الثلاثاء 17 من محرم 1438 هــ 18 أكتوبر 2016 السنة 141 العدد 47433

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

قانون «جاستا».. الدوافع والتداعيات وسبل المواجهة القانونية والسياسية

أدار الندوة : محمد أبو الفضل - شارك فيها وأعدها للنشر د. أحمد سيد أحمد
منذ صدور قانون «جاستا» وردود الفعل العربية والدولية لم تتوقف، والتقديرات السياسية والقانونية تتواصل، سعيا وراء فهم المقاصد التي ينطوي عليها القانون، والأسباب التي أدت إلى خروجه إلى النور في الوقت الراهن، وتراوحت التقديرات بين ما يحمله من مخاطر إستراتيجية على كثير من الدول العربية، وبين كونه أداة للضغط، وربما الابتزاز، ولم تخل التوقعات من أن يكون مقدمة لحزمة من التشريعات، ذات الطابع العولمي، بما يقدم إشارات لطبيعة المرحلة المقبلة، المنتظر أن تتبلور ملامحها النهائية خلال سنوات ليست بعيدة.

في هذه الندوة التي يستضيفها الأهرام، نريد التركيز على الجوانب السياسية والقانونية للتشريع الأمريكي (العدالة ضد رعاية الإرهاب) المعروف بـ «جاستا» الذي أثار جدلا كبيرا، بما تجاوز الأبعاد العربية والسعودية تحديدا، وتهتم به دول كثيرة، شعرت أن الصيغة المطاطة التي خرج بها القانون يمكن أن تطالها.


كما أن الأصوات التي تعالت وتعاملت معه، باعتباره حدثا وليد اللحظة، لم تكن صحيحة، فهناك حسابات وتكهنات قالت إنه تم التجهيز والإعداد له منذ أعوام طويلة، وأن له إرهاصات وجذورا سياسية وأمنية لم تكن خافية على كثيرين.

وأجمع المشاركون في الندوة على أن قانون «جاستا» الذى صدر فى الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا، جاد وليس هزلا، ولابد من التعامل معه بما يستحق من جدية، وهناك تداعيات استراتيجية ضخمة، وسوف تكون إعادة لترتيب الأوضاع والتحالفات فى المنطقة، حيث تعيد واشنطن تموضع حلفائها فى المنطقة، وتعتمد على مثلث التحالف الاستراتيجى بين تركيا وإيران وإسرائيل، وأخذة فى الاعتماد عليهم بشكل أكثر.

والتطور المهم فى السنوات الأخيرة، هو تنامي التحالف بين تركيا وإيران اللتين لديهما مصالح كبيرة فى المنطقة العربية وهى دول مستقرة، من وجهة نظر الولايات المتحدة.


نود مناقشة السبل العربية لمناقشة القانون وطرق مواجهته، خاصة أن الولايات المتحدة، ليست بعيدة عن كثير من الأعمال الإرهابية التي وقعت، يمكن أن تندرج ضمن الحروب النظامية، مثلما حدث فى العراق وأفغانستان والصومال واليمن وحتى فيتنام من قبل، وكلها عمليات سقط فيها العديد من الأبرياء والضحايا المدنيين.

نريد التطرق للتكييف القانونى للجرائم التى يتناولها القانون وإمكانية تطبيقه بشكل حرفى، وما هى الدول المعنية به؟ وهل السعودية فقط أم هناك دول أخرى؟ وإلى أى درجة يمكن أن ينسحب القانون على الولايات المتحدة نفسها؟ وهل تستطيع بعض الدول مبادلة واشنطن بصياغة ما يسمى بجاستا عربى؟ وما هو المدى الذي يمكن التمادى فيه لتوظيف القانون؟ ومتى سيتم تطبيقه بالفعل؟ وهل هناك إمكانية لتطبيقه بأثر رجعى؟ وما هى التداعيات والأبعاد السياسية المباشرة على الدول العربية؟ وهل يمكن أن يكون هناك رد فعل عربى قوى، أم يظل فى نطاق الإدانة والشجب؟

وهل هناك آليات دبلوماسية للتعامل مع هذا القانون أم سنظل صامتين حتى نجد القانون أصبح سيفا مسلّطا على رقابنا جميعا؟ ولأي درجة يمكن لهذا القانون أن يؤثر على السعودية المستهدفة أصلا؟ وما هى الخطوات التى يمكن أن تتبعها؟ وهل الأوضاع الموجودة فى المنطقة، من تنامى حركات الإسلام السياسى والتطرف والإرهاب لها تأثيرات فى إصدار هذا القانون؟ وهل هذا القانون يمكن أن يطبق بالفعل بشكل أو بآخر على الأفراد الذين شاركوا في أحداث 11 سبتمبر 2011 وتحميل دولهم المسئولية كاملة؟ وماذا عن الأفراد الذين يحملون جنسيات مزدوجة؟




هذه عينة من أسئلة كثيرة طرحناها على ضيوفنا.

الأهرام: نبدأ بالدكتور عبد المنعم المشاط الذي عاش لفترة طويلة في الولايات المتحدة الأمريكية، ليقدم لنا تصوره حول الخلفيات التي أفضت إلى إصدار هذا القانون..

د.عبد المنعم المشاط: هناك مجموعة من المبادئ العامة التى نركز عليها، أهمها أن كل دولة مسئولة عن سلامة رعاياها، سواء فى الداخل أو الخارج، وهذه مسألة أساسية، خاصة فى الدول الديمقراطية، لأن شرعية النظام السياسى تستمد من الرضاء العام، الذى يأتى من الاهتمام بأمور الوطن والمواطنين، كما أن العالم كله يعاني، سواء قبل 11 سبتمبر 2001 أو بعده، الإرهاب الدولي، وهى قضية قديمة متجددة.

وبصرف النظر عن وجود دول راعية للإرهاب أم لا، هناك دول راعية للإرهاب، فبالتأكيد توجد منظمات وقوى تقف سواء وراء أفراد أو جماعات منظمة تقوم بالعمليات الإرهابية، وفى القانون الدولى هناك دول شاردة تؤوي وتحمي الإرهاب الدولى، علاوة على أن الدولة غير مسئولة عن الأعمال الإرهابية التى يقوم بها مواطنوها، وبصورة خاصة إذا تمت فى بلد آخر أى خارج حدودها، فالدولة مسئولة عما يقع فى إطارها الحدودى، لكنها غير مسئولة عن الأعمال الإرهابية التى تقع خارج أراضيها.

ومع ذلك هناك نقطة خلافية تتمثل فى أنه عند دراسة السلوك الإرهابى للأفراد أو الجماعات، فى الداخل أو الخارج، نجد هناك مسئولية غير مباشرة، لأن بعض الدول يسود فيها نوع من الفكر المتشدد الذى تبثه المؤسسات التعليمية والدينية والسياسية الموجودة فى هذه الدولة، وسبل التنشئة السياسية والعقائدية لمختلف المواطنين فى الدولة، فإذا كانت المقررات الدراسية والعقائد الدينية والأيديولوجية تخلق لدى المواطن اتجاهات سياسية نحو التسامح وقبول الآخر والقبول بالتعددية فهو أمر جيد، لكن إذا كانت تؤدى لغير ذلك، فالمسئولية غير مباشرة للدولة عن السلوك الإرهابى. والسؤال هل الدول متساوية أمام القانون الدولى أم لا؟


وقال المشاط: نحن فى عالم تسوده القوة وليس القانون، وهناك فارق كبير بين مكونات القوة والقواعد القانونية التى توافقت عليها الدول، وتمثل القانون الدولى والذى يعطي السيادة للدول بشكل متساو، وثمة مساواة بين الدول فى السيادة فى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنها غير متساوية فى السيادة فى مجلس الأمن، والدول التى أقرت قواعد القانون الدولى وأقرت بالمساواة فى السيادة، هى ذات الدول التى أقرت بعدم المساواة بين الدول، وتوجد خمس دول فى مجلس الأمن تحظى بحق الفيتو، وعشر أخرى ليس لها حق الفيتو.

قانون «جاستا» أثير عام 2009 وظل خاضعا للنقاش حتى عام 2015 وصدر فى عام 2016، وينص على أنه من حق رعايا الولايات المتحدة الذين أضيروا فى ممتلكاتهم مقاضاة أفراد وجماعات ودول قامت بتحقيق الضرر لهؤلاء الرعايا، أى أن الدولة، وفقا لهذا القانون، تكون مسئولة أمام المحاكم الدولية، إذا تم رفع قضايا ضدها نتيجة لأعمال إرهابية كان لها دور فيها، لكن القانون نص فى ذات الوقت ذاته على أنه فى حالات معينة، إذا أبلغ وزير الخارجية الأمريكى الكونجرس أنه يتفاوض بحسن نية مع هذه الدولة المعنية، فإنه يمكن تأجيل اتخاذ قرار بمحاكمة الدولة فى خلال 180 يوما، ويمكن تجديدها مرة أخرى، من خلال النائب العام الأمريكى، وهو التعديل الذى حدث لكى يرشد إلى حد ما الصيغة القديمة للقانون.


الأهرام: ما هي طبيعة المأزق العربي حيال هذا القانون ؟

د. عبدالمنعم المشاط: نحن أمام أكثر من مأزق، فالدول العربية بشكل عام لم تعط اهتماما للوضع الداخلى الأمريكى، بعد أحداث 11 سبتمبر، ولم تدرس أو تقدر رد فعل السياسة الداخلية، وتأثيرها على الرؤية الأمريكية للدول العربية، وإلا كانت دولنا، وعلى رأسها السعودية، استخدمت جماعات الضغط المتعاطفة معها، فى محاولة الحد من هذه الاتجاهات العدائية، بل على العكس كان هناك شماتة من جانب بعض الدول العربية والإسلامية تجاه ما حدث في 11 سبتمبر، والبعض رأى أنها دولة استعمارية تستحق ما حدث لها.

والقانون أقر أولا فى الكونجرس الأمريكى، ثم استخدم الرئيس باراك أوباما حق النقض (الفيتو) ضده، ثم عاد للكونجرس وحظي بموافقة الأغلبية الكاسحة عليه، وقبلها خضع القانون لمناقشات عديدة، وهنا أشعر بالأسى تجاه بعض المقالات التى نشرت فى مصر والعالم العربى ورأت أن تصويت أعضاء الكونجرس على قانون «جاستا» جاء نتيجة لاعتبارات انتخابية، وهذا غير صحيح من الناحية السياسية والعلمية، ويعتمد على الصورة الذهنية التقليدية لدى البعض عن التفاعلات السياسية الأمريكية.

ومع أن عضو الكونجرس الأمريكى يضع فى الاعتبار دائرته الانتخابية عند التصويت على أي قانون، لكن الأهم بالنسبة له المصلحة القومية الأمريكية العليا، لأنه ليس عضوا فى مجلس محلى بالولاية، إنما يعبر عن المستوى القومي الأمريكي، بالتالي مثل تلك الكتابات والتحليلات تشوه ما يحدث فى الولايات المتحدة، لكنها تخفف اللوم الملقى على الدول العربية.

الأهرام: هل تستطيع المحكمة العليا الأمريكية توقيف قانون «جاستا» أو طلب إعادة النظر في بنوده، أو إدخال تعديلات عليه؟

د. المشاط: أعتقد أنه من الصعب أن تتدخل فى شئون السلطة التشريعية، أي الكونجرس، لأن هناك توازنا واستقلالية كاملة بين السلطات الأمريكية الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، لذا المحكمة العليا الدستورية الأمريكية لا تستطيع التدخل فى شئون الكونجرس الذي يعبر عن الإرادة الشعبية وعن الأمة ومصالحها، ومن المستبعد أن يصدر الكونجرس تشريعا غير دستوري.

الأهرام: هل هذا التشريع يتسق مع الثوابت الأمريكية، التي تعلي من شأن الحريات وحقوق الإنسان، أم ينطوي على تناقضات فاضحة، بين النظريات والتطبيقات؟

د. رفعت السعيد: عندما صدر قانون «جاستا» تذكرت كتابا كنت قد قرأته منذ فترة كتبه جون ديوى، بعنوان «الحرية والثقافة»، وطبع عام 1939، وأعتقد أنه يعد الكتاب المؤسس للعقل الأمريكى، وأستعرض بعض فقرات من هذا الكتاب لأنه كما لو كان يتحدث عن أمريكا الحالية، فمثلا تقول بعض فقراته: الفكر هو آلة لحل مشكلات الناس اليومية، العلم ليس مقصودا بذاته، الإنسان يتعلم ليس لاختزان معلومات وإنما لتحقيق مصلحة، العقل مجرد عضو مثل اليد والعينين والرجل، الحرية لماذا يهتم الناس بها وهل هى مثل الطعام والشراب؟ وهل يمكن للإنسان الاستغناء عنها؟

يقول المؤلف نعم، هل الحرية مطلوبة لذاتها أم لتحقيق أهداف أخرى؟ هل يستحق أن يتحمل البعض المخاطر من أجلها؟ يقول لا، الحرية إذ تتحقق لأننا أردنا التخلص من قيود نكرهها، فإذا تخلصنا من القيود تصبح الحرية لا قيمة لها.

وأضاف: الحرية آلية لتحقيق غاية نريدها وبعدها تنتفى الحاجة إليها، فليس صحيحا أن محبة الحرية صفة أصيلة عند الإنسان، وإنما تنتفى عندما تنتفى الحاجة إليها، إن محبة القوة هى الفكرة النظرية المرشحة كى تكون الفكرة المسيطرة على توجيه النشاط الإنسانى، فالنجاح فى السعى وراء الأرباح والمكاسب الاقتصادية هو بالأساس سعى لامتلاك قوة متفوقة، وهذا النجاح يتوالد منه المزيد من نماذج القوة، الأمر الذى يدفعنا لأن نستنتج بالضرورة أنه لا يوجد نوع من السياسة سوى سياسة القوة.

وتساءل: لماذا رفع شعار الديمقراطية فى حركة الاستقلال الامريكى، لأن تحريك الجموع لم يكن ممكنا بإقناعهم أن الرأسمالية الأمريكية الوليدة تحتاج إلى قدر من الحرية غير تلك التى تفرضها عليها بريطانيا، فرفع شعار الحرية وضحى الناس من أجلها، ثم إن تقييد حقوق الإنسان الطبيعية فى الحرية كان مجرد شعار بائس، إن الدعاوى التى تحدثت عن الحرية والحكم الذاتى كانت مجرد خداع متعمد قصد به حشد الجماهير الذين كانوا لا يحتشدون فى جيوش الثورة، دفاعا عن مصالح اقتصادية للأغنياء، وما أن انتهى الظلم حتى انتقل المقاتلون من الحرب دفاعا عن الحرية إلى الاستمتاع بالمكاسب الاقتصادية.

وقال الكاتب الأمريكي: ما هى الفروق الأساسية بين وثيقة الاستقلال وبين الدستور الأمريكى؟

وثيقة الاستقلال كان مطلوبا منها حشد الجماهير كى تدافع عن الرأسمالية باسم الدفاع عن الحرية وتتحد ضد عدو أجنبى، أما الدستور فإن أصحاب المصالح الاقتصادية كانوا يضعون فيه قيودا ضد هجمات الجماهير التى تتخذ شعار الحرية طريقا للهجوم عليها، كما أن التقدم الاقتصادى يؤدى بذاته إلى خلق تأثير مضاد للديمقراطية، بل يمكن القول إن هذا التقدم الاقتصادى قد هدم جوهر الديمقراطية.

كما أن السعودية تقاربت مؤخرا مع روسيا، فعندما يسافر ولى ولى العهد (محمد بن سلمان) إلى روسيا ويشترى سلاحا وتدفع الرياض ثمنه، وعندما تقوم مصر أيضا بالتقارب مع روسيا، وتنوع مصادر تسليحها لتحقيق التوازن مع إسرائيل، وتدعمها السعودية فى ذلك، فهذا غير مرغوب، بل مرفوض فى دوائر صنع القرار الأمريكية، كما ترى الولايات المتحدة أن التحركات السعودية، سواء تجاه إيران أو داخل سوريا أو فى لبنان أو اليمن غير مقبولة، بالتالى هناك تباين فى المواقف بين واشنطن والرياض حول السياسات الإقليمية، وهذا ربما يحدث لأول مرة منذ إنشاء الدولة السعودية.

ونشأ الإرهاب الدولى على يد الأمريكان فى أفغانستان والمجاهدين العرب لقتال الاتحاد السوفيتي هناك، وظهر التنظيم الدولى للإخوان المسلمين من هؤلاء، ولهذا فهو صنيعة أمريكية، ولابد أن نقف مع السعودية وندعمها فى مواجهة تداعيات قانون «جاستا».

الأهرام: البعض يرى أن رد الفعل العربي، الإعلامي، كان مبالغا فيه، فهل بالفعل هناك تهويل كبير للقانون، وأن المسألة لا تستحق كل هذا الضجيج، فهو قانون لا يختلف كثيرا عن قوانين أخرى أصدرتها الولايات المتحدة من قبل؟

د. نورهان الشيخ: أعتقد أن هناك تضخيما لخطر قانون «جاستا»، وعند قراءة البنود الرئيسية له، نجد أن المادة الخامسة الخاصة بالمثول أمام المحاكم الأمريكية، والسادسة الخاصة بالتعويض المادى، تنص على أفراد وكيانات ودول تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر الإرهاب، ومن غير المنطقى قانونا أن يحملوا الدولة مسئولية السلوك الإرهابى لاحد مواطنيها طالما أنه ليس مدعوما رسميا بشكل مباشر أو غير مباشر من تلك الدولة. والمشكلة بالنسبة للسعودية أن 15 شخصا من الـ 19 شخصا الذين ارتكبوا احداث 11 سبتمبر لديهم جنسيات سعودية، والقضية الحقيقية هى المزاعم حول اتهام أحد المسئولين بالتورط فى تمويل ودعم هؤلاء الإرهابيين، لكن التقارير الأمريكية المختلفة نفت تماما وجود صلة بين أي مسئول سعودي ومنفذى الهجمات. وبالتالى ليس لدينا فى مصر هاجس أو توتر شديد من هذا القانون، لأنه لا يحمل الدولة المسئولية لمجرد انتماء أحد الإرهابيين إليها، وإنما لمسئوليتها المباشرة ودعمها لهؤلاء، إن وجدت.

الأهرام: هل هناك دوافع حقيقية تبرر المخاوف العربية من هذا القانون، الذي يعتبره كثيرون سيفا مسلطا على رقاب دول متعددة؟

محمد صابرين: أعتقد أن التخوف من قانون جاستا له ما يبرره، لكن هناك فرصة فى هذه الأزمة، واعتقد أن صناع القرار الأمريكى يستهدفون من وراء هذا القانون امتلاك أوراق ضغط، ويشير البعض من العارفين ببواطن الأمور إلى أن ليبيا لم تكن المتهم الأساسى فى حادث طائرة لوكيربى، وإنما تم تجريم ليبيا والعقيد الراحل معمر القذافى للحصول على تعويضات مالية ضخمة، وقد رأينا بعد ذلك أن العدالة الدولية برأت أحد المسئولين الليبيين، بعد إدانته من قبل، وفى اعتقادى أن نموذج ليبيا ولوكيربى مرشح للتكرار بشكل كبير ونحن لم نعمل بما فيه الكفاية لمنع صدور مثل هذا القانون. وهذا يقودنا لما هو أخطر من القانون ذاته، وهو أن هناك محاولات حثيثة فى الغرب لتحميل السعودية المسئولية عن التشدد والتطرف المفضى إلى الإرهاب، وأشار تقرير صدر مؤخرا فى ألمانيا إلى أنه تم إغلاق بعض الجمعيات الخيرية السعودية فى برلين.

ونشرت صحيفة الواشنطن تايمز يوم 29 سبتمبر الماضي مقالا للجنرال المتقاعد جيمس ليون، الذى كان يشغل منصب القائد العام لأسطول الولايات المتحدة فى المحيط الهادى، أكد فيه قناعته بوجود مؤامرة ضد الحضارة الغربية، فالرجل يقول تحت عنوان ، داعش فى الشرق الأوسط والآن فى الولايات المتحدة الأمريكية: إن الإستراتيجية يجب أن تبدأ من خلال الاعتراف بوجود حركة جهاد إسلامى عالمية نجحت فى شن هجمات على الولايات المتحدة، وهذه الحركة تعمل وفق جدول زمنى لغزو الحضارة الغربية من خلال سبع مراحل.

وأن المرحلة الرابعة امتدت ما بين عامى 2010 و2013 وكانت لإحداث انهيار لبعض الحكومات العربية، وهو الهدف الذى تم إنجازه بنجاح مع مساعدة إدارة أوباما، والمرحلة الخامسة من هذه الاستراتيجية امتدت بين عامى 2013 و2016 وتتضمن إعلان الخلافة الإسلامية، وهذا تحقق من خلال احتلال تنظيم داعش لجزء كبير من الأراضى فى كل من العراق وسوريا وليبيا، واستقطاب جماعات جهادية من غرب أفريقيا وحتى أقصى الشرق فى الفلبين.

وأضاف الجنرال جيم: إننا الآن فى المرحلة السادسة التى تتضمن تصاعد القتال بين ما أسماه المؤمنين وغير المؤمنين، وهذه الحرب مستعرة منذ ما يقرب من 1400 عام، والمساجد والمراكز الإسلامية فى الولايات المتحدة، هى مراكز القيادة والسيطرة على الحركة الجهادية هناك. وأن الحركات الجهادية تمكنت بالفعل من اختراق المستويات العليا والوكالات الرسمية الأمريكية منذ أكثر من خمسين عاما، وأصبحت قادرة على التأثير فى السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، وتسارع ذلك بشكل كبير فى ظل إدارة أوباما، متهما أوباما بدعم جماعة الإخوان المسلمين واختراقها للإدارة الأمريكية، لذلك يرى الجنرال جيم أنه لابد من تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية، وإغلاق المراكز الإسلامية والمساجد التى تدعو إلى التطرف وترحيل أئمتها من البلاد، ورفع مستوى الردع ضد العناصر الإسلامية المتطرفة.

والمسألة أكبر من قانون جاستا وأن هناك صراعا بين الجهاد الإسلامى والغرب، والقانون يوفر أداة للمساومة وانتقاص السيادة الوطنية، مثلما حدث مع سوريا من قبل عندما تم مساومتها للتخلص من أسلحتها الكيماوية وهو سلاح الفقراء، وبالتالى يستهدف القانون تغيير سلوك بعض الأنظمة ومساومتها.

والأمر الخطير أيضا ما تحدث عنه البعض فى الولايات المتحدة بأن التعويضات قد تتجاوز التريليون دولار، وهذا رقم خيالى، وإذا ربطنا ذلك بحديث المرشح الرئاسى ترامب عن الديون الأمريكية الضخمة والتى تتجاوز العشرين تريليون دولار، فهذا قد يفسر ــ نوعا ما ــ خلفيات القانون وطبيعة المشهد الحالى فى الولايات المتحدة، ونحن أمام عملية استنزاف ممنهج للأموال والثروات العربية.

وينبغى أن نفهم المشهد وهو أن هناك جريمة حدثت وهى هجمات 11 سبتمبر وترتب عليها ضحايا وأضرار ولم تتمكن الدولة سواء الإدارة أو الكونجرس من محاسبة مرتكبيها وتوفير الحماية لمواطنيها، لذلك لابد من إيجاد مسئولية للآخرين عن تلك الأحداث وأن يدفعوا التعويضات للضحايا من مواطنيها، والقانون سوف يستمر وسوف نكون أمام محاكمات سياسية عن طريقه.

الأهرام: من المهم أن تقف الدول العربية، وعلى رأسها مصر مع السعودية ومساندتها لمواجهة التداعيات الخطيرة لـ «جاستا»، لأن الاختلافات العربية لن تكون فى مصلحة أحد، ما هو التصرف المنتظر لتفادي تداعيات القانون؟.

د.أحمد سيد أحمد: أعتقد أنه من المهم أن يتسم رد الفعل العربى تجاه القانون بالذكاء والتحرك فى الاتجاه الصحيح، بدلا من تكرار ردود الفعل التقليدية، التى لم تفض لشىء وأضرت بالمصلحة العربية، فرد الفعل العربى حتى الآن سار فى الاتجاه الخاطئ، حيث تعامل مع «جاستا» وكأنه قانون يخص السعودية فقط، وهذا ليس صحيحا، فهو لم يذكر السعودية صراحة ولا أى دولة أخرى، والبعض يتعامل معه للأسف كأن السعودية مدانة ومتهمة وهذا غير صحيح، ويضر بالموقف العربى، فالسعودية ليست فى موضع الاتهام، وبرأتها التقارير الأمريكية صراحة، ومنها تقرير لجنة التقصى فى أحداث 11 سبتمبر، خاصة الـ 28 صفحة السرية من التقرير والتى كشف عنها أخيرا، ونفت صراحة أي صلة بين السعودية ومسئوليها وبين مرتكبي تلك الأحداث، بل إن السعودية ذاتها اكتوت بنار الإرهاب.

والسعودية ليست فى موقف ضعف، فهى كدولة ليست ليبيا في عهد القذافى، ولدى المملكة أوراق ضغط اقتصادية وعسكرية وسياسية ما يمكنها من الدفاع عن نفسها ضد تداعيات القانون، وتملك استثمارات ضخمة فى الولايات

المتحدة، يمكن أن تشكل أوراق ضغط أخرى، كما أنه من الصعوبة على الإدارة الامريكية أن تدخل فى صدام أو توتر مع السعودية، بسبب تشابكات المصالح الضخمة بينهما فى المجالات الاقتصادية والعسكرية، إضافة إلى عامل النفط والمصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط.. وأنا أستبعد أن نصل إلى السيناريو الأسوأ، وهو رفع دعاوى ضد السعودية بمليارات الدولارات، ومن ثم اتهام الرياض برعاية الإرهاب. ولاشك أن رد الفعل السعودى أسهم فى تزايد الاتجاهات داخل الولايات المتحدة وداخل الكونجرس لإعادة مراجعة القانون، ومحاولة تعديله، خاصة أنه صدر فى سياق اعتبارات انتخابية، فالقانون طرح منذ عام 2009 وكان يمكن أن تظل المناقشات حوله إلى أجل غير مسمى، لكن اقتراب انتخابات الكونجرس وتزامنها مع الانتخابات الرئاسية، عجلا بصدور القانون وبأغلبية كبيرة، ولأول مرة تم التصويت على القانون باسم كل عضو فى مجلسى النواب والشيوخ، وكان من الصعب على أي عضو أن يبدى الرفض، وإلا ظهر وكأنه ضد ضحايا 11 سبتمبر، وهو ما قد يفقده مقعده فى الكونجرس، وفى سياق المزايدة السياسية أيد مرشحا الرئاسة هيلاري كلينتون ودونالد ترامب القانون.

الأهرام: ما هي الخطورة الحقيقية للقانون، وهل يمكن أن يؤثر على التفاعلات الإقليمية والدولية؟

د. أحمد سيد أحمد: فى اعتقادى أن خطورة القانون ليست على السعودية، وإنما بالأساس على العلاقات الدولية والقانون الدولى، خاصة أنه يعد مخالفا بشكل صريح وواضح لقواعد القانون الدولى المترسخة المتعلقة بالحصانة للدول ذات السيادة وعدم مقاضاتها أمام المحاكم الوطنية للدول الأخرى، كما أنه يعلى التشريعات المحلية على تشريعات القانون الدولى، وهو ما يعد سابقة دولية خطيرة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الفوضى والاضطراب فى النظام الدولى وربما يهدم أسسا مختلفة في القانون الدولى.

الأهرام: ما هي طبيعة الإشكاليات القانونية التي يمكن أن تواجه قانون «جاستا»، لاسيما أن طريقة صدوره، والمعاني والمضامين، الظاهرة والخفية، التي ينطوي عليها تصطحب معه سلسلة عديدة؟

د. سليمان عبد المنعم: يثير القانون عشرات التساؤلات والقضايا، التى تحتاج إلى العديد من الندوات وورش العمل، ومن المهم أن نعرف الخلفيات والسياق الذى نشأ فيه هذا القانون، ومن وجهة نظرى لم يكن مفاجئا، لكن سبقته بدايات وإشارات وظلت تتبلور ملامحه إلى أن صدر فى 2016 بهذه الصيغة، ومعرفة خلفيات هذا القانون توضح لنا الكثير من الجوانب القانونية التي يثيرها والمآلات والتداعيات التى يمكن أن تترتب عليه.

وبناء على تجربة الولايات المتحدة الأمريكية منذ زمن، فإن مراكز الأبحاث تقوم فيها بدور مباشر، بما ستكون عليه السياسة الأمريكية لما بعد 30 أو 40 سنة مقبلة، فمثلا عند متابعة حركة البحث الأكاديمى الأمريكى فى الثمانينيات من القرن العشرين نجد أنها كانت تمول من قبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية، وهذا ليس سرا، فقد تحدثت مراكز الأبحاث عن مفهوم التدخل الإنسانى والحروب الاستباقية، وكان هذا جديدا بالنسبة للباحثين العرب الذين يعرفون نوعين للحروب، إما الحرب الدفاعية أو الحرب الهجومية والعدوانية، ولم يكن هناك ما يسمى الحروب الاستباقية أو الحروب لأجل التدخل الإنسانى، لذلك تم الترويج من قبل مراكز الأبحاث لفكرة الحروب الاستباقية، منذ أكثر من 35 عاما، وبالفعل طبقت فى عهد إدارة الرئيس جورج بوش الابن، فى كل من العراق وأفغانستان، كذلك التدخل الإنسانى.

وأعتقد أن شيئا مما كان يحدث فى الثمانينيات نشتم رائحته الآن فى «جاستا»، فالقانون يحمل قوة كامنة هائلة ومقلقة فى المستقبل، وهذا جانب الخطورة فيه، لأن التعويضات فى القانون ليس جانبا ماديا فقط، لكن قد يكون تعويضا أدبيا ومعنويا، ولا أعرف فى العقل الأمريكى ماذا يرتبون لنا بشأن هذا التعويض الأدبى، فبلد مثل مصر ليس لديها فوائض مالية، مثل السعودية فى السوق الأمريكية، والتى تقدر بمئات المليارات من الدولارات، وهنا أخشى من أنه بعد عشرين أو ثلاثين عاما من صدور هذا القانون أن تكون مصر معنية بهذا القانون، رغم أنه ليس لديها فوائض مالية كبيرة بالولايات المتحدة ينصب الاهتمام عليها.

وببساطة يكرس القانون مسئولية الأفراد والكيانات والدول عن التعويض المادى والأدبى عن الأعمال الإرهابية التى يرتكبها أفراد، والأعمال الإرهابية هنا التى يترتب عليها ضرر مادى ومعنوى، والمقلق هو مساءلة دولة عن أعمال أفراد يحملون جنسية هذه الدولة أمام القضاء الأمريكى، كذلك الدعم المباشر وغير المباشر للدول وللأفراد والمنظمات، وهذا فخ كبير وتعبير هلامى ومطاط، بما ينطوي على خطر ارتكاب وليس ارتكابا، فالقانون لا يشترط وقوع الجريمة بالفعل، لكن خطر ارتكابها، وهذا أمر خطير أيضا، وإذا كان الأمر فى المدى المنظور يتعلق بشكل أساسى بالأعمال الإرهابية التى وقعت، لكن فى المستقبل سيكون هناك الحديث عن خطر ارتكاب، والقانون لا يشترط بالضرورة لرفع دعاوى ضد دول أن تقع أعمال إرهابية بالفعل، بل أن يكون هناك خطر لارتكاب أعمال إرهابية تهدد أمن مواطنى الولايات المتحدة او أمنها الوطنى أو سياستها الخارجية أو اقتصادها، وتحمل الصياغة قوة كامنة للتطبيق مستقبلا على ما لا حصر له من الحالات.

الأهرام: هل صدور قانون «جاستا» كان مفاجئا للدول العربية؟

د. عبدالمنعم: في تقديري، لم يكن القانون مفاجئا، فمنذ عامين سمعنا فى الولايات المتحدة إرهاصات وكلاما متناثرا عن مسئولية السعودية، وكانت البداية فى هذا الموضوع، ما قيل بشأن أحد الأمراء السعوديين كان يتبرع لبعض الجمعيات الخيرية، وأنا راجعت معظم الوثائق التى انصبت على التحقيق فى أحداث 11 سبتمبر، وثمة تقارير كثيرة حول ذلك، فهناك تقارير الاستخبارات، وتقارير المباحث الداخلية، وتقارير لأعضاء الحزبين الجمهورى والديمقراطى وغيرها، لكن تقرير المخابرات الأمريكية نفى بصورة واضحة التورط السعودى فى أحداث 11 سبتمبر بعبارات واضحة وقاطعة، ونفى أيضا تقرير لجنة تقصى الحقائق فى الأحداث، مسئولية السعودية عنها، ونفت بشكل واضح مسئولية الدولة السعودية أو أحد مسئوليها أو أحد الأشخاص السعوديين. وحول شهادة زكريا الموسوى (فرنسى من أصل مغربى وأحد المتورطين فى 11 سبتمبر) تم تسريب أنه خلال التحقيق معه أفضى باعترافات إلى بعض الجهات الاستخباراتية الأمريكية بأنه بالفعل حصل على تبرعات من بعض الأشخاص السعوديين.

الأهرام: لماذا فجأة أعيد اكتشاف اعترافات زكريا الموسوى بعد مرور 15 عاما على تلك الأحداث، خصوصا أنه معروف أن القانون الأمريكى يأخذ بنظام الاعتراف بالجرم مقابل منح مزايا وإعفاءات؟

د. عبدالمنعم: من الواضح أن الموسوى تحت إغراء الحصول على تلك المزايا أدلى بمثل هذه الاعترافات والمزاعم، ورغم ذلك قيل إن اعترافات الموسوى لم يعول عليها بصورة رسمية فى التحقيقات. وبالتالى إذا كانت كل هذه التحقيقات قد برأت السعودية، ولو كانت هناك إدانة لما تردد الأمريكيون فى إعلانها، وبموازاة ذلك كنا نجد بعض الدعاوى التى رفعت أمام المحاكم الأمريكية ضد السعودية، وآخر دعوى أيدت فيها المحكمة الفيدرالية حكماً لإحدى المحاكم فى واشنطن نفت فيها مسئولية السعودية.

لكن فى المقابل صدرت بعض الأحكام التعويضية الأمريكية ضد إيران ومنها حكم شهير حول تعويض الرهائن المحتجزين فى السفارة الامريكية بطهران إبان الثورة الإيرانية عام 1979 بأربعة ملايين دولار لكل فرد. وصدر حكم بالتعويض فى حادث تفجير مقر قيادة المارينز فى بيروت، وننتظر كيف ستتم ترجمة هذه الأحكام على أرض الواقع؟

ومنذ أسابيع صدر حكم ضد السودان بإلزامها بتعويض قدره 314 مليون دولار عن حادث تفجير المدمرة الأمريكية كول فى عدن عام 2000، حيث اكتشف أن أحد الأشخاص المتورطين كان يحمل الجنسية السودانية، وقيل إن هناك إجراءات تتخذ لتجميد هذا المبلغ من الأموال السودانية فى أمريكا.

الأهرام: ما الذى دعا الولايات المتحدة إلى إقحام الرياض بشأن هذا القانون، خصوصا أن السعودية ليست ضمن الدول المصنفة قانونا من قبل وزارة الخارجية الأمريكية كـ «راعية للإرهاب»، وهى ثلاث دول فقط سوريا وإيران والسودان؟

د. سليمان عبدالمنعم: هذا يثير علامات استفهام كثيرة، فمن وجهة نظرى أن هناك متغيرا جديدا فى الولايات المتحدة يتعلق بشركات التعويضات العملاقة، التى بدأت تدخل كطرف مؤثر فى اللعبة القانونية، وهذه الشركات تسعى للحصول على تعويضات ضخمة من وراء رفع تلك الدعاوى.

وأرى أن الأمريكيين يعرفون العرب جيدا ويعرفون أنه لن يكون هناك رد فعل من أى نوع، فالعرب لم يحركوا ساكنا تجاه ما حدث من مذابح ضد الفلسطينيين في أثناء الانتفاضة، وتجاه الجرائم الأمريكية فى العراق وسوريا، فهل سيتحركون تجاه هذا التعويضات والأمول التى يتضمنها القانون؟ وإذا كان العرب لم يتحركوا تجاه النفوس والبشر والأرواح، فهل سيتحركون فيما يخص الأموال؟ وبالتالى فالولايات المتحدة تعي أنه لن يكون هناك رد فعل عربى وإلا ما كانت وصلت إلى هذا القانون.

وفيما يتعلق بالجوانب القانونية المباشرة لـ «جاستا» نجد أنها خطيرة، والرئيس الأمريكى أوباما ذاته قال ذلك، وهناك أعضاء فى الكونجرس الأمريكى صوتوا بالموافقة عليه دون أن يقرأوا القانون، وحذرهم أوباما من المخاطر، وردوا بأنه لم يكن عليه أن يكتفى فقط باستخدام حق الفيتو ضد القانون، وكان المفترض أن يجلس معهم أو أعضاء إدارته لتوضيح التداعيات والأبعاد المختلفة له، واتهم بعض الأعضاء البيت الأبيض بالتعالى عليهم بأنه ولم يبذل الجهد الكافى لتوضيح الحقائق والأبعاد.

الأهرام: لأي درجة يتسق أو يتعارض القانون مع القواعد والأعراف الأمريكية والعالمية الراسخة؟

د. عبدالمنعم المشاط: أعتقد أنه يخالف بعض المبادئ القانونية الراسخة، وأندهش من أن الولايات المتحدة لم تعبأ بمخالفتها، والواقع أن القانون تكريس لأمركة النظام القضائى والقانونى العالمى، فللمرة الأولى فى التاريخ نرى مجلسا تشريعيا يشرع للعالم، وهذا يذكرنا بقانون روما، قانون الشعوب، لكن على الأقل كان لقانون روما إسهامات قانونية أفادت العالم كله، فالرومان تركوا تراثا قانونيا عظيما، وغالبية تشريعات العالم مبنية على القانون الرومانى، لكن قانون جاستا فيه العديد من المخالفات القانونية الجوهرية، أولاها مخالفة مبدأ شخصية المسئولية، فكل التشريعات العالمية والفكر القانونى المعاصر منذ مائتى عام يتأسس على مبدأ شخصية المسئولية القانونية، سواء فى شقها المدنى أو شقها الجنائى، فلا يسأل الشخص إلا عن أفعاله ولا يجوز مساءلة شخص عن غير أفعاله، باستثناء بعض الأفعال الخاصة بمسئولية المجموع عن أفعال التابع مثل مسئولية مؤسسة عن أفعال بعض موظفيها، وهى تتعلق بالجانب المدنى فقط.

ويعد «جاستا» خروجاً على مبدأ شخصية المسئولية، وهي هنا تؤسس على محض وافتراض انتماء الشخص إلى دولة، فمجرد أن شخصا يحمل جنسية دولة، فمن وجهة نظر تشريع جاستا يكفى لأن تساءل الدولة قانونا وهذا يخالف تراث متراكم من الفكر القانونى امتد عبر مئات السنين، وهذا يقود لنتائج غير منطقية وعبثية وكارثية، فهل مثلا تتحمل مصر مسئولية أفعال إرهابى اكتوت بناره وبأفعاله الإرهابية، وتدفع التعويضات لمجرد أنه يحمل جنسيتها؟ كما أن السعودية ذاتها اكتوت بنار الإرهاب وتنظيم القاعدة، كما حدث فى الخُبر والرياض، فكيف تدفع ثمن أفعال ارتكبها إرهابيون لمجرد أنهم يحملون جنسيتها، وهى بريئة منهم، بل نزعت الجنسية عن كثير منهم؟ وإذا افترضنا هذا جائزاً فى الشق المدنى فيجب أن يقام حد أدنى من علاقة التبعية والمسئولية وإثبات أن الدولة كان لها علاقة مباشرة بالتوجيه أو الإشراف أو دعم هذه الأعمال الإرهابية للأفراد وهو غير موجود فى حالة علاقة السعودية بإرهابى 11 سبتمبر، فكيف تحاسب الدولة عن أفعال مواطن ضال وإرهابى؟

وتحدث قانون «جاستا» عن دعم الدول للأفراد عن عمد أو إهمال وهذا مخالف وخطير أيضا، لأنه مفهوم مطاطى، ومن المخالفات أن التشريع القانونى الأمريكى له خصوصية مختلفة عن التشريعات الأخرى فى العالم، فالتشريع الأمريكى يقوم على التشريع الأنجلو سكسونى، بحيث إنه فى دعاوى التعويض يكتفى بالخطأ المفترض، فلا يشترط تقديم أدلة يقينية، وبالتالى كيف أفرض مثل هذا التشريع على درجة من الخصوصية على دول أخرى وهو يخالف المبادئ القانونية المستقرة والمعروفة؟

الأهرام: القانون مهم وخطير، هل هناك فرصة أن تكون الأجواء العامة لها علاقة بصدوره في هذا التوقيت، وهل يمكن أن يتأثر القضاة بالمواقف السياسية، في ظل الشحن المستمر ضد العرب والمسلمين، وما هي المآلات المتوقعة؟

د. سليمان عبدالمنعم: الخطورة أن النظام القضائى الأمريكى يقوم على نظام المحلفين وهؤلاء ليسوا قانونيين، وبالتالى يمكن أن يتأثروا بالانطباعات والعواطف والتوجهات السياسية، مثل الإسلاموفوبيا والصورة الذهنية عن العرب عند نظر دعاوى تعويضات الدول الأجنبية ومنها بعض الدول العربية.

ويمكن أن يطبق أمام محاكم الولايات وليس المحاكم الاتحادية الأمريكية، وأعضاء محاكم الولايات ينتخبون من سكان الولاية ولا يعينون بالطريقة المهنية المعروفة وهذا يشكل خطورة أيضا.

أما بالنسبة للاحتمالات والتداعيات، فهى كثيرة، ويجب أن نكون واعين وحذرين، لأنه لا توجد دولة عربية أو إسلامية بمنأى عن تطبيق هذا القانون، وأخشى أنه بعد فترة نكتشف فى مصر أننا لسنا بعيدين عن تطبيقات هذا القانون، ونحن على أعتاب حقبة جديدة يجب الاستعداد لها.

الأهرام: لماذا انتفضت دول كثيرة، وأفصحت عن امتعاضها تجاهه، مع أن هناك سوابق وتجارب لا تقل خطورة في هذا الفضاء؟

د.أيمن سلامة: بالفعل أصدرت كندا فى عام 2012 تشريعا مشابها، وتشريع «جاستا» وإن كان فى ظاهره يعد تشريعاً جديداً ومستقلاً ومنفصلاً، لكنه ليس إلا مجرد تعديل للتشريع الأمريكى المعروف باسم «فيسا» الذى كان يحدد حق الرعايا الامريكيين فى مقاضاة الدول الراعية للإرهاب، وهى ثلاث دول، سوريا وإيران والسودان، حيث قام بتوسيع دائرة الدول التي يمكن مقاضاتها، وهذا يثير إمكانية مقاضاة الولايات المتحدة على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ووضعوا فى الاعتبار أن جريمة الإرهاب ليست جريمة ضد الإنسانية، وهذا التشريع مكرس فقط ضد جرائم الإرهاب الدولى، أو ضد جرائم جنائية ارتكبت بحق رعايا أمريكيين، سواء كانوا فى داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

والمسألة المهمة ليست بالتشريع وإنما بالتطبيق، فبعد صدور الحكم مباشرة تم رفع دعوى تعويضية ضد السعودية فى محكمة واشنطن العاصمة، وزعم البعض أنه لولا الدعم المالى وغير المالى للسعودية لتنظيم القاعدة منذ عام 1979 لما وقعت أحداث 11 سبتمبر، وهذه مسألة أهم من كون محمد عطا أو من ارتكبوا هذه الجريمة يحملون الجنسية المصرية أو السعودية.

ولذا هذا التشريع الانفرادى التحكمى وغير الدستورى، مخالف للدستور الأمريكى ولقواعد القانون الدولى وخطير جدا. والأهم الآليات والخيارات المتاحة لنا كعرب لمواجهة قانون جاستا، وأؤكد أن العالم قادر على مواجهته، لأنه فى عام 1996 أصدرت الولايات المتحدة تشريعا باسم «هلوز بولتن» يكاد يكون مطابقا لتشريع جاستا، واستهدف دولة كوبا، حيث رفض الاتحاد الاوروبى ومنظمة الدول الأمريكية اللاتينية واللجنة القانونية لمنظمة الدول الامريكية، ورفضته فرنسا وألمانيا والمكسيك، وتم إلغاء هذا القانون بعد شهور عديدة، وتكتلت هذه الدول ودفعت مواطنيها فى المكسيك وألمانيا وفرنسا لرفع دعاوى مؤسسة قانونا لمجابهة ذلك التشريع، ما اضطر الولايات المتحدة فى نهاية المطاف وفى العام ذاته إلى التراجع عنه.

وفى القانون الدولى العام هناك ما يعرف بقواعد المسئولية، التى تحدد مسئولية الدولة، وهى أن القضاء والبرلمان والسلطة التنفيذية فى القانون الدولى مرافق عامة داخلية وكل ما يصدر عنها، ويخالف قواعد القانون الدولى فهو محدود الأثر فى داخل الإقليم، ولا يرتب حقوقاً أو يفرض التزامات دولية، لذلك فقانون «جاستا» تشريع انفرادى محلى يفرض التزامات على دول العالم كافة، لكنه لا يغير من المراكز القانونية التى ترسخت بموجب القانون الدولى، ومن أهم مبادئه التطبيقية التنفيذية الحصانة للدول ذات السيادة من المقاضاة أمام المحاكم الوطنية للدول الأخرى ذات السيادة، وهذا ليس مبدأ نظريا، لكن نجد أنه فى آخر حكم لمحكمة العدل الدولية فى 2012 فى قضية مشابهة وهى قضية ألمانيا ضد إيطاليا، حيث قضت المحكمة بأن حصانة الدول ضد المقاضاة مبدأ مؤسس وفقا للقانون الدولى العرفى.

وأشار إلى استثناءين بارزين يمكن مقاضاة الدول فيهما، الأول فى حالة المعاملات والتبادلات التجارية والاستثمارية والمتعلقة بالأعمال الخاصة وليست الأعمال العامة كالجيوش والحروب والأفعال العسكرية، والثانى إذا كانت هناك اتفاقية بين الدول ترخص بالمقاضاة أو الملاحقة.

الأهرام: وهل هناك ما يدعو إلى أن يستهدف القانون، أي قانون، الدول، إلى جانب الأشخاص؟

د. أيمن سلامة: المبدأ السائد فى كل الكتابات هو أن الدول لا تلاحق وإنما الذى يلاحق جنائيا الأفراد والمسئولون، ووفقا لمبدأ ما يسمى بالاختصاص القضائى العالمى.

ونحن فى العالم العربى - للأسف - نتحدث عن الرد العكسى، وهو إمكانية مقاضاة الولايات المتحدة عن أفعالها فى الدول العربية، وملاحقة مجرمى الحرب الأمريكيين، ولا توجد إلا خمس دول عربية من بين 22 دولة عربية، التى توجد بها تشريعات لملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، ولا يوجد في مصر قانون لملاحقة تلك الجرائم الدولية، وهى الجرائم الأكثر خطورة ضد المجتمع الدولى وضد الإنسانية، لذلك الندوات والكتابات المختلفة التى طالبت بمقاضاة مجرمى الحرب الأمريكيين غير واقعية فى ظل غياب وجود تشريعات وطنية عربية تسمح بذلك.

الأمر الآخر أن هناك مساواة بين الدول فى السيادة بلغة القانون، لكن ليست هناك مساواة واقعية بين الدول فى السيادة والأمر لا يقتصر فقط على مسألة استخدام الفيتو فى مجلس الأمن، والولايات المتحدة ذاتها فى عام 1986 خسرت أشهر قضية حين أصدرت تشريعا عن الكونجرس، باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية، منظمة إرهابية، وتم إغلاق مكتب المنظمة، وكان الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ريجان، أصدر أيضا قرارا تنفيذيا بإغلاق المنظمة، وتم الإغلاق بالفعل وأيدت المحكمة الابتدائية فى واشنطن تلك الإجراءات، لكن محكمة الاستئناف الأمريكية نقضت كل ذلك، وأصدرت عبارة قالت فيها كيف لدولة مثل الولايات المتحدة أن تخالف أحكام القانون الدولى، وتخالف تحديدا اتفاقية المقر بينها وبين الأمم المتحدة عام 1946؟ والدستور الأمريكى هو أول دستور ينص على عدم جواز مخالفة أو انتهاك التشريعات التى تصدر عن الكونجرس أو اللوائح أو القرارات التنفيذية للرئيس والمسئولين لقواعد القانون الدولى والتعهدات الدولية للولايات المتحدة، وبالتالى القانون لا يحوز شرعية دولية، كما لا يحوز شرعية دستورية فى الداخل الأمريكى.

الأهرام: ما هي الفرص القانونية لنقضه من قبل المحكمة الفيدرالية العليا، أو تعديله من خلال الكونجرس المقبل؟

د. سلامة: تستطيع السلطة التنفيذية (وزارة العدل الأمريكية) والمدعى العام الأمريكى، تجميد أو تعطيل أو وقف أى دعوى أمام المحاكم الامريكية، إذا أخبرت السلطة التنفيذية أن الولايات المتحدة تجرى الآن مفاوضات مع دولة معنية، وهذا أخطر ما فى التشريع، لأنه انتقاص لكرامة وعزة وهيبة هذه الدولة المعنية والتى رفعت تجاهها دعوى التعويضات، لأن الولايات المتحدة سنّت هذا التشريع حتى يكون ورقة أو صفقة رابحة حين تتفاوض مع دولة سواء مفاوضات دبلوماسية أو عسكرية، ويكون قد تمت مقاضاة هذه الدولة ورفع الدعوى ضدها، هنا هذه الدولة (الأخرى) محال أن تكون لها الوضعية والوزن القانونى والاعتبارى ذاته، قبل المقاضاة حتى فى محيطها الداخلى، ولا يتمثل ضرر قانون جاستا فى الضرر المادى والتعويض وإنما الضرر المعنوى أيضا.

وخرق القانون لا يتمثل فى التطبيق والنفاذ والتعويض ولكن الخرق تمثل فى مجرد سن القانون؟ وهنا يأتي السؤال هل يمكن إلغاء قانون جاستا؟

فى قواعد المسئولية الدولية، ونظريا فى كتب القانون توجب مسئولية الإلغاء على الدولة التى سنت القانون وهى الولايات المتحدة، والمسئولية المباشرة هى على الكونجرس الحالى أو القادم فى إلغاء هذا التشريع أو تعديله، بما يتسق مع الدستور الامريكى ومع القانون الدولى ومبادئه، ووفقا للتشريع الجنائى الداخلى للولايات المتحدة لا تستفيد الدولة من الحصانة القضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية فى حالة دعمها للإرهاب، وهناك آراء فقهية أجنبية تقول: إذا كان تشريع عام 1996 الأمريكى ضد الدول الثلاث والتشريع الكندى ضد الدول عام 2012 لم يتكتل العالم ضد التشريعين بما فيها الدول العربية ذاتها، ومن هنا ترى هذه الآراء الفقهية أن غياب ذلك التكتل والرفض لهذا القانون، كما حدث فى القانون ضد كوبا والذى تم إلغاؤه، يوفر قوة فعلية وأمرا واقعا لهذا التشريع.

الأهرام: هل فى القانون الدولى العرفى ما يرخص للمحاكم الوطنية لدولة أجنبية أن تقوم بمقاضاة دولة أخرى ذات سيادة وإن كانت تتعلق بدعاوى قضايا مدنية وتعويضية؟

د. سلامة: بعد ثبوت عدم شرعية قانون «جاستا»، فإننا نصفه بأنه تشريع مخالف للقانون الدولى والدستورى، وهو تشريع انفرادى تحكمى سلطوى وغير منطقى ليمتد ليشمل دول العالم كافة، وكان حريا على الولايات المتحدة أن تقوم بالمشاورة على الأقل مع مجموعات الدول «الانجلو سكسون» على الأقل قبل إصداره، لأنه يعد تشريعا خطيرا جدا ولا توجد دولة فى العالم بمنأى عنه، بغض النظر عن ارتباطه بحادث 11 سبتمبر.

الأهرام: هل تملك الدول العربية فرصا كبيرا للمواجهة ووقف نزيف التداعيات السلبية التي يمكن أن يخلفها قانون «جاستا»؟!.. وما الذي ينبغي فعله حياله؟

د. عبد المنعم المشاط: سؤال صعب لأن الدول العربية لم تتفق حتى الآن على إحياء معاهدة الدفاع العربى المشترك فيما بينها فكيف تستطيع الدول العربية أن تتوحد فى مواجهة هذا القانون؟ وهناك أيضا اختلاف وعدم توافق عربى حول الأزمات العربية مثل الأزمة السورية والأزمة اليمنية والوضع فى ليبيا، فالجامعة العربية استدعت الناتو لضرب ليبيا وتمهيد الطريق لتجميع قوى إسلامية متطرفة هناك، بل محاولة تقسيم ليبيا وهذا معروف لدى الجميع، كما سهلت بعض الدول العربية دخول الولايات المتحدة، العراق من قبل.

ورغم أن قانون «جاستا» ميز بين الإرهاب والحروب، لأن أعضاء الكونجرس تنبهوا إلى أنه من الممكن للدول المختلفة أن تقاضى الولايات المتحدة على تدمير دول مثل العراق وأفغانستان وسوريا وغيرها، لكن بالنسبة لنا كعرب فنحن نساوى بين الحروب والإرهاب، ويمكن أن نرفع قضايا ودعاوى، ضد ما ارتكبته الولايات المتحدة فى بعض الدول العربية.

الأهرام: ما هي الكوابح السياسية والقانونية التي يمكن أن تفرمل الولايات المتحدة، وتمنعها من التوسع في تطبيق القانون؟

د.سليمان عبد المنعم: رد الفعل الأمريكى سوف يتوقف بشكل كبير على ردود الأفعال العربية، ويُقال ان التصويت كان جماعيا، خاصة فى مجلس الشيوخ وهو ما يعد مدخلا لإعادة مناقشة القانون وإمكانية تعديله والتصويت عليه مرة أخرى، وأكرر أنه فى ظل تجارب سابقة ربما يظن الأمريكان أنهم لا يعولون على رد فعل عربى مدروس ومخطط وقوى.

وبالنسبة لمقاضاة دول أجنبية أمام محاكم دول أخرى، فلا يجوز فى القضايا الجنائية بينما يجوز فى القضايا الاقتصادية والتجارية، في ظل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية والتحكيم التجارى الدولى.

أعتقد أن رد الفعل العربى ليس من المستحب أن يبدأ من الدولة، ومن الأفضل أن يكون عبر منظمات داخل الدول العربية، إما حقوقية أو أهلية أو علمية وأكاديمية، مثل الجمعية المصرية للقانون الدولى أو عن طريق الجامعة العربية، وتأخذ مبادرة إنشاء تشريع عربى.. وهناك مدخل آخر عبر اتفاقية الأمم المتحدة للجريمة المنظمة عبر الدول، والتى صادقت عليها مصر وأصبحت جزءا من القانون المصرى، من خلال اعتبار الإرهاب أحد أشكال تلك الجريمة، وبالتالى الضغط باتجاه تطبيق ذلك وتجريم كل من مول ودعم ورعاية الجريمة المنظمة ومنها الإرهاب، ولدينا عناصر قانون جاستا العربى، وهو اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الدول، خصوصا أنها تطالب الدول الموقعة عليها بإصدار تشريعات تتوافق مع الاتفاقية.

الأهرام: هل فى قانون «جاستا» ما يسمح بملاحقة الولايات المتحدة نفسها؟

د. المشاط: القانون ميز بين الحروب وجرائم الإرهاب، ولذلك فطن أعضاء الكونجرس وميزوا بين الاثنين حتى لا تلاحق أمريكا عن جرائمها فى أفغانستان، لكن بالنسبة لجرائم مثل قصف مدنيين عبر الطائرات بدون طيار يمكن اعتبار ذلك جرائم إرهابية، وهذا يخرجها من أعمال الحرب إلى الأعمال التى يمكن مساءلة الولايات المتحدة عليها، ولابد من حالة وعي على المستوى العربى إزاء هذا القانون.

د. رفعت السعيد: عن السؤال، هل يمكن للعرب فعل شىء تجاه هذا القانون؟ قانون جاستا لا يعتبر القتلى في أثناء الحروب عملا إجراميا، وإنما الأفعال الإرهابية، فمثلا خلال ثورة 25 يناير 2011 قامت العديد من السيارات التابعة للسفارة الأمريكية فى القاهرة بسحق بعض المتظاهرين فى ميدان التحرير، وصرح مسئولون مصريون وقتها بأن السيارات الأمريكية لا يمكن أن تتحرك دون كروت معينة فيها، وهذه الكروت لا يمكن أن تتوافر إلا مع أحد أعضاء السفارة أو العاملين فيها، ويمكن استغلال هذا الحادث لرفع دعاوى ضد الولايات المتحدة، لكن القضاء المصرى يحكم فى مثل تلك الدعاوى غالبا بعدم الولاية أو الاختصاص مثل دعاوى طرد سفير أو غيرها باعتبارها من أعمال السيادة. وقد فكرت فى حزب التجمع لرفع دعاوى فى هذه القضية، لكن هل هذا مفيد لمصر؟ وهل الأمريكان عندما أخذوا هذه القرارات شعروا بحد أدنى من الخوف من أن تتحرك أي دولة عربية لرفع دعاوى ضدها؟ لذلك من المهم أن يكون هناك تحالف سعودى - مصرى للرد على هذا القانون.

السعودية تعرضت للإرهاب بسبب تحالفها وصداقتها للولايات المتحدة وهو ما ظهر فى اعترافات الإرهابيين وتبرير أعمالهم ضدها، والخلاصة أن علاقة السعودية بالولايات المتحدة جاوزت الحدود المسموح بها، ومن الضرورى إعادة الأمور لنصابها.

الأهرام: هل للمحكمة الفيدرالية العليا اختصاص بالفصل في مصير قانون «جاستا» ؟

د.أيمن سلامة: أعتقد أن المحكمة الفيدرالية العليا الأمريكية لها اختصاص بالفصل فى دستورية أو عدم دستورية تشريعات أصدرها الكونجرس أو غيره، اعتبارا من عام 1803 دونما نص فى الدستور، وبالتالى أي محكمة أو أفراد تستطيع الذهاب إلى المحكمة العليا الأمريكية للفصل بعدم دستورية بعض تشريعات الكونجرس، وتشريع جاستا يمكن الطعن عليه أمام المحكمة العليا الأمريكية. وأرقى عبارة قرأتها هو قرار المجلس الدستورى الفرنسى، ثم اللبنانى عام 2006، وتقول «إن الهيئات والمؤسسات والسلطات العامة فى الدولة لا تمتلك سلطتها إنما تمارسها بموجب الدستور».

د. نورهان الشيخ: فيما يتعلق بسبل مواجهة هذا القانون، أرى أن هذا القانون ليس ضد المصلحة الوطنية المصرية، بل يمكن لمصر أن تستثمر هذا القانون بطريقتين، الأولى أن نكشف عناصر إرهابية مختلفة تهدد مصالحنا وهى إما مستضافة داخل الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن الماضي، أو لإرهابيين لجنسيات دول أخرى مقيمين فى الولايات المتحدة، ويمكن كشف النقاب عن تلك العناصر وإحراج صانع القرار الأمريكى ومطالبته بمحاسبة هؤلاء الإرهابيين المقيمين على أراضي الولايات المتحدة.

والطريقة الثانية، أن نستثمر القانون بإصدار قانون مصرى مماثل، أو ما يسمى بـ «جاستا المصري»، ونقاضي به بعض الدول التى ترعى وتدعم الإرهاب فى مصر، مثل قطر وتركيا وغيرهما، من الدول والمنظمات التى تدعم الإرهاب فى مصر، خاصة أن مصر، اكتوت بالإرهاب ولديها قوائم لا حصر بها بتلك الأفعال الإرهابية ومرتكبيها وبالدول والجماعات والأفراد التى دعمتها.

كذلك لابد من التعاون إقليميا ودوليا، وهناك دول رفضت القانون واعتبرته ابتزازا، ومنها روسيا، كما أنشأ العراق هيئة دفاع وطنية لمقاضاة بعض الدول عن دعمها للتفجيرات الإرهابية التى شهدها العراق.

ومن هنا، تبرز أهمية التنسيق العربى والدولى مع الدول التى تعارضه، ومنها روسيا لمجابهة هذا القانون حتى لا يتم استغلال هذا القانون بطريقة سيئة، لاسيما أن أوباما حذر من مخاطره على الولايات المتحدة ذاتها وعلى مصالحها وأمنها القومى ووضع جنودها فى الخارج.


 المشاركون : د.عبد المنعم المشاط، أستاذ العلوم السياسية والأمن القومى بجامعة القاهرة - د. رفعت السعيد، كاتب ورئيس حزب التجمع سابقا - د. سليمان عبد المنعم، أستاذ القانون بجامعة الإسكندرية - د. أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولى العام - د. نورهان الشيخ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة - سمير الشحات، مدير تحرير الأهرام - محمد صابرين، مدير تحرير الأهرام

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق
  • 1
    دكتور كمال
    2016/10/17 23:37
    0-
    0+

    قانون جاستا لم يأتِ بجديد
    الخطا في فهم قانون " جاستا " هو ان لقانون لا يستهدف الدول التي يقوم مواطنون منها بارتكاب جرائم ارهابية : القانون يستهدف الدول التي " ترعي " فيها الدولة و " تساعد " فيها الدولة الارهابيين : و هو لا يختلف عن استهداف شخص او دولة او هيئة " تعطي " مبلغاً من المال ليقوم هذا الشخص بقتل شخص اخر او مجموعة من الناس : لان هذه جريمة بكل المقاييس و يعاقبها القانون في كل دولة و محكمة
    البريد الالكترونى
     
    الاسم
     
    عنوان التعليق
     
    التعليق