الجمعة 20 من محرم 1438 هــ 21 أكتوبر 2016 السنة 141 العدد 47436

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

مصر‭ ‬ولبنان‭.. ‬ثقافة‭ ‬تتجدد فى‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬وفى‭ ‬الخوف‭ ‬عليها‭! ‬

رضوان‭ ‬السيد‭ ‬
هذا‭ ‬العنوان‭ ‬أو‭ ‬هذه‭ ‬الثنائية،‭ ‬والتى‭ ‬جعلتها‭ ‬عنوانا‭ ‬لفصل‭ ‬فى‭ ‬كتابى‭ ‬‮»‬أزمنة‭ ‬التغيير،‭ ‬الدين‭ ‬والدولة‭ ‬والإسلام‭ ‬السياسى‮«‬‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬هى‭ ‬الحاكمة‭ ‬للعقول‭ ‬والأفئدة‭ ‬فى‭ ‬سائر‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬العربى،‭ ‬وفى‭ ‬مصر‭ ‬ولبنان‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭. ‬فى‭ ‬الدول‭ ‬التى‭ ‬حدث‭ ‬فيها‭ ‬الاضطراب‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬يغلب‭ ‬لدى‭ ‬الفئات‭ ‬الوسطى‭ ‬والمثقفين‭ ‬الخوف‭ ‬على‭ ‬الدولة‭. ‬أما‭ ‬فى‭ ‬الدول‭ ‬التى‭ ‬نجت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬الاضطراب،‭ ‬فإن‭ ‬التوجس‭ ‬والخوف‭ ‬حاصلين‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬السلطة‭ ‬القائمة‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام،‭ ‬أو‭ ‬هذه‭ ‬الثنائية‭ ‬لا‭ ‬يتركز‭ ‬أحد‭ ‬طرفيها‭ ‬دون‭ ‬الآخر‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬العربى‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬طرفى‭ ‬الثنائية‭ ‬يتغلغلان‭ ‬فى‭ ‬الفئات‭ ‬الشعبية‭ ‬المختلفة‭ ‬فى‭ ‬البلد‭ ‬الواحد،‭ ‬وإنما‭ ‬كما‭ ‬أسلفت‭ ‬يغلب‭ ‬أحدهما‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬حسبما‭ ‬شهده‭ ‬البلد‭ ‬فى‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬الماضية،‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬أو‭ ‬هدنة‭ ‬على‭ ‬دخن‭.‬

...........................................................

فى‭ ‬العقدين‭ ‬السابقين‭ ‬على‭ ‬العام‭ ‬2010‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬عاصفتان‭ ‬ضربتا‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭: ‬عاصفة‭ ‬ناجمة‭ ‬عن‭ ‬انفجار‭ ‬الإسلاميين‭ ‬الشيعى‭ ‬والسنى،‭ ‬ويمكن‭ ‬تسميتها‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭: ‬عاصفة‭ ‬دينية‭. ‬وعاصفة‭ ‬استراتيجية‭ ‬إذا‭ ‬صح‭ ‬التعبير‭ ‬أيضا،‭ ‬وهى‭ ‬ناجمة‭ ‬عن‭ ‬غزو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬للعراق‭ ‬مرتين‭. ‬فى‭ ‬العاصفة‭ ‬الأولى،‭ ‬أى‭ ‬الدينية،‭ ‬ظهرت‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬عربى‭ ‬وتنظيمات‭ ‬حزبية‭ ‬مسلحة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مسلحة،‭ ‬حسب‭ ‬وضع‭ ‬الدولة،‭ ‬تحمل‭ ‬إسلاما‭ ‬جديدا،‭ ‬الإسلام‭ ‬الشيعى‭ ‬وبقيادة‭ ‬إيران‭ ‬اتجه‭ ‬لزعزعة‭ ‬الأنظمة‭ ‬والمجتمعات‭ ‬ساعة‭ ‬باسم‭ ‬التحرير،‭ ‬وساعة‭ ‬باسم‭ ‬رفع‭ ‬المظلومية‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬الحقوق،‭ ‬وساعة‭ ‬بدون‭ ‬دعوى‭ ‬ظاهرة‭ ‬غير‭ ‬الخصوصية‭ ‬الخاصة،‭ ‬وزاد‭ ‬الطين‭ ‬بلة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التشيع‭ ‬الجديد،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬دينيا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ظهر‭ ‬له‭ ‬فرع‭ ‬سياسى‭ ‬فى‭ ‬فلسطين‭ ‬ومن‭ ‬حولها‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭.‬

أما‭ ‬الانفجار‭ ‬فى‭ ‬قلب‭ ‬الإسلام‭ ‬السنى‭ ‬فكان‭ ‬له‭ ‬وجهان‭ ‬أيضا‭: ‬الدينى‭ ‬والسياسى‭. ‬وكلا‭ ‬الوجهين‭ ‬أو‭ ‬الفرعين‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ثآرة‭ ‬بالجهاد،‭ ‬وطورا‭ ‬بالحشود‭. ‬وقد‭ ‬بدا‭ ‬لأول‭ ‬وهلة‭ ‬أنه‭ ‬الأخطر‭ ‬والأفعل،‭ ‬لأنه‭ ‬ظهر‭ ‬ضمن‭ ‬إسلام‭ ‬الأكثرية‭ ‬الشعبية،‭ ‬وأنه‭ ‬لم‭ ‬يتردد‭ ‬فى‭ ‬قتال‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وفى‭ ‬قتال‭ ‬العالم‭. ‬

إن‭ ‬هذين‭ ‬الإسلامين‭ ‬الجديدين‭ ‬اللذين‭ ‬شكلا‭ ‬تحديين‭ ‬كبيرين‭ ‬لأمن‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬والدول،‭ ‬صارا‭ ‬قاتلين‭ ‬تماما‭ ‬عندما‭ ‬عزمت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية،‭ ‬وبذريعة‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬للكويت‭ ‬عام‭ ‬1995،‭ ‬وبدون‭ ‬ذريعة‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬كيف‭ ‬صارا‭ ‬خطرين‭ ‬قاتلين؟‭ ‬صارا‭ ‬كذلك‭ ‬لأن‭ ‬الجهاديين‭ ‬السنة‭ ‬اتجهوا‭ ‬لمقاتلة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والعالم‭ ‬الغربى‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬بحيث‭ ‬صارت‭ ‬الكيانات‭ ‬العربية‭ ‬الضعيفة‭ ‬أو‭ ‬حليفة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مسرحا‭ ‬للصراع‭. ‬ولأن‭ ‬إيران‭ ‬قررت‭ ‬استخدام‭ ‬التنظيمات‭ ‬الشيعية‭ ‬فى‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬البلدان‭ ‬العربية‭ ‬التى‭ ‬يوجد‭ ‬بها‭ ‬تنظيمات‭ ‬شيعية‭ ‬مذهبية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭ ‬وذللك‭ ‬مثل‭ ‬العراق‭ ‬ولبنان‭ ‬وسورية‭ ‬وغزة‭ ‬واليمن‭. ‬والطريف‭ ‬أنه‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الجهاديون‭ ‬السنة‭ ‬يدعون‭ ‬أنهم‭ ‬يقاتلون‭ ‬الأميركيين‭ ‬وحلفاءهم،‭ ‬فإن‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬والمتأيرنة‭ ‬كانت‭ ‬تدعى‭ ‬ولاتزال‭ ‬أنها‭ ‬تقاتل‭ ‬أمريكا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬إنما‭ ‬فى‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭! ‬

ولنعد‭ ‬الى‭ ‬الثنائية‭ ‬التى‭ ‬ذكرتها‭ ‬فى‭ ‬مطلع‭ ‬هذه‭ ‬المداخة،‭ ‬أعنى‭ ‬ثنائية‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬والخوف‭ ‬عليها‭. ‬فى‭ ‬سائر‭ ‬الأديان‭ ‬باستثناء‭ ‬الكاثوليكيةثورات‭ ‬مشهود‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬القوية‭ ‬الشرعية‭ ‬تستطيع‭ ‬فى‭ ‬العادة‭ ‬استيعاب‭ ‬الثوران‭ ‬الدينى‭ ‬أو‭ ‬السياسى‭ ‬واصطناع‭ ‬مسارب‭ ‬له‭ ‬تخفف‭ ‬من‭ ‬عصفه‭ ‬وآثاره‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬الجمهور‭ ‬العربى‭ ‬لا‭ ‬يدعم‭ ‬الإسلاميين‭ ‬السياسيين‭ ‬أو‭ ‬الحزبيين‭ ‬المقاتلين‭. ‬إنما‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬حماس‭ ‬لدعم‭ ‬السلطات‭ ‬الخالدة‭. ‬

وبخاصة‭ ‬أن‭ ‬الذين‭ ‬أطلوا‭ ‬فى‭ ‬العام‭ ‬2011‭ ‬ما‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الإسلاميين‭. ‬ثم‭ ‬وفى‭ ‬موازاة‭ ‬عنف‭ ‬الأنظمة‭ ‬القائمة‭ ‬صعد‭ ‬الإسلاميون‭ ‬بكل‭ ‬أشكالهم،‭ ‬فخافت‭ ‬الفئات‭ ‬الوسطى‭ ‬من‭ ‬حماس‭ ‬العامة‭ ‬ومن‭ ‬الفوضى،‭ ‬ونسيت‭ ‬حذرها‭ ‬من‭ ‬السلطات‭ ‬القائمة‭ ‬ولجأت‭ ‬لما‭ ‬صار‭ ‬يعرف‭ ‬بالدولة‭ ‬العميقة،‭ ‬وما‭ ‬أفادت‭ ‬من‭ ‬هذا ‬الأنظمة‭ ‬الأقل‭ ‬عنفا‭ ‬فقط‭ ‬مثل‭ ‬تونس‭ ‬ومصر،‭ ‬بل‭ ‬وأفادت‭ ‬أيضا‭ ‬سلطة‭ ‬مثل‭ ‬سلطة‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭.‬

ولست‭ ‬مستخفا‭ ‬بثنائية‭ ‬النهوض‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬ولبنان،‭ ‬والمطلوب‭ ‬ليس‭ ‬استعادتها‭ ‬بل‭ ‬تجديدها‭ ‬فى‭ ‬ظروف‭ ‬مختلفة‭ ‬تماما،‭ ‬وشروط‭ ‬مختلفة‭ ‬تماما‭. ‬إن‭ ‬الشرط‭ ‬الأول‭ ‬للتفكير‭ ‬فى‭ ‬النهوض‭ ‬يظل‭ ‬فى‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الثنائية‭ ‬التى‭ ‬نحن‭ ‬آسراها‭ ‬كأنما‭ ‬هى‭ ‬شبكة‭ ‬عنكبوتية‭. ‬فبالخوف‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬نظل‭ ‬فى‭ ‬تذكر‭ ‬وثوران،‭ ‬وبالخوف‭ ‬عليها‭ ‬نعود‭ ‬أو‭ ‬نبقى‭ ‬فى‭ ‬الدولة‭ ‬الشمولية‭. ‬فى‭ ‬الحقب‭ ‬الماضية‭ ‬كنا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬القاعدة،‭ ‬والدولة‭ ‬القائدة،‭ ‬التى‭ ‬تجر‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬فى‭ ‬مدارج‭ ‬النهوض‭ ‬والوحدة‭. ‬وما‭ ‬عاد‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك‭ ‬فى‭ ‬نظر‭ ‬البعض‭. ‬لكن‭ ‬علينا‭ ‬ألا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬سنغافورة‭ ‬وهونغ‭ ‬كونغ‭ ‬حملتا‭ ‬الصين‭ ‬بمعنى‭ ‬ما،‭ ‬فالأمر‭ ‬ليس‭ ‬فى‭ ‬الحجم،‭ ‬ومصر‭ ‬على‭ ‬أى‭ ‬حال‭ ‬أكبر‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وأكثرها‭ ‬إمكانيات‭. ‬الظروف‭ ‬مختلفة‭ ‬طبعا‭ ‬عن‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬ووقتها‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لبنان‭ ‬دولة،‭ ‬ونحن‭ ‬اليوم‭ ‬تارة‭ ‬دول‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم،‭ ‬وطورا‭ ‬دول‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬اللازم،‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال‭ ‬فى‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬هو‭ ‬الأب‭ ‬لهذه‭ ‬الثنائية‭ ‬القدرية‭ ‬بين‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬والخوف‭ ‬على‭: ‬

المستجير‭ ‬بعمرو‭ ‬عند‭ ‬كربته‭ ‬كالمستجير‭ ‬من‭ ‬الرمضاء‭ ‬بالنار‭.‬

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق