الجمعة 24 من شوال 1437 هــ 29 يوليو 2016 السنة 140 العدد 47352

رئيس مجلس الادارة

أحمد السيد النجار

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

رئيس التحرير

محمد عبد الهادي علام

دراسة نقدية لسيرة محمد شمروخ الذاتية
«اعترافات عازب ».. قصة حياة مثيرة لفيلسوف صعيدى !

د.رمضان رمضان متولي
تاريخ الفراعنة يحوي الكثير من هذه الألوان التى تدخل فى باب السيرة الذاتية فى مغامراتها للبحث عن الحقيقة ، فمن هذه الألوان ما يدخل تحت الإعترافات ، مثل حديث «أمينحتوب « الأول فى أحد النقوش القديمة حين يقول : «كنت رجلا زرع البذور وأحب إله الحصاد وحيانى النيل وكل وديانه ولم يكن فيها على أيامى جائع ولا ظمآن وعاش الناس فى سلام بفضل ما عملت وتحدثوا عني» .

وفى أدبنا الحديث فى السير الذاتية المتكاملة نقابل كتاب «الأيام « لـ طه حسين ، و «حياتي» لأحمد أمين ، و «أنا» للعقاد ، و»على الجسر « لبنت الشاطئ ، وفي هذه السير ومثيلاتها قد يستخدم كاتبها صيغة الغائب ليبرئ نفسه أمامنا من مظنة العجب والغرور ، بينما يستخدم كاتب آخر صيغة المتكلم خاصة وأن الحديث بها يقدم لنا تجربة عارية يتحقق من خلالها عنصر الصدق .


ثم ... هاهو صعيد مصر الأرض الولود الودود التي أنجبت لنا واضع أسس قوى مصر الناعمة رفاعة الطهطاوي , ثم من بعده طه حسين وعباس العقاد . تقدم لنا مفاجأة سارة من صعيدنا الجواني بقدوم هذا الشاب الذي يذكرنا إنتاجه الأدبي الذي يتسم بخفة ظل وطرافة وملاحة تذكرنا بالراحل العظيم الأستاذ أحمد بهجت كما يبدو في كتابة « اعترافات عازب» والذي يقدم من خلاله سيرة ذاتية حافلة بمواقف وطرائف وملح ونوادر وخبرات نحن في أمس الحاجة لقراءتها في هذه الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي تمر بها بلادنا في هذه الأيام , والتي نتعرض فيها لحملات ومؤامرات في داخل البلاد وخارجها .

وفى تتبعنا لملامح السيرة الذاتية فى هذه الاعترافات نجد أمامنا محمد شمروخ وقد ترك لنا قطعة من حياته منذ أن قدم من إحدى قرى نجع حمادي في صعيد مصر الجواني والتحق بقسم الفلسفة بآداب عين شمس ثم التحاقه بالعمل الصحفي في جريدة الأهرام وهو يعرض لنا ذلك كله بأسلوب فيه طرافة ولطافة وظرافة وخفة ظل نفتقدها في كثير من كتب السير الذاتية التي قد يتسم بعضها بالجهامة والقتامة والعتامة ..

كما يضفي شمروخ على كثير من سلوكياته ومواقفه - إزاء ما مر به من أحداث - صبغة فلسفية تتفق ودراسته لعلوم الفلسفة والمنطق .

ويحرص شمروخ على تقديم نقد لكل ما يقابله ويصادفه من سلوكيات ومظاهر خاطئة وخادعة داخل مجتمعنا المصري ، خاصة المشاكل الإجتماعية التي يتعرض لها طالب الجامعة القادم لأول مرة من قرى مصر وريفها ومنها على سبيل المثال هى مشكلة السكن ، خاصة إذا كان الباحث عنه من متوسطي الحال . وأقرأ معي قول شمروخ عن ذلك: «لم يكن لدى شقة ومازلت أسكن مع زملاء لي فى الشقق المفروشة ، والمفروش ما المفروش وما أدراك بحياة المفروش ، فنظرة السكان إليك كأنهم البيض فى مواجهة زنوج أمريكا القرن التاسع عشر أو حتى الهنود الحمر .فترى التكشيرة متربعة على وجوه السكان الأصليين ، بينما النازحون إلى المفروش من أمثالى محل إدانة مباشرة وليس إتهام فقط ، ولهذا كان إضطررنا للبحث عن شقة أخرى بعيدا عن هذه النوعية التى تتعامل مع سكان الشقق المفروشة وكأنهم حشرات قارضة ينبغى القضاء عليها قضاءً مبرماً . ومن مفروش إلى مفروش ياقلب لا تحزن إن الله معنا».

كما يحرص كذلك على تقديم نقد ذاتي ومن ذلك اعترافه بأنه التحق للعمل بمؤسسة الأهرام ليس لمواهب صحفية وأدبية ولكن طبقا لقوله : «بفضل الوساطة والمحسوبية والخواطر» وحتى بعد أن أتم فترة التمرين بقسم الحوادث بالأهرام يعترف بأنه استخدم « الإلحاح للوساطة في تثبيته في الوظيفة «حتى تم تعييني ليس بسبب مجهودي فى العمل الذي كان غاية من المشقة ولكن لإلحاحي مرة أخرى للوساطة في التعيين ، فقد كان على أن أنتظر سنوات وسنوات إذا لم أسعى فى التعيين ولن يسأل فيا أحد « . وبعد تعيينه رسميا كمحرر بالأهرام اعتبر شمروخ نفسه جديرا بحمل اللقب المأمول بعد أن من الله عليه بشقة تمليك .

ويحمد لشمروخ في سرده الدرامي الذي يتهادى ويسير سير الهويني كماء النيل في نزوله من صعيد مصر تقديمه نقدا موضوعيا ومنطقيا لما يقابله من سلبيات تصيب حياتنا الاجتماعية بالتعثر والسلبية .

وقد بدأ ذلك النقد بما يعانيه مجتمع الجامعة من ظواهر وسلوكيات لا تتناسب وقدسية الرسالة التعليمية . وإقرأ معي قوله : «ووجدنا أساتذة الجامعة بعضهم يلهث وراء المكاسب المادية في الدروس والمذكرات والملازم , أو يتبع نظرة تلو النظرة لبنات الآداب في الجامعة في أقسامها المختلفة فلم أرطه حسن ولا عبد الرحمن بدوي ولا أي شخص ... ولذلك لم أستطع الإنزلاق إلى التفاهة والسطحية والاكتفاء بالفرجة» فقط .

فنحن نلاحظ من خلال سطور محمد شمروخ السابقة نظرة شاملة وفاحصة ورأيا موضوعيا وصدقا وواقعية ، فقد عرض لنا في سطور قليلة رصدها قلمه بَعْضَ ما يكتنف حياتنا العلمية والدراسية بل والاجتماعية داخل العديد من جامعاتنا . وهي ظواهر شديدة السلبية , مازال مجتمعنا الجامعي يعاني منها أشد المعاناة , وقد حاول الكثير من أساتذتنا دراسة هذه الظواهر وتأثيراتها المدمرة على طلابنا بل وعلى أساتذتنا , الذين قد يلهث البعض منهم وراء إحدى تلميذاته لإقامة علاقة عاطفية تنتهي في كثير من مراحلها بانعكاسات شديدة الخطورة على حياة الأستاذ الأسرية ...

وقد تناول قلم محمد شمروخ هذه الظاهرة بصدق يتفق وأخلاقه ونشأته الصعيدية التي لا تغمض عينا على ما تراه من عيوب مجتمعية وأخلاقية .. وأجمل ما في هذه الاعترافات هو رنة الصدق الشديد والمكاشفة التي تتسم به .

وتحظى تجارب محمد وخبراته ومواقفه وحكاياته في اختيار شريكة العمر بمساحة هائلة من مذكراته , ويحكي فيها لقاءاته وزياراته لأسر من ستحظى باختيارها شريكة العمر , وما صادفه من نوعيات من النساء هرب الخجل والحياء منهن إلى غير رجعة , واختفت من قاموس حياتهن كلمة «عيب» أو «حرام» , فكل شيء مباح من غش وخداع وتزييف وكذب , المهم الفوز بالعريس المنتظر , خاصة وأنه صحفي بالأهرام , وهي كلمة تعبر عن وظيفة ذات جرس رنان , حتى أن والد إحداهن طلب منه أن يتوسط لدى محافظ الجيزة ليتجاوز موادا في قانون المحليات يؤدي بصاحبها إلى أسفل السافلين وحتى سجن الواحات . مقابل مبالغ مالية يسيل لها لعاب ذوي النفوس الضعيفة . وبفضل الله ولأصله الطيب ومعدنه الأصيل لم يكن محمد من هذا النوع الذي يزغلل بريق الذهب عينيه ويسيل لعابه.!! فقد صقله وصهره العمل بقسم الحوادث بالأهرام وتردده على النيابات وأقسام الشرطة ومتابعة حوداث القوادين وأهلهم وزبائنهم ، كما أن صعيديته ونشأته في إحدى قرى نجع حمادي وشربه ماء النيل بطينه ، وإصابته بالبلهارسيا من جراء ذلك وعلاجه وشفائه ، صنعت منه رجلا صلبا ذا عزيمة قوية لا تلين أمام أعتى الشياطين ، وإذا جاز لنا هنا استخدام العامية : « رجل ما ينضحكش عليه» ، وتمضي إعترافات شمروخ حافلة بالعديد من الأحداث والتجارب الإنسانية الناضجة والواعية والتي تكشف لنا عن شاب صعيدي نابه ذكي وحكيم . إذ لم يفلح الآخرون رغم شدة مكرهم وخداعهم ودهائهم وقوة ألاعيبهم وتماسك حيلهم , لم يفلحوا في بيع الترماي أو العتبة الخضراء لهذا الجرنالجي الناصح ..

ولا يفوت شمروخ من خلال ما مر به من تجارب ومواقف مؤلمة وموجعة أن يقدم لنا نقدا لسلوكيات بعض الأسر المصرية خاصة ما يتعلق بالدور التربوي والرئيسي الذي ينبغي أن يقوم به الأب لتكوين أسرة قوية وناجحة تساهم في بناء وطنها وتخرج لنا أجيالا طاهرة نقية تخشى ربها وتساهم مساهمة جادة وفعالة في بناء وطنها، ولا يتورع شمروخ عن إدانة نفسه مثل ما فعل في تجربة تعيينة محرراً بالاهرام . وهو يؤمن أنه مهما أستغلق فإن ثمة أحد سيتوكأ على عصا الفهم ويلتقط إشارة شاردة .

ونحن لا نقف فى هذه الاعترافات أمام محمد شمروخ الصحفى وحسب وإنما أمام مفكر وفنان وفيلسوف لا يفلسف الأمور باعتبارها تدفقاً لقضايا شخصية ، فالاشكاليات التى يعمل عليها صالحة لكل شاب سواء كان قاهرياً أو وافداً على عاصمة المعز ولكل شخص يعيش على أرض الواقع الحافل بقضايا ومشاكل ، ولكل شخصية لا يوجد فيها إختلاف بين حقيقة العقل وحقيقة النقل .

وفى الختام نقول : أن هذه المذكرات بحلوها ومرها بمثابة بانوراما اجتماعية لسلوك واحد من مثقفي الطبقة المتوسطة بتاريخها وثقافتها واحباطاتها على مر السنوات وتتسم هذه السلوكيات بالسخريبة والصدق و الجرأة كما تجمع ما بين البهجة والمتعة .



 

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق