الجمعة 20 من محرم 1438 هــ 21 أكتوبر 2016 السنة 141 العدد 47436

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

الثقافة‭.. ‬التاريخ‭ ‬والمستقبل

د‭. ‬محمود‭ ‬حداد - أستاذ‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬والمعاصر -- جامعة‭ ‬البلمند‭ ‬ـ‭ ‬لبنان
ظل‭ ‬المحور‭ ‬الثقافي‭ ‬اللبناني‭ ‬ـ‭ ‬المصري‭ ‬المحور‭ ‬العربي‭ ‬الأنشط‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬حتي‭ ‬نهاية‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬حيث‭ ‬خفتت‭ ‬أنواره‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬5‭ ‬يونيو‭ ‬1967‭. ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬تطورات‭ ‬متعددة‭ ‬أثرت‭ ‬علي‭ ‬ريادة‭ ‬مصر‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بسبب‭ ‬ضغوط‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬وكذا‭ ‬الضغوط‭ ‬الدولية‭ ‬الموازية‭. ‬وكان‭ ‬أن‭ ‬شهدنا‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬السبعينيات‭ ‬مشهدا‭ ‬غريبا‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬مجازا‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬تمرد‭ ‬قبطان‮»‬‭ ‬السفينة‭ ‬العربية‭ ‬حيث‭ ‬سارت‭ ‬القاهرة‭ ‬سيرا‭ ‬منفردا‭ ‬ظن‭ ‬أنه‭ ‬سينتج‭ ‬خيرا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬عميما‭ ‬‮«‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تصمت‭ ‬المدافع‮»‬‭.‬

...........................................................................................

ومع‭ ‬أن‭ ‬المدافع‭ ‬صمتت،‭ ‬فإن‭ ‬الشروط‭ ‬السياسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بذلك‭ ‬ولدت‭ ‬أزمات‭ ‬وارتهانات‭ ‬لا‭ ‬حلولا‭ ‬اقتصادية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬صمت‭ ‬المدافع‭ ‬علي‭ ‬جبهة،‭ ‬سمح‭ ‬لها‭ ‬بالانطلاق‭ ‬علي‭ ‬جبهات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أخطرها‭ ‬كان‭ ‬الخروب‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬اختلط‭ ‬فيها‭ ‬الخارجة‭ ‬الاقليمي‭ ‬بالخارج‭ ‬الدولي‭ ‬خدمة‭ ‬لمصالح‭ ‬متشعبة‭.‬

دخلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬بيروت‭ ‬وتفجرت‭ ‬الانتفاضات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬واحدة‭ ‬بعد‭ ‬الأخري‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬والقطاع‭ ‬واندلعت‭ ‬حروب‭ ‬متتالية‭ ‬في‭ ‬المشرق‭! ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬بمقدور‭ ‬الكبير‭ ‬نجدة‭ ‬الصغير‭ ‬ولا‭ ‬بمقدور‭ ‬الصغير‭ ‬تفهم‭ ‬مأزق‭ ‬الكبير‭. ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬القدرة‭ ‬العسكرية‭ ‬للكبير‭ ‬والقدرة‭ ‬المالية‭ ‬للصغير‭ ‬التحالف‭ ‬والتزاوج،‭ ‬فأصبح‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عسكري‭ ‬معطلا‭ ‬وغدا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مالي‭ ‬مستباحا‭.‬

بعد‭ ‬ذلك‭ ‬دخلتم‭ ‬ودخلنا‭ ‬ودخل‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬متاهة‭ ‬فكرية‭ ‬ودينية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬عميقة‭ ‬دفعت‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬غال‭ ‬من‭ ‬ثمنها‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التيه‭ ‬مستمر‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يخفت‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ويشتد‭ ‬في‭ ‬مكان‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬المركز‭ ‬السياسي‭ ‬للاقليم‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬قد‭ ‬تعرض‭ ‬للاهتزاز،‭ ‬فإن‭ ‬مركزا‭ ‬عربيا‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يحل‭ ‬محله‭. ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬المركز‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬احتكر‭ ‬الدور‭ ‬الإقليمي‭. ‬ولا‭ ‬أستطيع‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أشير‭ ‬إلي‭ ‬الثمن‭ ‬الكبير‭ ‬للمأساة‭ ‬السورية‭ ‬والمأساة‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬وصلت،‭ ‬دون‭ ‬مبالغة،‭ ‬إلي‭ ‬حجم‭ ‬هيروشيما‭ ‬ونجازاكي‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬اجتثاث‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬مشرقية‭ ‬عريقة‭ ‬وعزيزة‭ ‬ومأساة‭ ‬وقوفنا‭ ‬متفرجين‭ ‬أمامها‭ ‬وعاجزين‭ ‬خائفين‭ ‬حتي‭ ‬عن‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭.‬

‭- ‬في‭ ‬المستقبل

هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬تفرض‭ ‬أسئلة‭ ‬مستقبلية‭ ‬علينا‭:‬

إن‭ ‬المثقفين‭ ‬اللبنانيين‭ ‬والمصريين‭ ‬مازالوا‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬الريادة‭ ‬الفكرية‭ ‬العربية‭ ‬ولو‭ ‬نسبيا،‭ ‬ونرجو‭ ‬أن‭ ‬يسبقهم‭ ‬مثقفو‭ ‬المغرب‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬قصير‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬علينا‭ ‬الإجابة‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬الأمس‭:‬

علينا‭ ‬أن‭ ‬نتفهم‭ ‬بلغة‭ ‬الحداثة‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمريكي،‭ ‬بل‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬أزماننا‭ ‬العربية‭ ‬المختلفة‭ ‬والموازية‭: ‬أزمنة‭ ‬كما‭ ‬أمكنة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحداثة،‭ ‬وأمكنة‭ ‬الحداثة‭ ‬الشكلية،‭ ‬أزمنة‭ ‬وأمكنة‭ ‬الحداثة‭ ‬الجزئية،‭ ‬أزمنة‭ ‬الحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬علينا‭ ‬محاولة‭ ‬اللحاق‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬والتنافس‭ ‬معها‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخري‭.‬

وعليه‭ ‬فإن‭ ‬مهماتنا‭ ‬أصعب‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬خاصة‭ ‬أننا‭ ‬دخلنا‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬غير‭ ‬صحي‭ ‬علي‭ ‬الاطلاق‭ ‬بين‭ ‬شعبوية‭ ‬دينية‭ ‬متزمتة‭ ‬تتمثل‭ ‬ماضي‭ ‬الذات‭ ‬الفائت‭ ‬والمفوت‭ ‬ونخبوية‭ ‬علمانية‭ ‬تتمثل‭ ‬ماضي‭ ‬وحاضر‭ ‬الآخر‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمريكي‭ ‬البعيد‭ ‬علي‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف‭ ‬المادية‭ ‬والمناخات‭ ‬الفكرية‭. ‬والسؤال‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬ردم‭ ‬الهوة‭ ‬بين‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية‭ ‬وهي‭ ‬هوة‭ ‬أصبحت‭ ‬أعرض‭ ‬مع‭ ‬الاختراعات‭ ‬الالكترونية‭ ‬الحديثة‭ ‬وثورة‭ ‬الاتصالات‭ ‬المدهشة‭ ‬إضافة،‭ ‬إن‭ ‬علي‭ ‬الفكر‭ ‬التنويري‭ ‬أن‭ ‬يدرس‭ ‬أسباب‭ ‬عدم‭ ‬شعور‭ ‬الجمهور‭ ‬العريض‭ ‬بأنه‭ ‬يمثله‭ ‬ويمثل‭ ‬آماله؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يفسر‭ ‬الغربة‭ ‬بين‭ ‬المثقف‭ ‬التنويري‭ ‬والمواطن‭ ‬غير‭ ‬المطلع‭ ‬علي‭ ‬الثقافة‭ ‬الأجنبية‭.‬

أختم‭ ‬بالقول‭ ‬إن‭ ‬المحن‭ ‬والخطوب‭ ‬والمآزق‭ ‬والأزمات‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بنا‭ ‬متراكمة‭ ‬ومتشابكة‭ ‬وعويصة‭ ‬ومن‭ ‬المستحيل‭ ‬العثور‭ ‬علي‭ ‬حل‭ ‬سحري‭ ‬أو‭ ‬مباشر‭ ‬لها،‭ ‬إلا‭ ‬أنني‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬حل‭ ‬جزئية‭ ‬صغيرة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬المأساوي‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬يغير‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬الإجمالية‭ ‬ويعطينا‭ ‬أملا‭ ‬في‭ ‬أننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أكثر‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬ويشعرنا‭ ‬بأن‭ ‬الأفق‭ ‬ليس‭ ‬مسدودا‭ ‬إذا‭ ‬أخلصنا‭ ‬العمل‭.‬

حلول‭ ‬عملية

1‭ ‬ـ‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نسمح‭ ‬بالحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭ ‬وللعولمة‭ ‬الجارفة‭ ‬أن‭ ‬تفقدنا‭ ‬أنفسنا‭. ‬وهذا‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تراجع‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المجالات‭. ‬ولابد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬للمثقفين‭ ‬اللبنانيين‭ ‬ومشايخ‭ ‬الأزهر‭ ‬ومجامع‭ ‬اللغة‭ ‬والجامعات‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تنشيط‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وجعلها‭ ‬متوافقة‭ ‬مع‭ ‬الاستخدامات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬الحديثة‭.‬

2‭ ‬ـ‭ ‬إن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشبان‭ ‬العرب‭ ‬يذهب‭ ‬إلي‭ ‬الغرب‭ ‬للتخصص‭ ‬في‭ ‬موضوعات‭ ‬علمية‭ ‬بحتة‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬تخصصات‭ ‬العلوم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ويختارون‭ ‬موضوعات‭ ‬عربية‭ ‬وإسلامية‭ ‬لرسائلهم‭ ‬الجامعية،‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬يعودون‭ ‬بمعرفة‭ ‬سطحية‭ ‬جدا‭ ‬عن‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬درسوا‭ ‬فيها‭. ‬لذلك‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬علي‭ ‬كل‭ ‬طالب‭ ‬مبتعث‭ ‬شرط‭ ‬تقديم‭ ‬رسالة‭ ‬ماجستير‭ ‬قصيرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بأحد‭ ‬أوجه‭ ‬ثقافة‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬درس‭ ‬فيه‭ ‬الطالب‭ ‬وقضي‭ ‬فيه‭ ‬سنوات‭.‬

3‭ ‬ـ‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬تأكيد‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخطوات‭ ‬المفيدة،‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الثقافي‭ ‬والعلمي،‭ ‬تتطلب‭ ‬قرارا‭ ‬سياسيا‭ ‬شجاعا‭ ‬ومدروسا‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬صحيحا‭ ‬أنه‭: ‬‮«‬كما‭ ‬تكونوا‭ ‬يولي‭ ‬عليكم‮»‬،‭ ‬فإنه‭ ‬صحيح‭ ‬أيضا‭ ‬القول‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الناس‭ ‬علي‭ ‬دين‭ ‬ملوكهم‮»‬‭ ‬علي‭ ‬الأقل‭ ‬إلي‭ ‬حين‭.‬

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق