيس الأولى – على حد توصيف مبروك- من قراءة القرآن بلغاتهم ولهجاتهم التى جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم فى الألفاظ والإعراب، وأن الأمر يتعلق باختلاف الألفاظ / اللغات، وليس باختلاف وجوه إخراج الحرف الواحد على نحو ما هو معرف فى علم القراءات.

وعليه، تتبلور رؤية يمكن تأسيس مشروع كامل عليها، بشأن دخول الإنسان فى تركيب معنى القرآن، وهى رؤية تتجاوب مع ما دلل عليه مبروك من دخول الإنسان فى التركيب البنائى واللغوى للقرآن، وهو أمر كان لابد أن ينعكس على طبيعة المعرفة التى نشأت حول القرآن، وتتضح الفكرة فى صياغتها النهائية حسب تعبيره:» إذا كان تصور المعنى قائما فى القرآن على نحو مطلق ونهائي، ومن دون أن يكون للإنسان إلا أن يتلقاه كما هو، وبما يتجاوب مع الإقصاء الكامل للإنسان عن التركيب اللغوى والبنائى للقرآن، قد ترتب عليه انبثاق أنظمة معرفية ومذهبية تحتكر لنفسها الإطلاق والقداسة، فإن دخول الإنسان فى عالم القرآن على صعيد المعنى والتركيب واللغة، سيترتب عليه ظهور أنظمة معرفية تؤكد على تجاوبها مع تحديدات السياق التاريخى والاجتماعى وشروطه».

الثورة وخطاب النهضة..اختبار الهشاشة

كان ذلك ليلة الاحتفال بتنحى مبارك، توقف رجل فى منتصف كوبرى قصر النيل المؤدى إلى ميدان التحرير، رافعا لوحة كتب عليها :«الله وحده هو الذى أسقط النظام»، فبادرته بالسؤال وماذا كان يفعل كل هؤلاء الناس طيلة الأيام السبعة عشر الماضية؟

هذا المشهد ذكره الدكتور على مبروك فى خاتمة كتابه «ثورات العرب..خطاب التأسيس»، وبهذا الاستشهاد من على مبروك، يبدأ د. محمد حسين أبو الحسن - من أسرة الأهرام - مداخلته التى جاء فيها:

قد يرى البعض فى عبارة «الله وحده أسقط النظام» تعبيرا عن موقف إيمانى خالص، لكن مبروك لمس فيها تجسيدا للحظة المراوغة الأولى فى مسيرة النهضة العربية الحديثة، بوصفها تعبيرا عن موقف سياسى بامتياز، يجاوز تقوى الرجل.. لأن من يقوم برد فعل إسقاط النظام إلى الله، يفعل ذلك مجازا، أما الحقيقة فإنه يبتغى رد هذا الفعل إلى جماعة أو حتى شخص يتخفى وراء الله وينطق باسمه، تحقيقا لأهداف سياسية معينة.

التقط مبروك ، جذور الاستبداد- مأساتنا العابرة للقرون- فى مشهد كهذا، من خلال سياق أو خطاب سلطوي، يرى الإنسان مجرد «أداة» لا فاعلا، وهو خطاب عمل مبروك على تفكيكه وإزاحته، عبر بيان الكيفية التى يسعى بها خطاب دولة القمع والقوة – التى ثار عليها الناس- إلى اختراق طموحهم فى بناء دولة الحق والقانون، على أمل أن يفتح الباب لتحرير خطاب الحاضر، من سطوة خطاب الماضى (القريب والبعيد)، والذى بدونه لن تتأسس الدولة الجديدة المبتغاة، وستئول فى النهاية إلى إعادة إنتاج ما ثار عليه الناس.

وكان موضوع النهضة والتقدم فى العالم العربى الموضوع الأساس عند مبروك. فكل سؤال ينبع منه، وكل جواب يطمح إلى أن يصب فيه. وليس الأمر نزاعا حول ضرورة الدين أو عدمها، ولا نزاعا حول ضرورة الدولة أو تغييبها، بل هو نزاع حول إمكانية النقاش فيهما، واعتبار التغيير فى كل منهما ممكنا. إنه خروج على المعطى التاريخى وتأكيد على حضور الإرادة البشرية فى الحالتين.. ليست هناك مطلقات سياسية أو دينية، إلا ما اختاره الناس، وكل ما يختاره الناس نسبى المعرفة ونسبى الحقيقة، معرض للنقد.

انطلق مبروك من المشهد الحاضر، عائدا إلى الماضي، كاشفا عن جذور مكوناته ومراحل تطوره، أى مما هو راهن ملموس إلى ما هو غائب مطلوب، والزمن العربى يبدو «دائريا»، قفز إلى لحظة التأسيس الأول للدولة الحديثة فى عام 1805، عندما أنفذ الشعب المصرى إرادته، بعزل خورشيد باشا وتعيين محمد على باشا واليا عليهم، بشروطهم، لكن الرجل سرعان ما انقلب على الناس وراح يحكمهم بشروطه، التى لم تكن إلا بناء دولة القوة، بينما كان الشعب يتطلع إلى بناء دولة «الحق» التى تنصفه من الجور والعسف، أراد الباشا «دولة القوة»، نواتها الجيش «مؤسسة القوة الخشنة»، ولم يدرك فى الشعب سوى «أدوات» فى بنائها. وكانت «الحداثة الأوروبية» البازغة «أداته الأخرى».. لم يطلب من الحداثة إلا ما تنتجه من سلاح وتقنية، أى جانبها «البّرانى» القشري/ السياسي، وليس ما أنتجها من «الإرادة الحرة والوعى الخلاق الناقد»، أى جانبها الثقافي/ المعرفى المؤسس.

وجاء رفاعة الطهطاوى المنظر البارز لدولة الباشا، فنسى سريعا أن توليته جاءت من الشعب، وجاهر بأن ولاية الباشا من الله لا من الناس، وأنه «لا يُسأل عما يفعل». كانت تلك «لحظة التأسيس المراوغة» الله أم الشعب؟ بمعنى أوضح فإن كلام الطهطاوى «يتعارض مع الواقع التاريخى الذى يقطع بأن تولية الباشا كانت من جماهير الشعب أو نخبته التى اختارته، فى مواجهة الإرادة السلطانية العلوية، التى تتخفى وراء المشيئة الإلهية المتعالية، ليكشف عن أزمة مثقف يجد نفسه مضطرا لأن يكون بوقا لسلطة القوة على حساب سلطة الحقيقة، ولم يجد فى جعبته سوى استدعاء مفردات «السياسة الشرعية والأحكام السلطانية»، وهو الذى سبق أن تحدث عن «التدابير الفرنساوية ومسئولية الملك أمام شعبه».

وكانت آلية العزل والانتقاء من أهم أدوات السياسة، وقد أنتجت مأزق المجاورة بين أنظمة ثقافية ومعرفية متباينة أو متناقضة- مما أحال فضاء خطاب النهضة إلى ساحات للتناحر والخصومة، بين دلالات التراثى والحداثى التى تتجاور داخلها، ويعاد إنتاجها معا.

علة ذلك أن العرب تعرفوا على أوروبا جيشا وأسطولا ومصنعا وتنظيما، أى الوجه السياسى، بكل ما يقترن به من ضروب الايديولوجى والتقني، وغاب عنهم (المعرفى والثقافي) وظل متواريا ومهملا فى الهامش، برغم مركزية دوره فى خلخلة المواريث المتكلسة لعصر ما قبل الحداثة.

انخرط العرب فى عملية اصطناع للتنظيمات والمؤسسات مثل مجلس شورى النواب، بينما ظل الاستبداد راسخا، فكانت مجرد أصباغ تجمل الوجه العكر أمام السيد الغربي. واكتسبت الدولة «الحديثة» عندنا معنى مناقضا، بالكامل، لدولة الحداثة الحقة، التى هى «الدولة التعاقدية» القائمة على الرضا الطوعى بين الحاكم والمجتمع المحكوم، ومثلها مفاهيم الاستنارة والعقلانية، التى احتملت معانى مناقضة، فى السياق العربى عنها فى الأوروبي.

إن فشل التأسيس الأول، بسبب الحضور الطاغى للسياسى على حساب المعرفى والتأسيسي،كما يرى مبروك أوصل مشروع النهضة إلى لحظة تأسيس ثانية، بولادة «الجامعة»، لتزايد الإدراك بضرورة الحاجة إلى مؤسسة لإنتاج «القوة الناعمة»، ترث مؤسسة إنتاج «القوة الصلبة». لكن الجامعة لم تفلح فى الانفلات من طغيان السياسى على المعرفي، بما يعنيه من الانشغال باستهلاك الجاهز والبراني، على حساب التأسيسى والجواني، ولم تنخرط فى تهيئة الشروط المنتجة للمعرفة العلمية، وأهمها على الإطلاق ضرورة بناء العقل «الناقد»، واستمرت تشتغل بذات العقل «الناقل»، المنسرب من ثقافة التراث التقليدية، وهو العقل الذى وقف وراء الإخفاق الأول، ولم تقدر الجامعة على كسر سطوته المستمرة إلى الآن.

وبالرغم من الإشارات التى تواتر ظهورها، على الخطو المتعثر، فى دورب هذه الأزمنة، ولدت مشاريع فكرية، التمست «العقل النقدى»، لكنها اعتمدت أيديولوجيات متصارعة، وأعادت تدوير ما ترفضه، واستفحلت مظاهر أزمة الخطاب، خصوصا فى كيفية حضور التراث والحداثة، لم تقف سلطة التراث عند حد تعيين المقبول والمرذول من الحداثة، بل تجاوزت إلى داخل التراث نفسه. ومن المؤسف أن التراث القابض على «سلطة التحديد» لم يكن تراث «العقل» المطارد والمحاصر، بل تراث «التقليد» الذى غلب وساد، ومن هنا ترسخت فكرة الوصاية التى لا تزل تحدد طبيعة الممارسة العربية سياسيا وثقافيا وأكاديميا، فى معية المشروع الحداثى العربي. ومن هنا مفارقة الحداثة العربية التى تجعلها معمل إنتاج لكل نقائض الحداثة الحقة، من الوصاية والاستبداد والأبوية وغيرها من مخلفات عالم قديم، جاءت الحداثة لرفع وصايته، فجعل منها –للسخرية- أحد أدواته فى فرض الوصاية.

 

كيف كانت حياة على مبروك نموذجا لمحنة العقل العربى ؟
الإجابة تقتضى العودة إلى ثمانينيات القرن الماضي، حيث بداية المحنة التى عاشها مبروك منذ البداية حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، فيما هو يمد يده للإمساك بزهرة الفرح والتنوير التى سعى وراءها لما يزيد على ربع قرن.دارت حرب خفية لمنع مناقشة رسالة الماجستير التى تقدم بها مبروك، فما كان من المفكر حسن حنفى إلا أن دفع بها إلى أستاذ الجميع إبراهيم بيومى مدكور، ليبدى رأيه فيها. وجاءت إجابته بالتقريظ والمدح، النادرين منه ، مبديا دهشته وإعجابه بأن هناك من استوعب البنيوية جيدا، وطبقها على واحدة من أهم أفكار علم الكلام والفلسفة الإسلامية. ولولا كان الاتفاق سرا قد تم بين عضوى الحكم، على منح الباحث تقديرا متدنيا، تمهيدا لفصله من الجامعة. وهنا تدخل حسن حنفي مرة ثانية، ودامت المداولة لأكثر من ساعتين، قبل الإعلان عن منح الدرجة. لعلى بتقدير يسمح له بالاستمرار

والمغزى هنا أن مبروك اهتم بالبنائية، ، وطبقها منهجا للبحث والغوص فى أعماق العقل العربى ومشكلاته وهو يتحسس طريقه فى الدرس الفلسفى .

ونحن نحتفى بمفكرنا الراحل يبدو اننا نعيش اجواء كالتى بدأت فيها اسئلة النهضة المصرية، يبدو أننا نعود إلى نقطةالصفر عند مناقشة مشكلة النهضة. فرغم جهود المفكرين منذ رفاعة والأفغانى ومحمد عبده ولطفى السيد وطه حسين، نعود دائما إلى النقطة نفسها رغم مرور الزمن.. بل لعلنا نرتد حتى عن سؤال النهضة وإجابته ؟ فما السر فى هذه العقدة التى لا تريد أن تنحل لتحملنا إلى أفق مغاير ومستقبل جديد؟

يرى على مبروك أن إجابة المفكرين العرب من شرقهم إلى غربهم انحصرت باستمرار فى البعد السياسى وفى موضوع الاستبداد تحديدا.. وأن حل معضلة الاستبداد السياسى هى المنوط بها حل معضلة الحركة الفاعلة نحو المستقبل أو الديمقراطية أو الحرية. لأن هذا الحل إن وجد سيقيد السلطة بالقانون ، وسيضمن التداول السلمى للسلطة. وقد كان هناك ما يشبه الإجماع من أعلام الفكر النهضوى الإصلاحى العربى والإسلامي، على اعتماد هذه الآلية مهما تباينت ألوان الطيف الإصلاحية على هذا المستوى. . من سلفية إلى ليبرالية.. إلى يسارية. وأن شروط النهضة عند هؤلاد جميعا تتبلور فى تجاوز الاستبداد الذى هو أصل التخلف وأن نقيضه الضامن للحرية والمقيد للسلطة بالقانون هو فى المقابل أصل النهضة..

ويرى مبروك أن هذا الوعى النهضوى الإصلاحى لم يفلح فى تغيير الأوضاع القائمة على الاستبداد، إذا تجاوزنا عن بعض التغييرات الشكلية هنا وهناك، والتى لم تفلح فى تغيير البنية الأساسية للاستبداد فى طول العالم العربى وعرضه. ومن ثم كان لا بد من مزيد من الحفر – المعرفى باصطلاح ميشيل فوكو – بحثا عن الأسباب العميقة القارة فى جوهر البنية الثقافية الأم المكونة للعقل العربي، والتى يعتبر السياسى فى نهاية التحليل مجرد تعبير ثانوى عنها أو تجل مباشر ومحدود لها، وأنه ما لم يتم تفكيك هذه البنية العميقة القارة، فستصبح كل جهود التجديد والتحديث والتطوير السياسي،أو محاولة أى تطوير آخر، مجرد جهود شكلية خارجية لا تصل إلى العمق المكون وإلى البنية العميقة الصانعة لمنطق التفكير ولطبيعة الرؤية الشرقية وطريقة اشتغال العقل العربى الإسلامي، وبالتالى المكرسة لدوام الاستبداد وترسخه ونموه واستمراره وقدرته من ثم على التبرقع والتقنع بأزياء جديدة وعلى برقشة جوهره القبيح بألوان خادعة وسطحية عن الحداثة والتجديد والحرية والديمقراطية، لا تغير شيئا فى التجلى الأخير لموضوعة الاستبداد الشرقية.



ولذلك لم يعرف الخطاب العربى النهضوى سوى السعى إلى استعارة ونقل التنظيمات الأوروبية وما يجرى تداوله فى فضائهامن مفردات الدستور والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، وذلك عبر المماثلة بينها وبين ما يراه هذا الخطاب موازيا لها فى هياكله التراثية القديمة ، ساعيا بذلك إلى إزالة شبهة تناقضها مع الشرع..

وهكذا دون أن يشغله الوعى بالسياق المعرفى الخاص الذى تبلورت فيه واكتملت هذه التنظيمات والمفاهيم فراح لذلك يستعيد مفاهيم وبالمفارقة ، انتهت إلى الانفصال عن مجالها الأصلى الأوروبي، عن دلالتها الدينية بواسطة مفاهيمه التى لم تزل لصيقة بدلالاتها الدينية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق